القاهرة ـ «القدس العربي»: حفلت الصحف المصرية الصادرة أمس الأربعاء 2 نوفمبر/تشرين الثاني بالموضوعات التي اجتذبت اهتمامات الأغلبية مثل، ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه وارتفاع الأسعار وخروج أصوات تحذر من أن ذلك سوف يخفض من دخل عشرات الملايين من المواطنين الذين لديهم ودائع في البنوك يعتمدون على أرباحها في معيشتهم، بالإضافة إلى ملايين من أصحاب المعاشات وكل هؤلاء سيجدون عمليا أن ما كانوا يعتمدون عليه يتقلص بدرجة كبيرة، رغم أن البنك المركزي طرح مبلغ مئة وعشرين مليون دولار بسعر ثمانية جنيهات وثمانية وسبعين قرشا والإعلان عن تراجع في قيمة الدولار.
أما الموضوع الآخر الذي اجتذب اهتمام الأغلبية فكان إعلان الجيش أنه سيوزع ثمانية ملايين عبوة غذائية في عدد من المحافظات بخمسة وعشرين جنيها للعبوة الواحدة، وتحتوي العبوة على سكر وأرز وفول ومكرونة وسمن وشاي. وعدا ذلك اهتمت كالعادة كل فئة بما يخصها فرجال الأعمال والمستثمرون اهتموا جدا بالاجتماع الذي عقده الرئيس السيسي للمجلس الأعلى للاستثمار، الذي يرأسه وما نتج عنه من قرارات بتخصيص الأراضي التي ستقام عليها مشروعات صناعية في الصعيد مجانا، بشرط الالتزام بشروط الهيئة العامة للتنمية الصناعية، منعا للعشوائية والإعفاء من الضريبة على الأرباح لمشروعات استصلاح الأراضي الزراعية التي تنتج محاصيل رئيسية يتم استيرادها من الخارج، أو التي يتم تصديرها وغير ذلك من القرارات التي كانت موضع ارتياح لرجال الأعمال والمستثمرين.
كما تابع كثيرون الأنباء المتعلقة بالإجراءات التي يتم اتخاذها للإفراج عن الشباب المحتجزين في السجون بدون أحكام قضائية ضدهم. وتضاءل الاهتمام بكارثة السيول مع زيادة مخاوف سكان بعض المحافظات مثل الإسكندرية وكفر الشيخ والبحيرة من هطول أمطار غزيرة وتسببها في خسائر ضخمة لهم، كما حدث من قبل، خاصة مع انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة. ورغم امتلاء الصحف بقضية إقالة إياد مدني من منصب الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي بسبب تهجمه على الرئيس، فإن أحد لم يتابعها ولا تابعوا مناقشات مجلس النواب ولا ما يقال عن التعديل الوزاري المنتظر أن يشمل عشرة وزراء. كما نشرت الصحف عن الاستعدادات التي تجري من الآن لإنتاج مسلسلات شهر رمضان المقبل وأبرزها ما نشر عن مسلسل لصديقنا نجم النجوم عادل إمام اسمه «عفاريت عدلي علام». وإلى ما لدينا..
معارك وردود
ونبدأ بالمعارك والردود المتنوعة حيث عاد رجل الأعمال وصاحب جريدة «المصري اليوم» صلاح دياب لمهاجمة ثورة يوليو/تموز واتهامها بأنها السبب في طرد اليهود المصريين من مصر، وهو ما سبق وكرره من قبل عدة مرات، بقوله يوم الثلاثاء في عموده اليومي «وجدتها» الذي يوقعه باسم نيوتن: «اليهود كانوا آمنين في مصر في أرزاقهم في تجارتهم على أنفسهم حتى بعد حرب 48 لم يدم الأمر كثيرا حتى جاء عام 52 أصبحنا مجتمعا طاردا لليهود ولكل أجنبي، انتهينا من كل هؤلاء في نهاية 56 بعدها أصبحنا مجتمعا طاردا للمستثمرين جميعا عام 61. بالحراسات والتأميمات غيرت المراكب وجهتها لم تعد تحمل قادمين إلى مصر أصبحت تحمل الفارين منها الهاربين تقذفهم خلسة على شواطئ أوروبا كيف حدث هذا الانقلاب؟ كيف تحولت مصر من دولة جاذبة إلى بلد طارد لكل شيء للبشر وللاستثمار؟».
«هو الرئيس ساكت ليه؟»
ومن «المصري اليوم» إلى مجلة «المصور» الحكومية ورئيس مجلس إدارتها وتحريرها زميلنا وصديقنا غالي محمد الذي بلغ به الضيق مما يحدث في البلد من مشاكل ومصائب ومخاز فوجه خطابا غاضبا للرئيس السيسي قال فيه: «سيادة الرئيس شعبك يكلمك يقول لك بصراحة هو الرئيس ساكت ليه؟ ألا يعرف الرئيس أن أزمة الدولار الذي يوشك سعره في السوق السوداء الوصول إلى 18 جنيها تهدد بثورة جياع؟ ألا يعرف الرئيس أن أزمة الدولار تمكن الحيتان من التهام طعام البسطاء وشرابهم؟ بالطبع سيادتك تعلم بل تعلم أكثر مما نعلمه جميعا بحكم توافر المعلومات تحت يديك من جهات متعددة. سيادة الرئيس شعبك يتساءل لماذا لا توقف استيراد السيارات؟ لماذا لا توقف استيراد السلع غير الضرورية ليتوقف نزيف الدولار؟ لماذا لا تدعم شراء الدولارات من المصريين في الخارج بأسعار متميزة لتخفيف الأزمة؟ هل ستترك الدولار حتى يخترق حائط الـ20 جنيها؟ للمرة الثانية سيادتك تعلم الإجابات على كل هذه الأسئلة. سيادة الرئيس لماذ تترك المحتكرين يمرحون في ساحاتنا هكذا؟ لماذا لا تتخذ إجراءات استثنائية ضد المحتكرين الذين يتاجرون في قوت الشعب؟ لماذا لا يتم تعديل القوانين؟ لا تنتظر سيدي الرئيس أي اجتهاد من هذا البرلمان، البرلمان مش هيعمل حاجة إنه مثل الحكومة والمحليات والبنك المركزي في غيبوبة، بينما المطلوب ثورة في القوانين والتشريعات تمكنك وتمكن الشرفاء معك من ضرب الاحتكارات والفساد. سيادة الرئيس أعلم أن مشاهد المصريين المشردين في السيول الذين قتلتهم تيارات المياه الجارفة والذين سقطت بيوتهم أو غرقت، كل هذه المشاهد قد آلمتك كثيرا، وأنا أعلم أنك رجل طيب القلب شديد الإنسانية وأعلم استجابتك الفورية للكارثة ومنحك 100 مليون جنيه من ميزانية «تحيا مصر» لاغاثة المنكوبين. وأعلم إصدارك للأوامر الفورية لقواتنا المسلحة الباسلة للتدخل لإنقاذ هؤلاء المنكوبين، ولكن أين بقية جهاز الدولة يا سيادة الرئيس؟ بصراحة إذا كان جهاز الدولة على هذه الصورة البائسة فإنك يا ريس ينبغي أن تكون في طليعة من يثورون عليه ويستبدلونه بآخر يصلح لظروف مصر الصعبة. الناس يتساءلون أيضا خصوصا أهالينا في سيناء لماذا لا تضرب الإرهاب هناك في مقتل؟ لماذا نترك أولادنا من ضباط وصف الضباط وجنود قواتنا المسلحة الباسلة هناك على النحو الذي يمكن الإرهاب من اصطيادهم؟ لماذا لا نصطاد الإرهابيين قبل أن يصطادونا؟».
منافسة غير عادلة من القطاع الخاص
وإلى معركة أخرى في جريدة «المشهد» الأسبوعية الخاصة ويرأس تحريرها زميلنا مجدي شندي حيث نشرت تحقيقا في صفحتها الثالثة لزميلتنا الجميلة آمال رتيب عن وعد الرئيس في مؤتمر الشباب في شرم الشيخ بأن الجيش سينسحب من التدخل في المشروعات بعد عامين أو ثلاثة بعد أن يكمل عملية بناء البنية التحتية وجاء في التحقيق: «والسؤال الذي يطرح نفسه هل ستتحقق هذه الوعود؟ ثم لماذا لا يكون الانسحاب من الحياة العامة اليوم وليس غدا؟ الدكتور أحمد درويش نائب وزير الإسكان للتطوير الحضري والعشوائيات يؤكد أن أجهزة الدولة والوزارات العامة محملة بإرث ثقيل من الفساد أدى إلى تهالكها، والجيش منذ ثورة يناير/كانون الثاني يتحمل النصيب الأكبر في استعادة الدولة لعافيتها من إعادة بناء البنية التحتية ومشروعات كبيرة، وأعتقد أن عامين أو ثلاثة أعوام كما هو متوقع ستكون أجهزة الدولة في جاهزية لاستعادة دورها والقيام بمهامها واستكمال ما بدأته المؤسسة العسكرية من مشروعات. في حين يرى أحمد جابر رئيس غرفة صناعات الطباعة والتغليف التابعة لاتحاد الصناعات، أن الجيش أولى به أن ينفذ المشروعات الكبرى لما له من خبرة في سرعة الأداء والانضباط وتوفير الإمكانيات. أما منافسة الشركات والمشروعات الصغيرة فهي منافسة غير عادلة أو منصفة، ويقول هناك مشروعات قومية واستراتيجية ومنها الصناعات الحربية من الأولى أن تنفذها المؤسسة العسكرية. وما يلمسه رجل الشارع من تواجد قوي للمؤسسة العسكرية لا يعود إلا لتكاسل الوزارات ومؤسسات الدولة الأخرى عن القيام بدورها، في ظل حالة متفشية من الفساد الإداري والمالي في كل مؤسسات الدولة، حيث أصبح نهج عديد من المسؤولين في المؤسسات والوزارات إسناد المهام للمؤسسة العسكرية لإبعاد شبهة الفساد عن أنفسهم في تصرف غير مسؤول مما يضغط على الجيش وأفراده. وأضاف جابر ليس الجيش فقط الذي استحوذ على جانب من المشهد العام إنما أيضا الشرطة، فعلى سبيل المثال جهاز الشرطة لديه مطابع خاصة لإصدارات الشرطة ومطبوعاتها وهو أمر مقبول لما لهذه المطبوعات من سرية وخصوصية، ولكن أن يصل الأمر إلى منافسة المطابع الخاصة وترسية مناقصات لوزارات أو بنوك لمطابع الشرطة فهي بذلك خرجت عن الهدف، أصبحت منافسة غير عادلة من القطاع الخاص في ظل إمكانيات وتسهيلات جمركية وسيولة نقدية للعملات الأجنبية، وعمالة لا تتقاضى أجرا من أفراد الأمن أو المجندين ،ودعم للمرافق من مياه وكهرباء، وبالتالي فإن عناصر التكلفة مختلفة تماما».
