العسكر والحيوية البركانية والقلق الحميديّ

حجم الخط
0

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، دخل السلطان عبد الحميد الثاني في حلقة مفرغة: فمن ناحية، عليه تحديث القوى العسكرية للدولة العلية، بعد تتالي هزائمها في البلقان والقوقاز، وتصاعد النزعات الانفصالية في أقاليمها، ومن ناحية ثانية هو يدرك جيداً بأنّ الجيش، إذا قام بتحديثه، على قاعدة الانضباط التراتبي الألماني، والعلوم العسكرية الحديثة، والأسلحة والتقنيات الجديدة، سوف ينقلب عليه، لأن السلطان سيبدو رجعياً وضعيفاً أمام هكذا جيش.
قبل ذلك، مطلع القرن، أيام سليم الثالث ومحمود الثاني، كان العسكر، ممثلين بالفرق الانكشارية، هم العقبة أمام التحديث، إلى ان أمكن لمحمود الثاني تصفيتهم في مذبحة «الواقعة الخيرية». لكن مع عبد الحميد الثاني صار التحديث الذي يقوده السلطان للجيش والذي يقبل عليه الضباط بحماسة، هو الخطر على السلطان نفسه، ينتجه السلطان برعايته لتحديث الجيش، ويرصد الخطر بنفسه يوماً بيوم، ويحاول، عبثاً، عرقلته.
فكما يفيدنا الباحث في التاريخ العسكري، «هندان نظير اكمشه» في كتابه «ميلاد تركيا الحديثة. العسكر العثماني والطريق إلى الحرب العالمية الاولى»، تضاعف بشكل متواصل، عدد الضباط خريجي الكليات الحربية (المكتبلي) في عهد عبد الحميد، لكن السلطان كان يثق أكثر بالضباط المتدرجين في السلك، ممن لم يدخلوا هذه الكليات التي انشأها هو، فيحاول أن يغدق على هؤلاء من حظوته ويقدّمهم في التعيينات والامتيازات. وضعية يريد فيها الشيء ونقيضه: التحدي الوجودي للدولة على الجبهات، بوجه عملية تفكيكها، يفرض بإلحاح السير قدماً في التحديث، والاعتماد أكثر فأكثر على خريجي الكليات الحربية. في تلك المرحلة، لم تكن ثمة كليات جامعية مدنية بعد، وتتسع الكليات الحربية لكل الاختصاصات، «مدنية» و»عسكرية». لكن العيون والجواسيس كانوا ينقلون للسلطان بوضوح كم أن الأفكار الجمهورية والمطالبة بـ»عودة الدستور» تتفشى في الكليات الحربية، فيحاول لجم هذا التطور بشكل يزيد فيه غيظ الضباط المتعلمين. يضغط مثلاً لتلافي أي مناورة حربية. يريد جيشاً حديثاً بلا مناورات، فالمناورة قد تنقلب إلى جد يطيح به، ومخازن السلاح من الأفضل أن تبقى بعيدة عن متناول العسكر، والبنادق من الأفضل أن تبقى فارغة، والخبراء الأجانب يستقدمون بعد جهد جهيد لاقناعهم، ثم تحاصر مهمتهم، ويتفشى الخوف منهم.
في نهاية الأمر، ثبت أن خشية السلطان عبد الحميد من تحديث الجيش كانت في محلّها: بنتيجة هذا التحديث تطور جيل «المكتبلي»، من خريجي الكليات الحربية الحميدية، المتقدين حماسة ورومانسية والمتأثرين بفولتير ودوركايم والوضعية والفكر القومي، والملتزمين بفكرة الوطن العثماني، وطن النخب العسكرية، مع رفض شخصنة هذا الوطن واختزاله في السلطان، بل واعتبار انقلاب عبد الحميد على الدستور، بتعليقه له عام 1878 بعد سنتين من اقراره، سبباً لكل هزيمة تطرأ على السلطنة.
تطوّر ما كان عبد الحميد يخشى منه، وما كان ينميه بنفسه طالما هو يرعى تحديث الجيش: فقامت «تركيا الفتاة» وأطاحت به بعد سنوات من قيامها. بانقلاب «عسكري سلمي» لجمعية «الاتحاد والترقي» أواخر تموز/يوليو 1908، احتاج فقط لمجرد تحريك القطاعات باتجاه العاصمة وقراءة الشروط على السلطان وقبولها. أعيد العمل بالدستور، وقامت انتخابات جديدة لـ»المبعوثان». حاول أنصار الشريعة والسلطان القيام بانقلاب مضاد بعد سنة، ما أدى إلى انقلاب ثان بوجه هؤلاء، أطيح فيه نهائياً بعبد الحميد الثاني، لكن «الاتحاد والترقي» الذي كان مشاركاً في الحكم لفترة وجيزة آنذاك ثم استبعد منه، لم يستول على السلطة كحزب، إلا بانقلاب 23 كانون الثاني 1913، حاسماً عقدين من «الحيوية البركانية» داخل الجيش العثماني.
اليوم، وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي تتهم بها حكومة انقرة منظمة فتح الله غولن وما يعرف بتنظيم «الدولة الموازية» التابع لها بتدبيرها، يكتسب سؤال محمود الثاني، وسؤال عبد الحميد الثاني، أبعاداً جديدة. سؤال محمود الثاني: كيف تتقدم باتجاه الاصلاح، من دون ان يقف لك العسكر حجر عثرة، خصوصا إذا كان المدخل إلى الاصلاح تحديث الجيش نفسه. وسؤال عبد الحميد الثاني: كيف لا يؤدي بك تحديث الجيش إلى اطاحة الجيش بك، كحاكم اوتوقراطي. طبعاً يمكن تعديل الاسئلة لتتناسب اكثر مع ايامنا: كيف لا يؤدي دوام تحديث الجيش إلى استمرار «الموال الانقلابي» بين ضباطه، سواء كان موالاً ضد اوتوقراطية الحاكم أو ضد نظام سياسي يحتكم إلى صناديق الاقتراع، او خلطة من هذا وذاك؟ وكيف لا يتحوّل الجيش في المقابل إلى فرق انكشارية اما نائمة في ثكناتها، واما مشتهية للتسلّط؟
ليست ثمة وصفات جاهزة. لكن الواضح أن الجيش التركي «لم يخمد بركانياً» في العقود الاخيرة، من ناحية انتشار مراكز القوى فيه، من تلك المتصلة بـ»الذئاب الرمادية» القومية المتشددة، إلى تلك المتصلة بالجماعة النورسية، إلى تلك المجموعة القومية التي كانت بين هذه وتلك، «ايرغنكون»، والمطاح بها عام 2011، وكانت الاطاحة بها، ثم رصد العلاقات بين جماعة فتح الله كولن وبينها، منعطف التأزم ثم الحرب الشعواء بين كولن وحزب العدالة والتنمية.
مراكز القوى هذه، لا تنحصر بما تقدّم، تماماً مثلما كانت جمعية الاتحاد والترقي مطلع القرن الماضي احدى فروع تركيا الفتاة في الجيش العثماني، وكانت تركيا الفتاة احدى الديناميات القائمة في الكليات الحربية.
هذا في حين أن الانطباع الذي ساد مطولاً عن الجيش التركي طيلة فترة الحرب الباردة، كان يميل إلى تمليك «قيادة الأركان» عليه، وكانت مرتبطة بشكل وثيق بحلف شمال الأطلسي، الأمر الذي جعل كافة الانقلابات العسكرية طيلة الحرب الباردة، سواء بحجة حماية العلمانية أو بحجة حماية البلد من الشيوعية، انقلابات مطلوبة أمريكياً وأطلسياً. أما بعد الحرب الباردة، فقد عاد الجيش التركي إلى حد كبير إلى ما قبل تحكم قوة طليعية بالجيش العثماني وحسمها الصراع داخله لوحدها مطلع 1913، مع الانتصار الحاسم لـ»الاتحاد والترقي» على اندادهم. عاد الجيش التركي إلى مرحلة «الحركية البركانية». مراكز قوى غير قليلة، ومن الصعب التمييز بشكل قاطع بين الواحدة فيها والأخرى، ومن المرجح ان هناك من ستلحقه الاذية بدوره على خلفية فشل انقلاب الجماعة الأخيرة دون ان يكون متصلا بها، لكن من المرجح ايضاً ان هناك شبكات ستصعد إلى فوق أكثر على خلفية التصفيات الجارية على قدم وساق.
حتى الآن، لم يؤخذ بمقاربة «الحيوية البركانية» في الجيش التركي، العائدة بعد انتهاء الحرب الباردة، وبشكل أكبر بعد تجاوز حقبة انقلابات قيادة الاركان ثم انقلابات المحكمة العليا، وان بدت على هامش التطور الديمقراطي النسبي للبلاد (الذي أمن ناصية الاحتكام للانتخابات، وتعثر نسبياً في الفصل بين السلطات وتوطيد التداول على السلط).
الاهتمام اليوم محصور بالثنائيات غير الكافية: العلمانيون والإسلاميون، «الإسلام الاجتماعي» لفتح الله غولن والذي يريد شد تركيا باتجاه هويتها الروحية الإسلامية البلقانية – القوقازية، و»الإسلام السياسي» الأردوغاني، الذي عمل مطولاً على الموازنة بين الطموح الأوروبي والالتزام الشرق أوسطي. لكن الجيش كما ظهر في المشهد الانقلابي المحبط الأخير كان جيشاً بلا قيادة واضحة تصنع وحدته، تدخلاً أو نأياً بالذات عن الصراع على السلطة. الجيش انتابته النزوة الانقلابية إلى حد كبير في لحظات بعينها من تلك الليلة، ثم حسبها كل فريق داخله، وتراجع عنها، خصوصاً مع اتضاح كون الاجهزة الأمنية في مطرح آخر، وفاعلية الشرطة وانصار الحزب الحاكم في مواجهة الانقلابيين، ورفض الاحزاب القومية للمغامرة التي لم تستطع كتابة بياناً انقلابياً جدياً، ولم تجد من يقرأه إلا مذيعة وضع المسدس في رأسها.
تفشى الانقلاب كموجة لفترة وجيزة، ثم انحسر في المجموعة المبادرة اليه، مع ان العقاب بعد ذلك لن ينحصر بطبيعة الحال بهذه المجموعة، فالدينامية الاستنفارية» لاحكام الاستثناء لا يمكن ايقافها بسهولة، وهي في حالة، «العدالة والتنمية» مرتبطة بدينامية تعبوية لأنصار هذا الحزب في الميادين.
لكن «الحيوية البركانية» في الجيش هي معطى أساسي مستمر. مستمر إلى حين اعادة تحديث الجيش التركي ككل، وتقديم معالجة جديدة لأسئلة القرن التاسع عشر: كيف لا يكون الجيش حجر عثرة امام تحديث الجيش وامام تحديث الدولة، وكيف لا ينقلب تحديث الجيش على من يرعى هذه العملية؟ ثمة فراغ في داخل التركيبة العسكرية التركية الآن، ستقوم هذه التركيبة بتعبئتها، إلى حد كبير، وفقاً للتوازنات داخلها هي، وليس فقط وفقاً لاملاءات وشهوات القيادة السياسية.
أما وقد فشل الانقلاب، أو بالأحرى «تبخّر» بعد ان تفشى ثم انحسر إلى الجهة الداعية، فان «الصراع على الجيش» بشكل خاص، وليس «الصراع على السلطة» بشكل عام، هو المؤشر الأساسي للأيام التركية الآتية.

٭ كاتب لبناني

العسكر والحيوية البركانية والقلق الحميديّ

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية