الجزائر – «القدس العربي»: «كرة الدم»، أصبحت العبارة الأكثر تداولا في الجزائر، والتسمية المنتشرة للساحرة المستديرة، بحذف حرف القاف من تسمية اللعبة الشعبية في البلاد، في رمزية لها دلالة على رفض الحادث الذي تعرض له اللاعب ألبرت ايبوسي وأودى بحياته، ليصاب الجميع بالذهول، وهي الرسالة القوية من فئات واسعة من الجزائريين للتأكيد على رفض العنف الذي بدأ يأخذ مجراه نحو الملاعب.
فتحت وفاة المحترف الكاميروني ألبرت ايبوسي الذي يلعب في نادي شبيبة القبائل الجزائري بعد نهاية إحدى مباريات الدوري المحلي، لتعرضه لاعتداء بالحجارة من أحد المناصرين، الباب أمام طرح تساؤلات عدة حول خلفيات الواقعة، وملابساتها في ظل تضارب الأنباء من قبل المسؤولين المحليين عن الأسباب الحقيقية للوفاة، وعن العنف الذي يغزو الملاعب الجزائرية في السنوات الأخيرة.
صاحب الـ24 ربيعا الذي جاء من الأدغال الأفريقية، وأمله في اللحاق بركب المحترفين، وسمعة محاربي الصحراء كانت محفزه للتوقيع على عقد احترافي مع أحد أعرق الأندية الجزائرية. أنهى موسمه الأول هدافا للدوري، بينما موسمه الثاني ينهيه قبل بدايته، في تابوت أُرسل في طائرة خاصة إلى مسقط رأسه، وحُجزت له تذكرة نهاية الأسبوع إلى السماء في الوقت الذي جاءت ابنته إلى الدنيا، فشاء القدر أن لا يلتقيا واختار كل منهما مثواه.
كل شيء كان على ما يُرام، ويسير بشكل عادي ولا يشي بحدوث أي طارئ، إلى غاية الدقائق الأخيرة من مباراة شبيبة القبائل الجزائري وغريمه إتحاد الجزائر، وكان اللاعب يوسف البلايلي أبى ان ينهي المواجهة بهدف التفوق، وهو الهدف الذي أغضب جمهور «القبائل» الذي أمطر لاعبيه بكل أنواع الحجارة، وإحداها كانت ممزوجة بآلة حادة أصابت رقبة اللاعب ايبوسي، فأسقطته أرضا وتعرض على أثرها لنزيف، وفقد الكثير من الدماء قبل أن يلفظ أنفاسه لدى وصوله إلى مستشفى المدينة، حسب الرواية التي يؤكدها شهود عيان تابعوا الحادث منذ لحظته الأولى.
النيابة العامة لمجلس قضاء تيزي وزو التي يقع الملعب في نطاقها الجغرافي، تعلن من خلال وثيقة رسمية محررة بختم وزارة العدل اطلعت عليها «القدس العربي»، أن اللاعب ايبوسي «توفي نتيجة الإصابة التي تعرض لها على مستوى الرأس نتيجة قذف أو رمي بالحجارة من قبل بعض المتفرجين وتوفي على اثرها». ويأتي الإعلان الذي وضع حدا للتضارب في التصريحات التي أعلنتها جهات مسؤولة لنفي التهمة، في السياق ذاته الذي ذهب إليه وزير الشباب والرياضة الجزائري.
في المقابل ينفي حتى الآن رئيس نادي الشبيبة هذه الرواية، وهو مصر على أن الوفاة سببها سكتة قلبية، وهو ما يجعل تصريحه يصب عكس السياق العام للحادث.
وأعادت المأساة التي تعرض لها لاعب أجنبي في ملعب جزائري، للأذهان الكثير من حوادث العنف التي طالت اللاعبين والحكام في الجزائر دون أن تُحرك الجهات المسؤولة ساكنا، فمع تجدد أحداث الربيع الأمازيغي في الجزائر وخروج منطقة بجاية آنذاك عن سيطرة الأمن المحلي، في 20 سنة 2001، تعرض لاعب نادي شباب بلوزداد فيصل باجي إلى طعنة خنجر بعدما اقتحم جمهور شبيبة بجاية الملعب و كاد باجي أن يفقد حياته لولا التدخل السريع للإسعاف.
كما تعرض اللاعب الدولي العيفاوي إلى طعنة مماثلة في الرقبة من جمهور مولودية سعيدة. مسلسل طعن اللاعبين في الملاعب لم يتوقف وتعرض بلال دزيري هو الآخر لطعنة خنجر ما بين شوطي المباراة لما واجه ناديه اتحاد الجزائر شبيبة القبائل بنفس الملعب الذي شهد مقتل ايبوسي.
وفي عام 2005 كاد الحكم الدولي زكريني أن يفقد حياته لما أدار مباراة «دربي» بين شباب باتنة ومولودية باتنة وهي المواجهة التي كانت ستحدد الصاعد للقسم الأعلى، زكريني تعرض لعدة إعتداءات ونجا من الموت بصعوبة.
وفي 2006 سجل ملعب أول نوفمبر بالحراش حادثة غريبة، لما شاهد الجميع لاعب شباب قسنطينة حاملا لمقص في محاولة للدفاع عن نفسه من اعتداءات تعرض لها، لكن رابطة الكرة المحلية عاقبته بعامين نافذتين.
ولعل أغرب حادثة تلك التي تعرض لها الحكم الدولي جمال حيمودي الذي أدار المباراة الترتيبية في كأس العالم، لما طارده رئيس نادي اتحاد البليدة بسلاح ناري في طريق عودته من ملعب مدينة البليدة إلى مسقط رأسه، وكانت حجة رئيس البليدة أن الحكم تسبب عمدا في خسارة فريقه، وكاد حيمودي ان يُقتل في هذه الحادثة لولا لطف القدر إذ لم تصبه أي رصاصة.
أحداث كثيرة تسجل في الملاعب الجزائرية، الكثير منها حسب متابعين لم تحرك لها السلطات ساكنا، مثلما لم تتحرك الجهات الرياضية المسؤولة مما أدى الى تفاقهما وصولا إلى مقتل الكاميروني ايبوسي بحجر طائش.
وفي هذا الصدد يقول الناقد الرياضي العربي محمودي في تصريح لـ«القدس العربي»، إن ظاهرة العنف ليست وليدة مقتل ايبوسي، بل تعود لعدّة عوامل اجتماعية ونفسية لخصها في الفترة السوداء التي مرت بها الجزائر في تسعينات القرن الماضي، «إذ شهدت البلاد تراجعا على مستوى المنظومة الأخلاقية وتحول معها الملعب من مكان للفرجة والمتعة إلى وكر للجريمة». وبخصوص الجهات التي تتحمل مسؤولية مقتل ايبوسي قال محمودي: «إن للجميع يد في الموضوع، من أعلى هرم رياضي، إلى أصغر مناصر». وأشار إلى أن «القاتل الحقيقي ما هو إلا أداة لمنظومة رياضية انهارت منذ سنوات، ويريد البعض تغطيتها بالنتائج التي يحققها المنتخب الجزائري لكرة القدم، مع أن الكرة الجزائرية على المستوى المحلي تُحتظر مع سبق الإصرار والترصد».
سليمان حاج إبراهيم