مكرم محمد أحمد: أوضاع الإعلام غير سليمة
وعودة إلى «المصري اليوم» عدد أمس الأربعاء ومعركة مختلفة خاضها زميلنا وصديقنا في الأهرام نقيب الصحافيين الأسبق مكرم محمد أحمد ضد ما يحدث في الإعلام المصري ضمن معارك أخرى، في الحديث الذي أجراه معه على صفحة كاملة زميلنا طارق صلاح قال مكرم عن أوضاع الإعلام الآن: «الإعلام الآن أصبح في أوضاع غير سليمة فعندما نتحدث عن الصحف نجد القومية منها تعانى خللا كبيرا في هياكلها المالية، نظرا لسوء الإدارة. فازدحام العاملين وانتشار المشروعات الصحافية في ظل ديون كثيرة ملقاة على عاتق العديد من الصحف تسبب في هذا الخلل. وتخيل أنه في إحدى الصحف القومية توجد 40 صحافية في قسم المرأة هل هذا معقول؟ أيضا فإن الصحف الخاصة باستثناء عدد قليل جدا منها نجد أن الصحافيين فيها لا يتقاضون أجورهم، بل الأكثر غرابة أنهم يقومون بدفع التأمينات لتعيينهم والحصول على شهادة تؤهلهم لدخول النقابة. أما إذا تحدثنا عن المحطات الفضائية المملوكة لرجال أعمال يستهدفون الربح بدون النظر إلى أي شيء فسنجد أن هناك خروجا عن اللياقة من جانب عدد كبير من المذيعين ومقدمي البرامج وأيضا الضيوف، مما نتج عنه حجم واسع من الفوضى ولذلك لا مفر عن إيجاد ميثاق شرف إعلامي ونقابة إعلاميين على غرار ميثاق الشرف الصحافي ونقابة الصحافيين، ونحن نأمل في أن تكون القوانين الجديدة فيها حلول جذرية لتلك المعضلات التي باتت تضرب الإعلام، على الرغم من أن لدينا أيضا مجموعة من أفضل الإعلاميين في المنطقة ويمتلك بلدنا كتابا صحافيين من أصحاب الكفاءات المشهود لهم في كل مكان وهناك تجارب صحافية أيضا تحتاج إلى الحفاظ عليها مثل «المصرى اليوم» التي مثلت نقلة قوية للصحافة في مصر، وشاهدناها تقدم لنا صفحة أولى مختلفة عما تعودنا عليه، ولكننا الآن أمام أمراض مزمنة تحتاج إلى عملية جراحية لإزالتها لكي تعود الصحافة قوية بعيدا عن الأمراض التي أصابت المهنة».
المعادلة السحرية
أما آخر المعارك في تقرير اليوم فستكون من نصيب الأستاذ في كلية الإعلام في جامعة القاهرة ومستشار جريدة «الوطن» اليومية المستقلة الدكتور محمود خليل الذي سخر أمس الأربعاء في عموده «وطنطن» من الحكومة وقال: «لما تتزنق قول سوريا والعراق واليمن وليبيا، تلك هي المعادلة السحرية التي لجأ إليها رئيس الوزراء شريف إسماعيل خلال الجلسة التي عقدها مجلس النواب مؤخراً ليناقش معه مسألة ارتفاع الأسعار. وشأن رئيس الوزراء في ذلك شأن كثيرين ممن يحاولون تبرير حالة التردي في الأداء التي أصابت المواطن المصري في صميم معيشته، فسممت حياته ومررتها بصورة غير مسبوقة. ورغم أنني سبق أن ناقشت هذا الموضوع فإننى أجد أن من المفيد طرحه من جديد طالما وصل الأمر إلى رئيس الوزراء. حدوتة أنظروا إلى سوريا والعراق ليست جديدة كما تعلم، بل تكاد تكون أسطوانة مشروخة ترددت على لسان كل من تولى إدارة وتسيير الأمور في هذا البلد منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011 وحتى الآن.
وثمة سؤال مبدئي لا بد من طرحه في هذا السياق: إلى من يعود الفضل في عدم تحول مصر إلى سوريا أو عراق أو ليبيا أو يمن جديد؟ تقديري أن الفضل في ذلك يعود إلى الشعب المصري. الشعب المصري وحده بتركيبته وعمقه الحضاري ومحبته لبلده وتماسكه التاريخي منذ أن توحد في عصر «مينا» قبل آلاف السنين، ودعوة المصريين إلى شكر المولى عز وجل على عدم تحولنا إلى أي من هذه النماذج يحمل نظرة لاأخلاقية للأمور، لأن ما حدث في العراق غزو أمريكي أدى إلى دخول البلد في هذا المنعطف. وما حدث في سوريا بدأ بقمع من جانب جيش «بشار «وأدواته الأمنية لثورة شعبية تطور في ما بعد إلى حرب طائفية تدخل فيها العديد من الأطراف الخارجية. وما حدث في ليبيا غزو شبيه بما حدث في العراق ثم انخراط في حروب قبائلية بعد إسقاط نظام القذافي في ثورة شعبية هدد فيها وولده الشعب الليبي باستخدام جيشه والمرتزقة الأفارقة ضده. والمشهد في اليمن تتداخل فيه القبائلية مع الطائفية. مقارنة مصر بأي من هذه النماذج تحمل نظرة متدنية إلى هذا الشعب ووصم له ولمؤسسات الحكم بما لا يليق».
كتل النيران
أما كاتب «الشروق» عبد الله السناوي فجاء رأيه كالتالي: «بأي حساب ينظر إلى الحقائق الضاغطة في مصر وما حولها لا يمكن استبعاد سيناريوهات مشابهة لما حدث في بلدان عربية أخرى.لا يحق لأحد إنكار الخطر حين يمثل، ولا أن يقلل من آثاره لأزمان طويلة مقبلة تتعدى نظام الحكم الحالي إلى ما بعده. غير أن ذلك لا يصلح تبريرا لفشل السياسات واحتقان المجال العام وغياب أي رؤية على قدر من التماسك والإقناع لتجاوز الأخطار المحدقة. الإنكار حيث يجب التحسب مثل الإفراط في إثارة الفزع لدواعي الاستهلاك الداخلي، فكلاهما حالة تجهيل بما قد يحدث غدا. لم تكن تصريحات رئيس الوزراء شريف إسماعيل أمام مجلس النواب من أن «الاستقرار هو أهم شيء»، داعيا إلى «أن ننظر حولنا لنرى ماذا حدث في سوريا واليمن والعراق وليبيا. خروج عن الخطاب المعتمد من أعلى المراجع في الدولة إلى أصغر الأدوار في إعلام التعبئة. هذا الخطاب استهلك نفسه ولم يعد قادرا على تبرير ما لا يبرر من فشل السياسات الاقتصادية وتسويغ ما لا يسوغ من تدهور في مستويات الأداء العام. في برلمان لا يوجد فيه هامش معارضة يعتد بها، وائتلاف الأغلبية داخله يحمل اسم «دعم مصر» كصيغة معدلة من «دعم الدولة»، بدت لافتة المقاطعات الغاضبة لرئيس الوزراء، وهو يتحدث عن الإقليم وما يجري فيه كحجة لطلب الاستقرار بغض النظر، عن طبيعة السياسات ومدى مسؤوليتها عن الفشل. هناك قضيتان استدعيتا المقاطعة بغضب، أولاهما ـ تدهور الأوضاع الاقتصادية فوق كل طاقة احتمال بأثر الانخفاض المتوالي لقيمة الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، والارتفاع المطرد في أسعار السلع الرئيسية، فضلا عن غياب بعضها.. وثانيتهما ـ تدنى مستويات كفاءة الأداء العام في إدارة الأزمات المقيمة والطارئة وآخرها السيول التي تضررت منها آلاف الأسر في مناطق نائية وفقيرة. لم تكن أزمة السيول جديدة أو فاجأت الدولة على غير توقع، حتى ترجع العجز عن تخفيف فواتير الأضرار الفادحة إلى «التغير المناخي».
كفاءة الدول في إدارة الأزمات تبدأ من توقعها ووضع الخطط الكفيلة بتخفيف أضرارها. الإفراط في التبرير نوع من الإقرار بالإخفاق. القضية ليست في تغيير الجياد، رئيس وزراء بدل آخر، بقدر ما هي تغيير السياسات التي ثبت فشلها.
جوهر الأزمة في السياسات والخيارات وطريقة اختيار الوزراء واستبعاد كل من له علاقة بالسياسة في إسناد المناصب العامة، والنتيجة انكشاف لا نهاية له. لا يوجد نص معروف لحركة إدارة الدولة ولا كتالوغ مفهوم لصناعة القرار السياسي. كل شيء يمضى على عواهنه، والعشوائية من أسباب تفاقم الأزمات. لا الأمن بديل عن السياسة ولا التكنوقراط قادرون على ملء فراغها، وبعض السياسات المتبعة تفضي إلى الفوضى وتكاد تحرض عليها.
لا حياة طبيعية بلا أمن يحميها ولا اقتصاد نشيط بلا استقرار يضمنه. هذه بديهيات تتطلب الالتفات إلى بديهيات أخرى، فمجتمع يئن مواطنوه من الفاقة والعجز عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية وتتفشى فيه المظالم والاحتقانات السياسية يصعب عليه مواجهة كتل النيران التى قد تصل إليه».
قرارات مؤتمر الشباب
وإلى أبرز ردود الأفعال على القرارات التي اتخذها الرئيس السيسي في كلمته التي ألقاها في نهاية المؤتمر الوطني الأول في شرم الشيخ وأبرزها الإفراج عن الشباب المحتجزين بدون أحكام قضائية ضدهم، حيث أبدى أمس الأربعاء زميلنا وصديقنا نبيل زكي رئيس مجلس إدارة جريدة «الأهالي» الأسبوعية الناطقة بلسان حزب التجمع مخاوفه من أنباء سمعها وقال عنها: «إشارات تصدر من بعض المصادر الأمنية تنذر بأن ثمة اتجاها لتقليص أسماء الشباب الذين يفرج عنهم بحجة أن خمسمئة شاب فقط هم الذين « يستحقون العفو « وأن هناك أسماء يصعب الإفراج عنها «لأسباب قانونية» تمنع خروجها من السجن أو أنهم لم يقضوا ثلاثة أرباع المدة حتى الآن. وهناك مشكلة المحبوسين احتياطيا والمحبوسين في قضايا التظاهر وغير ذلك، فهل يتحرك النائب العام للنظر في قضايا المحبوسين احتياطيا لأن النيابة العامة هي جهة الاختصاص في الإفراج عنهم؟ وهل يقدم رئيس الجمهورية على الخطوة المأمولة وهي العفو الشامل عن كل من لم يمارس نشاطا إرهابيا أو يستخدم العنف؟».
الإفراج عن المسجونين
لكن مخاوف نبيل كانت سابقة لأوانها لأن جريدة «الأخبار» نشرت أمس حديثا مع زميلنا وصديقنا الدكتور أسامة الغزالي حرب الذي يرأس اللجنة التي تبحث الإفراج عن الشباب ومع طارق الخولي ومحمد عبد العزيز أعضاء اللجنة وأعد الأحاديث زملاؤنا محمد هنداوي وأحمد خليل وإسماعيل مصطفى وجاء فيه: «قال الدكتور أسامة الغزالي حرب رئيس اللجنة في تصريحات لـ«الأخبار» أن اللجنة ستعقد أول اجتماع لها اليوم لفحص حالات الشباب المحبوسين على ذمة قضايا. مضيفاً أن المهمة الأولى للجنة تجميع قوائم وبيانات الشباب المحبوسين، وسيكون الاعتماد على القوائم الموجودة لدى المجلس القومي لحقوق الإنسان وكذلك لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب، وما يصل اليها من أسماء فضلاً عما سترسله جمعيات حقوق الإنسان. وأضاف حرب أن اللجنة ستناقش آلية التواصل مع المواطنين وأصحاب الحالات المتعلقة بحبس الشباب، مشيرا إلى أنه يؤيد سرعة الإفراج عن الأسماء البارزة حتى يظهر أثر عمل اللجنة خلال فترة الخمسة عشر يوماً المقبلة، وهي المهلة التي حددها الرئيس عبد الفتاح السيسي. وأضاف الدكتور حرب أن خطة عمل اللجنة ستركز بعد ذلك على التواصل مع النائب العام بشأن حالات الشباب المحبوسين قيد التحقيق معهم. وأكد محمد عبد العزيز عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان أن اللجنة المشكلة لوضع أسماء المعفو عنهم بقرار رئاسي ستضع في أول اجتماعاتها خطة عملها ومعايير اختيار الأسماء والأولويات، لافتا إلى أن معايير اختيار المحبوسين ستنظر في المقام الأول الحالات الصحية والإنسانية وعدم استخدام العنف. وأوضح عبد العزيز أن اللجنة ستؤدي عملها وفق قواعد الدستور والقانون».
المطلوب حوار سياسي ناضج
أما المفاجأة فجاءت من الصفحة الحادية عشرة من «الأهرام» في عمود زميلنا شريف عابدين «في المواجهة»، حيث أكد أن الحوار الذي أجري مع الشباب لابد أن يتم استكماله بحوار آخر مع الإخوان المسلمين وقال: «بعد خطوة طرق أبواب مجتمع الشباب والاستماع إليهم والرد عليهم بالحجة والمعلومة بدون تسويف أو مبالغة في تقدير حقيقة الواقع، وهي خطوة من ألف خطوة مطلوبة. لا نجد غضاضة في المطالبة بفتح حوار آخر لا يقل أهمية مع «المغيبين» ممن سلموا عقولهم وأرواحهم لدعاة الإرهاب. نتحدث عن الجيران والزملاء، الشركاء في الوطن من المتعاطفين مع «شرعية مرسي» هؤلاء لا يفلح معهم الحل الأمني، بل يجب أن نكسبهم شركاء حقيقيين في البناء عبر «الدمج الآمن» في حوار سياسي ناضج تفرض من خلاله دولة القانون مظلتها على الجميع، لينضوي الخصوم تحت راية المعارضة السلمية الواعية.
الدمج الآمن لا يعني تراخيا للدولة أو للأمن أو صفقة سياسية في الظلام، بل يعبر عن دولة قانون قوية وواثقة، قادرة على حصار الجماعة سياسيا وتفكيكها وإتاحة بداية جديدة لمن لم يتورط في القتل والتحريض، وعلى أنصار الجماعـــــة الاختيار بين الوطن أو حزبهم المحظــــور الذي يواجه معضلة أيديولوجية ترتكز على أنه ليــــس مثل الأحزاب الثورية أو الأصولية التي تم دمجها سياسيا في آليات العمل الديمقراطي، في تجارب شهدتها بلدان عدة بسبب الطبيعة المعقدة لبنيته التي تعظم مبدأ السمع والطاعة للجماعة وإنكار الولاء للوطن ومؤسساته».
جرائم يمكن نتسامح عنها
وآخر زبون في هذه القضية سيكون زميلنا في «الوفد» علاء عريبي الذي طالب أمس الأربعاء في عموده اليومي «رؤى» بالآتي: «ما الذي نخسره إذا سامحنا أولادنا الطلبة المحبوسين على ذمة قضايا سياسية؟ هل سيسقط النظام الحاكم إذا منحنا أولادنا الطلبة فرصة جديدة يعيدون فيها النظر والمشاركة في بناء مستقبلهم ومستقبل البلاد؟ لماذا لا نعيد النظر في التهم الموجهة لأولادنا الطلبة طالما لم تتلوث أيديهم بالدماء؟ ما نعلمه أن جرائم أغلب هؤلاء الطلبة كانت التظاهر داخل الجامعات، وأن بعضهم تعدى على المنشآت واصطدم بقوات الشرطة داخل الحرم، وهذه الجرائم في ظني يمكن أن نتسامح عنها، وأن نشكل لجان مراجعة فكرية تتحلى بسعة الصدر والود وتجلس مع أولادنا وتناقشهم وتستمع إليهم في جلسات مطولة وتوضح لهم الصورة الحقيقية للمشهد السياسي والفكري والديني. هؤلاء الأولاد في النهاية أولادنا وأملنا في مستقبل أفضل ولن نربح كثيرا ولا قليلا من الزج بهم في السجون. يجب أن نتسامح معهم مهما كانت انتماءاتهم السياسية ونوعية الجرائم التي قاموا بها طالما كانت الجريمة غير ملوثة بالدماء، لن نخسر كثيرا إذا حاولنا معهم وفشلنا فالسجون موجودة لن ترحل ولن ترفض استقبالهم مرة أخرى».
مجلس النواب
وإلى مجلس النواب واستمرار مناقشاته ومعاركه التي لا تهتم الأغلبية بمتابعتها بمن فيهم أعضاء الأحزاب والكتل السياسية، إلا أنهم أولوا اهتماما بسيطا إلى تشكيل كتلة جديدة غير كتلة دعم مصر التي تضم أغلبية الأحزاب وأشارت إلى هذه الكتلة زميلتنا الجميلة في «الشروق» رانيا ربيع بالقول عنها: «قال النائب مصطفى كمال الدين حسين أن نحو 40 نائباً وقعوا على عريضة للانضمام إلى الائتلاف الجديد الذي يجري التشاور بشأنه، موضحة أنهم في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة للإعلان عنه.
وأكد كمال الدين أنه انطلاقا من شعورهم بالمسؤولية تجاه الشعب كان ضروريا الوقوف صفا واحدا وتجاوز الخلافات السياسية لتحديد أولويات المجتمع ومشكلاته للعمل على تصحيح المسار طبقا للدستور، ليعود البرلمان لدوره الطبيعي في إقرار السياسة العامة للدولة والرقابة والتشريع بما يحقق آمال وتطلعات المصريين. وأضاف قائلا الباب مفتوح للجميع للانضمام للائتلاف «مستقلين وحزبيين» وبعيدا عن أي قيود كي نشكل عبر التكتل الجديد صوتا حقيقيا معبرا عن المواطن، وسندا يلجأ إليه وقت الاحتياج. من جانبه قال النائب محمد أنور السادات أحد أعضاء الائتلاف خلال المؤتمر الصحافي، إن أداء الحكومة كان مترديا مشددا على أهمية أن يستخدم البرلمان صلاحياته طبقا لما نص عليها الدستور، داعيا في هذا الإطار لتعديل اللائحة.
من جانبه قال النائب سمير غطاس خلال المؤتمر الصحافي، سبق وعبرنا عن رفضنا للائحة البرلمان حيث أنها غير ديمقراطية وما تمخض عنها من تشكيل ائتلاف واحد وهو ما يعيد البرلمان لعصر الحزب الواحد. وأوضح أن الائتلاف حق الشعب يسعى لإعادة التوازن داخل المجلس حتى لا يهيمن عليه تيار واحد. أما النائب أسامة شرشر أحد أعضاء الائتلاف فقال إن هذا المؤتمر هو بداية لتشكيل ائتلاف، لافتا إلى أن ما تردد عما حدث في انتخابات اللجان النوعية من استخدام المال السياسي خلال انتخاباتها كان من أهم دوافع تشكيل هذا الائتلاف. وشدد على أعضاء الائتلاف لن يعيدوا تجربة أحمد عز وبرلمانه المنحل».
وكان على «الشروق» واجب الإشارة إلى أن مصطفى كمال الدين حسين هو ابن المرحوم كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو/تموز 1952 وتولى عدة مناصب منها منصب وزير التربية والتعليم واختلف مع عبد الناصر واعتزل الحياة السياسية وبقي في منزله المتواضع في مدينة بنها، ورغم أن الكثيرين لم يكونوا راضين عن عصبية كمال الدين حسين إلا أنهم أعجبوا بنظافة يده واعتزازه بنفسه وكرامته. وكان يتمتع بشعبية كبيرة في بنها ودخل انتخابات مجلس الشعب عام 1976 ونجح باكتساح فيها. وعندما أصدر الرئيس الراحل أنور السادات أحد القوانين المقيدة للحريات أرسل إليه برقية من عدة كلمات هي «أتق الله» وقامت قيامة حزب مصر العربي الاشتراكي الوسط المؤيد للسادات وكان برئاسة المرحوم ممدوح سالم الذي تخلى السادات عنه بعد ذلك وشكل الحزب الوطني وطالب الأعضاء باسقاط عضوية كمال الدين حسين بسبب جرأته على السادات وصدر القرار بأغلبية ساحقة.
حسنين كروم