الرباط – «القدس العربي»: نطق الرسميون في المغرب ومصرعن الأزمة التي عرفتها العلاقات بين البلدين، ولم يقولوا شيئا، قالوا أزمة، مظاهرها تبدو واضحة في الإعلام، لكنهم لم يقولوا عن أسبابها محركيها ودوافعها.
عنوان الأزمة أو من أعلن عنها، تقارير بثها التلفزيون المغربي الرسمي بقناتيه «الأولى» و«الثانية» حول الوضع المصري الداخلي منذ الثالث من تموز/يوليو 2013 وعزل الرئيس محمد مرسي وملاحقة جماعة الإخوان المسلمين، وتعيين عدلي منصور رئيسا مؤقتا قبل انتخاب الجنرال عبد الفتاح السيسي في حزيران/يونيو وزير الدفاع رئيسا.
التقريران نهلا من لغة معارضي النظام المصري ووصفا ما حدث بالإنقلاب والجنرال السيسي بقائد الانقلاب ومحمد مرسي بالرئيس المنتخب، وهي لغة لم ينطق بها من قبل مسؤول مغربي، رغم ان الحزب الرئيسي في الحكومة، حزب العدالة والتنمية، ينتمي للعائلة الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين، بل هي لغة معاكسة للغة الرسمية المغربية والموقف الرسمي المغربي، فالعاهل المغربي الملك محمد السادس هنأ الرئيس عدلي منصور ثم الجنرال السيسي ووزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار حضر حفل تنصيب السيسي.
والمعروف في الرباط ان موقف التلفزيون الرسمي، هو موقف الدولة المغربية ومضامين تقاريره ولغتها، محسوبة بدقة، لذا قرئ التقريران باعتبارهما موقفا رسميا مغربيا جديدا، تجاه القاهرة. وهو موقف مستغرب، لا ينسجم مع الموقف التقليدي ولا مع التحالفات الإقليمية، إذ تربط المغرب علاقات قوية ومتينة مع دول الخليج، تحديدا السعودية والإمارات، التي تبنت نظام السيسي ودعمته وتشن حربا شعواء على جماعة الإخوان المسلمين.
الرسميون في القاهرة والرباط سكتوا وأفسحوا المجال للمجتهدين والمحللين والخبراء، وكل من موقعه ولحساباته ولحسابات من يحلل ويجتهد، لقراءة الأزمة وتحليلها والجهات التي تتحمل مسؤوليتها، مستندين إلى سلوكيات وتصريحات ومواقف معلن عنها هنا وهناك.
في القاهرة، التي وجم إعلامها وإعلاميوها، ولم يعتمدوا اسلوب «الردح» ضد الخصوم، مثل الجزائر وقطر وتركيا والفلسطينيين، بل ان المغرب، الرسمي والشعبي، نال من القنوات التلفزيونية المصرية من المديح والتقدير خلال أسبوع من الأزمة، ما لم ينله على مدى سنوات، مما يؤشر على قوة الصفعة التي وجهتها الرباط للقاهرة، والتي تعبر عن مدى ما يحمله المغرب من «غيظ» من وسائل الإعلام المصرية أو من شخصيات ثقافية وفنية مصرية وما ناله منها خلال الشهور الـ 18 الماضية، لانه يعلم ان كل ذلك لم يكن مبادرات فردية بل ضمن توجيهات سياسية «محسوبة» لصانع القرار المصري.
كان صانع القرار المغربي منزعجا من «زلات» مذيعين أو مذيعات أو فنانين وفنانات يسيئون للمغاربة، ويرمونهم بأوصاف أخلاقية واجتماعية وسياسية لا تليق، إلا انه لاحظ ان «مثقفين وإعلاميين وصحافيين» قريبين من صناعة القرار المصري يذهبون بعيدا في الإهتمام بنزاع الصحراء الغربية متبنين مقاربة جبهة البوليساريو التي تسعى، بدعم من الجزائر، لإنفصال الصحراء وإقامة دولة مستقلة عليها، وهي قضية خط أحمر عند المغرب.
القراءة السياسية المغربية ان هذه الإساءات للمغرب التي ارتفعت وتيرتها وهذا الاهتمام بالنزاع الصحراوي، ترافق مع تطور وتقارب بين القاهرة والجزائر، سياسيا بتخصيص عبد الفتاح السيسي زيارته الرئاسية المغاربية الوحيدة، للجزائر، التي تقاسمه العداء «للإسلاميين» بعد تبني الجزائر فك العزلة الأفريقية عن النظام المصري بعد 3 تموز/ يوليو وإعادة عضوية مصر للاتحاد الأفريقي والدعم الجزائري لمصر بالغاز منحة أو باسعار مخفضة وتسهيلات، ولاحظ تنسيقا وتعاونا مصريا جزائريا في الملف الليبي.
ولان المغرب يعتقد ان الجزائر تصرف فواتيرها بالنزاع الصحراوي، فقد قرأ النشاط الإعلامي والثقافي المصري بالملف الصحراوي باعتباره تحولا في موقف القاهرة من النزاع القائم على الحياد الإيجابي لصالح المغرب، إلى موقف معاد من المغرب.
المحللون والخبراء والمجتهدون في القاهرة، تجاهلوا كل هذه الإشارات وابعدوا مسؤولية التقارير عن «المغرب الرسمي» وحملوها للصحافي الذي أعد التقارير للتلفزيون وسياسيا لـ«الإخوان المسلمين» وتركيا التي كان العاهل المغربي الملك محمد السادس في زيارة خاصة ابان اندلاع الأزمة وأيضا للمعادين لاستعادة مصر لدورها.
الدوائر المسؤولة في الرباط والقاهرة التزمت الصمت أسبوعا كاملا، وكأن الأزمة لا تعنيها، ووصفت مغادرة السفير المغربي في القاهرة، محمد سعد العلمي، مقر عمله إلى الرباط، بزيارة عائلية بمناسبة الأعياد ويوم الخميس 8 كانون الثاني/ يناير الجاري صباحا عاد إلى القاهرة وفي اليوم نفسه أكد سامح شكري وزير الخارجية المصري زيارة يقوم بها للرباط لتطويق الأزمة، لكنه لم يحدد موعدها الذي يتردد انه يوم الاحد المقبل 18 الجاري.
الوزيرة المغربية بالشؤون الخارجية مباركة بوعيدة قالت ان ما بين القاهرة والرباط ليست أزمة بل توتر عابر، وقال مصطفى الخلفي وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، إن الاتصالات جارية للدفع بالعلاقات الثنائية بين البلدين إلى ديناميكية جديدة لإعطاء مضمون للشراكة الاستراتيجية المنشودة.
وقال الخلفي أن «الاتصالات جارية ليس فقط لبحث هذا الموضوع واستئصال مسبباته وتحديد السبل الكفيلة بالدفع بالعلاقات الثنائية إلى ديناميكية جديدة لإعطاء مضمون للشراكة الاستراتيجية المنشودة».
وأكد الوزير المغربي على الروابط التاريخية المتجذرة بين الشعبين العريقين المغربي والمصري والتقدير المتبادل بينهما وعلى طبيعة العلاقة المؤسساتية القوية والمتينة بين البلدين والتضامن الموصول في جميع القضايا المصيرية والتعاون الجاد والمتجدد الذي طبع هذه العلاقة.
وأشار إلى وجود أطراف بخلفيات متعددة ومكشوفة تريد المس بصفاء هذه العلاقة وزعزعتها من خلال المس بكرامة الشعب المغربي وبرموزه وبقضاياه الوطنية الحيوية معتبرا أنه من غير المنطقي أو المقبول سياسيا «ولن يكون من المنصف أخلاقيا ألا يصان هذا الإرث المشترك بين البلدين ليتواصل الارتقاء به لما فيه صالح الشعبين الشقيقين أو ألا تحفظ هذه المكتسبات وهذا المحور الأساسي (المملكة المغربية- جمهورية مصر العربية) في العلاقات العربية- العربية والعربية الدولية».
هذه التصريحات الرسمية المغربية، رغم هدوئها، إلا انها تؤكد وجود أزمة، وقد تفسر أيضا على أنها تحمل تحذيرا لـ»الأطراف» التي تريد المس بكرامة المغاربة، والتي لم يسمها الخلفي، وان صفاء العلاقات المصرية المغربية رهين بضبط القاهرة لإعلامييها ومثقفيها عن ما يؤذي المغاربة، وبالتأكيد فان كل ذلك مرتبط بالسياسات المصرية وقدرتها على ابداع توازن في حساباتها الداخلية والإقليمية وأساسا في التعاون مع الجزائر التي تجد فيه سندا للخروج من أزماتها الداخلية وأمنها ودورها الإقليميين، خاصة في ميدان الإرهاب الذي يهددها داخليا من الجماعات المتشددة أو من جارتها ليبيا، الدولة الفاشلة والخاضعة بجزء منها لحلفاء هذه الجماعات، مخزن السلاح الذي لا ينضب.
محمود معروف