العراق والخروج من نفق الاستقطاب الطائفي

أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية كانت الطائفة الشيعية في العراق جزءاً أصيلاً من الجيش العراقي، تقاتل بشراسة ضد القوات الإيرانية. وعلى الرغم من محاولة إيران أن تعطي حربها مع العراق صفة الثوري تارة، والمقدس تارة أخرى، إلا أنها لم تستطع أثناء فترة الحرب أن تحدث اختراقاً للطائفة الشيعية.
فمن ناحية كانت الشخصية القومية العربية طاغية، في موجة جديدة جعلت من الرئيس صدام حسين في تلك المرحلة، وبعد السلام المنفرد للسادات مع إسرائيل، الزعيم الذي يراه البعض وريث المشروع القومي بعد جمال عبد الناصر، ومن ناحية أخرى، فإن الشيعة في العراق وإيران ليسوا كتلة واحدة، ولم يكونوا كذلك مطلقاً، وغالباً فإن مواضع الافتراق بين الجانبين تفوق ما يجتمعون عليه.
الشيعة العراقيون من قبائل عربية تلتقي في مرجعياتهم العراقية ضمن تكتلات قبلية عربية أخرى في العراق والشام والجزيرة العربية، وينظرون بشيء من التحسس للإيرانيين، بوصفهم ينتمون للعرق الفارسي المنافس تاريخياً، فعادة ما يصف الشيعة العراقيون شيعة ايران بكلمة (العجم) التي تفصح وبدون مواربة عن نفس شعوبي واستعلائي يتبادله العرقين الفارسي والعربي.
أفسدت حكومة المالكي بنهجها الطائفي التركيبة المذهبية في العراق، ولا ينفي ذلك بالطبع أن الشيعة والسنة في العراق كانوا قد بدأوا صراعا مكبوتا بعد حرب الخليج الثانية وغزو الكويت، فهي الفترة التي بدأت تشهد انقلاب صدام حسين على الفكر القومي وتوجهه نحو تكوين حلقة عشائرية تسانده، وكان أن أطلق صدام في المقابل يديه في المزايا والأعطيات لهذه الفئة، ووضع فيها ثقته لأنها كانت خياره الوحيد داخلياً، وحتى بعد الصدمة التي تلقاها بهروب وانشقاق الأخوين حسين وصدام كامل المجيد، فإنه لم يكن في وضع يسمح له بإعادة ترميم عراق السبعينيات والثمانينيات. ميراث المالكي كان سبباً في الوصول إلى إسقاط أي نموذج تعايش ممكن بين الشيعة والسنة، والمالكي مسؤول إلى حد كبير عن تواصل العنف في العراق، وإيجاد الحاضنة الشعبية له، من خلال الأوساط السنية الغاضبة، وعلى الأقل غير المكترثة، التي تشعر بالاغتراب داخل العراق، وهي البيئة التي شهدت دخول كوادر «داعش» التي طرحت نفسها في البداية بوصفها جزءاً من مقاومة مسلحة تتوجه للوجود الأمريكي والإيراني في العراق، قبل أن تتحول إلى أداة قتل مريعة وعشوائية تستهدف السنة والشيعة والمسيحيين والإيزيديين بدون تمييز.
واليوم والمليشيات الشيعية تتقدم باتجاه المناطق التي تخضع لسيطرة «داعش» فإنه لا توجد قوة في العراق تستطيع أن تضمن عدم الانسياق في مزيد من التحشيد الطائفي.
رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي حصل على مساندة خليجية، وتمكن من التواصل بايجابية مع السعودية، ولكن ذلك ليس كافياً لوجود واقع ميداني يجب التدخل لتصحيحه، وتمكين القوات النظامية العراقية من العمل منفردة على الأرض، وبدون حاجة لأي مساندة من التشكيلات الطائفية، وربما كان من الأفضل للعبادي أن يتحمل المسؤولية السياسية والوطنية، ويستدعي قوات عربية مساندة على أن يترك مستقبل العراق معلقاً أمام مزيد من الثأرية والحس الانتقامي بين الطائفتين الأساسيتين فيه.
تبدو الفرصة مواتية حالياً من أجل تحييد النفوذ الإيراني في العراق، فالعلاقة بين السيستاني ومن ورائه مرجعية النجف وبين الخامنئي وولاية الفقيه في ايران أخذت تدخل منعطفاً حرجاً، والنجف بدأت قدراً كبيراً من الاستقلالية في قراراتها وتوجهاتها، عدا بالطبع عن استياء يتراوح بين المكبوت والمعلن من المغامرات الإيرانية التي يدفع ثمنها الشيعة في أماكن وجودهم بالمنطقة العربية، خاصة أنه بات واضحاً أن براغماتية طهران تتعدى أصلاً الاعتبارات الدينية وجميع المقولات الأيديولوجية وتتحول بشكل صريح إلى تأسيس تحالفات قائمة على المصالح الاقتصادية والسياسية المحضة.
الصدر يبدو أكثر تحمساً وصراحة في مواجهة الايرانيين، وهو يعتبرهم مسؤولين عن تهيئة الأوضاع التي أدت لاغتيال والده محمد صادق الصدر، ويبدو الصدر اليوم أبعد القيادات الشيعية عن الغطاء الإيراني، والشخصية الوازنة والمؤثرة لدى الأجيال الشابة من الشيعة في العراق، ولكن، وأمام تصاعد النفس المذهبي للصراع، فإن أحداً لا يتوقف أمام هذه الحقائق المهمة، فالرايات التي يرفعها الطرفان، سواء السنة أو الشيعة تغيب مثل هذه التفاصيل، وتدفع المعتدلين في مرحلة معينة إلى اتخاذ مواقف متطرفة، ولذلك فإن الحاسة السياسية للعبادي يجب أن تتحرك تجاه استثمار هذه الخريطة الجديدة للتوجهات السياسية والشعبية في العراق.
الأزمة السياسية العراقية كفيلة بأن تخلط الأوراق على جميع الأصعدة، ولا يمكن مواصلة حملة ناجحة على «داعش» في المدى البعيد بدون أن توجد حلول للغزوات الاحتجاجية على المنطقة الخضراء، والتيار الصدري لا يمكنه أن يحقق جميع أهدافه في وقت واحد، كما أن تحقيق انتصار على «داعش» هو الأمر الذي يمكنه أن يمنح الفرصة المناسبة للعبادي من أجل تحقيق مطالب الصدريين، المتمثلة في إنهاء حالة المحاصصة الطائفية والمحسوبية السياسية والطائفية، التي ساعدت على تفشي الفساد وسرقة المال العام.
تتطلب هذه المرحلة أن يجد العراق شخصية سنية تستطيع أن تمثل أغلبية السنة في العراق، شخصية تمتلك القدرة على التأثير وتستطيع أن تعقد اتفاقيات سياسية نحو تسويات معقولة، تستطيع أن تؤسس وتصون دولة المواطنة التي هي المخرج الوحيد للعراق المتعدد الطوائف والعرقيات، وهذه الشخصية تحتاج من أجل تقديمها لمساندة واسعة من الدول العربية، التي تهتم بوجود عراق مستقر وفاعل، وإلا فإن المتاح في المقابل هو العمل على مساندة المعتدلين من الشيعة وتمكينهم من احتواء الحمى الطائفية التي تجتاح العراق، وتقريباً يبقى مقتدى الصدر خياراً مناسباً للدول العربية، ولكن على أن يقدم برنامجاً واضحاً للخروج من المأزق الطائفي في العراق، وأن يتم التوافق على ذلك المخرج والعمل على تحصينه، خاصة أن ايران ما زالت تمتلك تأثيراً كبيراً على بعض الجهات في المشهد الشيعي بالعراق.
العراق يشكل محوراً مهماً في الخروج بالمنطقة العربية من مرحلة الفوضى، وهو أولوية تسبق سوريا واليمن، فالعراق هو الخاصـــــرة التي يجب أن تبدي المقاومة لأن أي مكتسبات أخرى تتحقق لإيران بدون وجود العمق العراقي ستبقى مجرد جيوب يمكن السيطرة على تحييدها، والطموحات الإيرانية شهدت الانتعاش في الأساس بناء على الحصة التي اقتنصتها من العراق، بعد انطلاق عصر الفوضى بعد 2003 وظهور مشروعات الشرق الأوسط الجديد وغيرها من الأفكار التي كانت وما زالت موضوعاً لتجارب مختبر الموت والرعب الممتد على مئات آلاف الكيلومترات بين العراق وسوريا، وكما كان العراق أرضاً خصبة لالتقاط الفيروس الطائفي فإنه الأرض التي يمكن أن تسقط عليها حالة الاستقطاب حول الطائفة أو المذهب.

٭ كاتب أردني

العراق والخروج من نفق الاستقطاب الطائفي

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية