تشهد المسألة السورية مجموعة من التزامنات التي تدلل على أن عالماً جديداً يجري تحديد ملامحه في هذه المنطقة. فالتوصل إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين تركيا وإسرائيل ترافق مع اعتذار تركي خطي حصلت عليه موسكو، لينهي عملياً الأزمة التي حدثت على خلفية إسقاط تركيا لمقاتلة روسية زعمت اختراقها لمجالها الجوي.
روسيا وإسرائيل من جهة أخرى تربطهما تفاهمات عميقة، فالدور العسكري الروسي لم يكن بمعزل عن توجهات إسرائيل ومصالحها، ووجود تنسيق واضح بين موسكو وتل أبيب، والمثلث الجديد ينفتح على مجموعة أخرى من التحالفات، فدول الخليج توجهت لروسيا مبكراً، وأقرت بأهمية دورها في المسألة السورية، والأردن يحتفظ بعلاقات جيدة مع الروس تتعرض أحياناً لحالات من الشد والجذب نظراً لأن موقعه من الصراع يجعله أكثر حساسية من الأطراف الأخرى التي تتفوق فيها طموحات التأثير على مخاوف التأثر من مجريات الأحداث على المحور السوري – العراقي.
أتى ظهور تنظيم «داعش» ليخلط الأوراق في المسألة السورية، فدخلت جميع الأطراف في مرحلة التنازع على الأولويات، وكانت هذه الوضعية تعطي فرصاً استراتيجية لـ»داعش» ودمشق على السواء، وكانت قدرة العاصمة المرهقة جميع الوقت، والمترنحة من وقت لآخر، على الاستفادة من هذه الوضعية تتنامى من مرحلة لأخرى، وكذلك قدرة التنظيم الذي يستمد ضعفه من فوضى الآخرين وتخبطهم، ولكن الأمور لا يمكن أن تمضي على هذه الشاكلة للأبد، فالإرهاق أخذ يتنقل من عاصمة لأخرى، ولم تعد التصريحات عالية النبرة والسقف تسترعي اهتمام أحد، أو تغير شيئاً على الأرض.
نقلة الحصان التركي المتوقعة في مضمونها، نظراً لعدم قدرة أنقرة على تحمل تكلفة الخصومة مع موسكو، أتت من الناحية الشكلية بطريقة تسترضي الغرور الروسي، والتساؤل حول التوقيت والملابسات يدفع لسؤال آخر حول ما تراه تركيا من تحولات على الأرض بالصورة التي تجعلها تبحث عن تأمين خط الرجعة، بعد أن رفعت سابقاً عصا التحدي في وجه موسكو ولوحت بعضويتها في الناتو لتجعل المشهد يبدو وكأنه أول فصول حرب عالمية ثالثة.
يمكن التخمين، أن تركيا ترى ما يراه الآخرون في مختلف المواقع من المسألة السورية، وهو أن الولايات المتحدة وصلت لمرحلة من السلبية التي تعفي الجميع من توقع أي شيء فعلي على الأرض من قبلها، ولعل الغضب في أروقة وزارة الخارجية الأمريكية ورسالة الخمسين الغاضبة التي شجبت سياسة أوباما تجاه سوريا كان مؤشراً على مدى وصول إدارة الرئيس الأمريكي لحالة من البلادة تجاه السياسة الخارجية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، فالأمر لم يعد تعففاً عن التدخل، ولكنه يظهر بداية عجز وعقم في قدرة الأمريكيين على التأثير في المنطقة، وهو ما يمكن أن يصبح أحد العناصر الوازنة في المواجهة الانتخابية المقبلة.
هيلاري كلينتون قريبة من أجواء الخارجية الأمريكية، ولديها خبرة أعمق من أوباما في الشأن الخارجي، وتاريخها السياسي حتى بوصفها الظل المقرب لزوجها الرئيس السابق، يجعلها متقدمة على أوباما على مستوى الفكر الاستراتيجي، وفي المقابل فإن ترمب المسكون بهاجس القوة والتفوق على نمط رعاة البقر سيزاود ويرفع رهاناته على صورة أمريكا القوية، وكل ذلك سيجعل الرئيس القادم في البيت الأبيض يباشر تحولاً جذرياً في الموقف الأمريكي، والسؤال، هل يشكل التمركز التركي الجديد محاولة للحصول على مكتسبات قبل التغير القريب في واشنطن؟ أم أنه يعبر عن رؤية استباقية تجاه موقف أمريكي متحفز يتوثب للخروج من المسألة السورية بدون إضرار كبير بسمعة أمريكا ومنجزاتها على امتداد أكثر من ربع قرن من انهيار الكتلة الشرقية؟
هل تستطيع الدول العربية أن تتحرك بالإيقاع ذاته في المسألة السورية، وأن تتخذ هي الأخرى إجراءات مفاجئة وأن تؤسس لتحولات تربك المشهد من جديد؟
تتركز مشكلة الأطراف العربية في وجود العامل الإيراني في المشهدين العراقي والسوري، وأيضاً اليمني، واستطاعت ايران أن تستثمر انتشاء الأمريكيين بالاتفاقية النووية التي تصلح لأن تضاف للسيرة الذاتية للرئيس الأمريكي، الذي يبحث عن وظيفة جديدة بعد خروجه من البيت الأبيض، بينما تبقى على مستوى السياسة الدولية مجرد اتفاقية قلقة لا يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من علاقات إيران مع محيطها في المنطقة العربية، فتنازل إيران عن مشروعها النووي، وبدون أن يكون ذلك تنازلاً حاسماً أو نهائياً، لم يترافق مع ضغوط على الإيرانيين للتراجع عن طموحاتهم الإقليمية، وعلى العكس من ذلك، يبدو أن ايران تعيد إنتاج صورتها بوصفها شرطي المنطقة، وهو ما يجعل التوصل إلى حلول وسط في المحاور الساخنة أمراً متعذراً ومستبعداً.
الأتراك في المقابل يمكنهم أن ينظروا في تعديل حصصهم، وأن يقبلوا تنازلات اقتصادية إيرانية في المقابل، فإيران وتركيا طرفا صراع على المنطقة العربية بدون أن يكونا في تناقض وجودي، وموقع ايران وتركيا من المشرق العربي يبقيهما في ظل الواقع القائم أقل قيمة من الناحية الاستراتيجية، وأقل تعرضاً للضغوط، فالمنطقة العربية تسيطر على محورين مهمين، بحر العرب وانفتاحه على المحيط الهندي، والبحر المتوسط الذي أخذ يمثل مشكلة لأوروبا ومشروعها، وتهديداً جدياً يجب مواجهته قبل أن يحمل عواصف الجنوب الساخنة شمالاً، وهو الأمر الذي يجعل المنطقة العربية موضوعاً للمطامع وأرضاً للصراع، ولا يبدو خروج المنطقة العربية من هذه الوضعية ممكناً، في ظل إشكاليات الهوية وتهالك النظم السياسية التي تصارع من أجل الاحتفاظ بمعادلات الخمسينيات والستينيات، سواء في التجارب الجمهورية أو الملكية.
تركيا وإيران تتقدمان وستكون مصالح كل منهما مرتبطة بالقوى الدولية وتوجهاتها وقدراتها على التعامل مع المسألة السورية، التي ستشكل تحولاً في مستقبل المنطقة، كما كانت دائماً، ويبدو أن المسألة السورية هي المصطلح الأكثر انضباطاً واقتراباً من الحقيقة، فما تشهده سوريا اليوم يتجاوز فكرة المواجهة أو الصراع الذي ينتهي على أرضية غالب أو مغلوب، أو أرضية لا غالب ولا مغلوب، ولكنه يصل إلى ترسيم حدود مرحلة جديدة من التاريخ ستبقى لعقود من الزمن حتى يطرأ ما يوجب مراجعتها بصورة شاملة وبغض النظر عن التكلفة، وهو ما يحدث حالياً، ولا يمكن تجنب المصائر الصعبة لسوريا والمنطقة العربية إلا ضمن محورين، الأول مستجدات شاملة تغير من قيمتها الاستراتيجية على ناصية تقاطعات العالم القديم الذي سيعود ليأخذ مكانة أكثر أهمية، في حالة تراجع النفوذ الأمريكي في العالم، وربما يكون القدر المناخي هو السبب في ذلك، والثاني، هو العمل على تعديل البنى القائمة بأخرى أكثر حداثة ومرونة وقدرة على الاستجابة.
عدا ذلك، فإن المتاح سيظل الانتظار والمتابعة ومراوحة خانة ردود الأفعال السلبية التي تعمق المشكلة القائمة، والإيجابية التي من شأنها أن تطرح مشكلات جديدة.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق