الليالي الساخنة لن تكون سياسية في البيت الأبيض بعد اليوم، ما دامت سيدته الجديدة خريجة دور أزياء، وما دمتَ لا ترى ترامب سوى متبوع بشقراواته الجميلات، كما ذكر تقرير زياد بركات في برنامج «ما وراء الخبر»، فأنّى وليت وجهك في هذا الفضاء تَراهُن ّ يُحِطْنَ به كحوريات يخطفن اللب ويسرقن الأفئدة والشاشات، لا بل والذمم، ولو عدت قليلا لحرب المناظرات بين ترامب و«الْوِلِيّة هيلاري»، حسب تعبير مرتضى منصور، وتابعت كيف انشغل الإعلام بإطلالة «ميلانيا ترامب» الفاتنة لعرفت أن الانتخابات الرئاسية لهذا الموسم نسائية بامتياز، فالمناظرة الحقيقية لم تكن بين «الفيل» الجمهوري والسكرتيرة العجوز، إنما بين ميلانيا وكلينتون السيدة الأولى – سابقا – … أما وقد انتصرت دولة الجسد والمال وقبيلة النبلاء الجدد ومؤهلات حواء والشعر الأشقر، فإن السياسة ليست أكثر من فيلم استعراضي ولعبة قمار و»فلاش فلاش فلاش»!
العرب وزوج ميلانيا
في برنامج «سباق الأخبار»، الذي تبثه «الجزيرة»، عرض محمود مراد قائمة التفاعل التي اختارها للمنافسة على النحو التالي: الطفل الفلسطيني الأسير أحمد مناصرة، هادي العبد الله، المراسل السوري، ترامب الرئيس الأمريكي، ثم أطلق صفارة التصويت، فمن بين هؤلاء احتل المرتبة الأولى يا ترى؟
اربط الحزام أيها المشاهد، وخذ نفسا عميقا، لأن زوج ميلانيا اكتسح الأصوات العربية تماما، كما فعل في الانتخابات الرئاسية، فلماذا لم يزل عبد الرحيم فقراء في برنامج «من واشنطن» في شك من صندوق الاقتراع!
عمرو أديب على الجبهة الأخرى لم يقل إن كلينتون خسرت كامرأة، لأنه من المتعب لها في السياسة أن تضع المكياج على وجهين، كما تنبأ ميرفي في كوميدياه السوداء، ولم يقل أيضا إن سياسة المنظمات الأمريكية تستبعد دائما شخصا واحدا هو الذي يفهم جيدا ما الذي يحدث… ولكنه هزئ من المصريين الذين سارعوا لتداول صور حريم ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي مأخوذين بحسنهن وغواياتهن المحرمة، «يا لهوة مصر يا جدعان»، هل نلوم بعدها ترامب «الأب»، وهو الأولى بالمعروف حين قال: «ماري» جميلة جدا، وكانت لتكون إحدى عشيراتي بالتأكيد لو لم تكن ابنتي»!
أما هشام حداد وعادل كرم، فقد تناولا الحدث من زاوية أدائية أو تقمصية ساخرة، على طريقة «سكارى وما هم بسكارى»، فالصورالفاضحة، التي توالت تباعا على شاشتيهما لحريم «ترامب» أثبتت أن الغزل ليس تحرشيا عند العرب، بل هو رياضة ترفيهية أو مصارعة ثيران ناعمة، على نهج أجدادهم الإسبان، فبعد انتصار الجمهوريين الحمر، يصيب المثل العربي مع بعض التعديلات التي تتطلبها المرحلة: «إن كان حبيبك فيل البس له أحمر»!
أجمل ضحكة إعلامية
أبدع «واشنطن فقراء»، الإسم البديل في اللاوعي لـ»عبد الرحيم فقراء، مقدم برنامج واشنطن على «الجزيرة» أيما إبداع في حلقة الفيل لهذا العام الجمهوري بامتياز، إذ استضاف مستشار حملة ترامب جاك كينغستون، وهو يحاوره بضحكته اللاذعة المحملة بالمرارة والسخرية والنقمة، التلقائية والحاسمة كطلقة كاتمة، الاستعلائية في مواجهة الخديعة، والثائرة الرافضة المكثفة غير الفضفاضة، والمثقفة الواثقة المستفزة والمتزنة، العنيدة والمهذبة، تسائل المستشار كيف اكتسح الجمهوريون البيت الأبيض ومجلس الشيوخ والنواب، رغم التفكك والشرذمة التي يعيشها حزبهم؟ ولما لم تقتنع بالإجابة التي اتهمت الدعائيين بتشويه تماسك الحزب، انتقلت لفضيحة تصادم فرقاء الشلة على الملأ، فلم تزل غير مقتنعة إلى أن فرغت حمولتها من الاستنكار ومقاومة الاستغفال الإعلامي، لتختتم الفقرة بحاجبين عربيين ينعقدان وهما يكشران عن تركتهما الشعرية التي ورثاها من المتنبي وكأني أسمع فقراء يتمتم هازئا: «طز» من حيث يستعيد ضيفه ما قاله الشاعر:
«إذا رأيت نيوب الليث بارزة… فلا تظنن أن الليث يبتسم».
طاهر بركة في عام الفيل
تحليل طاهر بركة على «العربية» لشعاري الحمار «الديمقراطي» والفيل «الجمهوري» كان لافتا، لأن كلا منهما اقتُبِس كماركة مسجلة من رسوم كاريكاتورية تفاعلت مع أحداث ساخنة في حقب مبكرة بإمضاءات ساخرة، وليس غريبا على بركة، ولا على «العربية» هذا التحليل العميق والمحيط بما وراء التاريخ، ولكن!
كانت «العربية» بحاجة لتشريح الخديعة الإعلامية بشكل أعمق مما رأيناه، لأن الإعلام الأمريكي منح كلينتون شهادة نهاية الخدمة بتفوق إعلامي كاسح، يجبر بخاطرها، ولكنه لن يكفي لمكافأتها على الأرض، فكل ما رأيناه من مباركة إعلامية لها واحتفاء بها لم يكن سوى تخدير بطيء للناخب الأمريكي والعربي تحديدا، الذي استسلم وسلم للتوقعات الإعلامية فتكاسل معتمدا على بشائر استطلاعات الرأي المخادعة، ليؤكد ما قاله الإعلامي محمد قواص على «الجزيرة» إن المزاج العام في أمريكا ترامبي، وأنها مرحلة تغيير شامل يغدو «البزنس مان» عرابها، فهل تركت «العربية» المملكة السعودية يتيمة في حربها مع هذا الفيل «الأشقر – وكدت أقول الأشرم»، الذي يهدد باقتحام الكعبة بقانون «جاستا»، بعد نصف فشل وصفر إعلامي كبير لا يليق بخطورة المرحلة، لأنها تحولت إلى مركز لإيواء الحلفاء العرب الأيتام لا أكثر!
«علي ترامب» المقاوم
البعض من المحسوبين على «إيران» و«الثعلب الأبيض بوتن» يتهمون الإعلام العربي بشيطنة ترامب، فيا سبحان مغير الذمم، التي كانت ترى بأمريكا الشيطان الأكبر، الذي لا يتخلى عن قناعه، مهما بدل وجوهه، ومن يتابع الإعلام المغربي وإذاعة «مونت كارلو»، سيرى البدع في إجابة أحدهم عن سؤال القضية الفلسطينية وموقف ترامب منها، حيث قال: «القضية الفلسطينية الآن ليست هي المهمة، عندك العراق واليمن وليبيا»… مع العلم أنه فلسطيني محسوب على المقاومة، لا بل أكثر من ذلك، فترامب الذي اتهم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب صراحة وأدانها وهدد بمعاقبتها ووأدها وبارك المستوطنات لا يعد بنظر هذا الضيف شيطانا، ما دام لم يهدد الأسد ولا إيران، إنما وعد بتعديل الاتفاقية النووية لا إلغائها وبالتعاون مع الاحتلال الروسي ومعاقبة السعودية!
الضيف نفسه برأ ذمة ترامب من القضية الفلسطينية و«حطها برقبة الانتفاضة لأول مرة في التاريخ»، مبتعدا عن إدانة الأشقر بالعنصرية المنحازة لاسرائيل، ومتفننا بإدانة الفشل الشعبي بإشعال انتفاضة، مكتفيا بتعليق الجريمة برقبة عباس وأوسلو!
طيب بماذا يختلف هذا الضيف عن الأوسلويين القدماء؟ إنه وريث إعلامي لأوسلو.. يغزل على الناعم مع الفيلة الجمهوريين والإيرانيين، مستخدما الانتفاضة كورقة توت يستر بها عورة الاصطفاف وراء المليونير الأهوج، الذي يفتتح فرعا جديدا للمقاومة في البيت الأبيض، ولن تستغرب لو اعتبره هذا إماما أبيض بلحية خمينية وبطاقة هوية مقاومة باسم: «علي ترامب»!
أدعية فضائية
حسنا إذن، اللهم انصر إيران على السعودية، وحكم ترامب أميرا للمقاومين، ونصب بوتن سلطانا للأمة، ولنتفرج على عهدهم الجديد، الذي يشيع القضية الفلسطينية لمثواها الأخير قابضا على «خناق» المقاومة وكرسي الأسد بحبل من مسد، هو حبل الكيد الإعلامي للإخوة الأعداء، الذين يصفقون لعبقرية إيران بالاتفاق النووي مع أمريكا، بعدما كانوا يعيبون التحالف الخليجي التبعي إليها!
يا شعب فلسطين… لا تحزن إن الله معنا… ولنا صحوننا الفضائية، ولهم صحونهم، وليهنأ ترامب الاستيطاني بورثة أوسلو الجدد، خشاخيش النمر الأحمر!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر