لقد اُعتبر درس الأنوار الغربي حافزا مهما في تاريخ الغرب الحديث والمعاصر، فهو الذي أخرج أوروبا من براغماتية الكنيسة، التي سيطرت لعقود طويلة، كانت في مجملها عقودا ظلامية، لتشدد الكنيسة المفرط والمانع للتفكير في أي إمكانية للتأصيل النظري، أو الطرح النقدي المخالف لأبجديات سُيجت دوغمائيا بطابع لاهوتي أرثودوكسي لا نقاش فيه.
ولذلك يُعد عصر التنوير الذي أفرز نخبة من الفلاسفة والعلماء نادوا بالحرية الفكرية والسياسية في جو من الاستبداد المطلق، منعرجا في تاريخ أوروبا النهضة والحداثة، من خلال تلك الاستماتة في الدفاع عن معطى التفكير والتعبير، في وسط سيطرت عليه الأصولية الدينية ورمت فيه الكنيسة الكاثوليكية سهام الموت على كل من يناقض تعاليمها المقدسة والثابتة، تلك التي بررت بها أفعالها الشنيعة ضد من جاهر بحرية التفكير والإبداع. فحرصت طوال قرون على هيبتها وامتيازاتها مرتدية جلبابا لاهوتيا متشددا ومغيبا لمعنى الإنسان وحقوقه الطبيعية أو المكتسبة، لذلك تأخرت أوروبا عقودا ودفع بعض مفكريها الثمن باهظا، فدحروا بشدة وهُضمت أفكارهم من قبل الكنيسة، لما جاؤوا به من اكتشافات عقلية من شأنها أن تهدم «البراديغم» الذهني المتوارث تاريخيا والمُحصن بشدة من طرف الخطاب الأرثوذوكسي الكنسي.
وقد كان جيوراندو برونو شهيد الأصولية المسيحية من أبرز الأمثلة في التاريخ الغربي الوسيط، وكذلك ايراسموس وكوبرنيكوس وغاليلي وغيرهم من المحطات المهمة في تاريخ أوروبا المسيحية – أوروبا القرون الوسطى.
لقد ذاق هؤلاء مرارة الفكر الديني المتحجر، وعانوا قسوته وهو الذي يخدم أغراضا بعيدة عن المقصد التنويري للإنسانية، ولكن الثورة الكوبرنيكية التي سعى من بعد غاليلي إلى تثبيتها فيزيائيا، وجاء ديكارت في القرن السابع عشر لتدعيمها فلسفيا كانت حافزا مهما ساهم في إيصال أوروبا إلى عصر الأنوار، المشعل القوي والمتوهج إلى اليوم والذي حقق بامتياز ما يمكن أن نسميه بقانون «الطفرة واقتصاد الزمن»، هذا المبدأ المهام الذي عرف تأصيلا عمليا في الغرب دفعا نحو الحداثة المعرفية والاجتماعية والسياسية.
إن خدمة الحقيقة هي أقسى أنواع الخدمات، كما سبق وأكد فريدريك نيتشه، ولكن جهود أمثال فولتير وديدرو ودالامبير وجان جاك روسو وكانط وغيرهم، تجاوزت الحواجز والعراقيل وحققت الانتصار للفكر العقلاني المتنور الذي يسعى إلى الانعتاق من ربقة المعتقدات الساذجة والأفكار المتحجرة التي حرص الرهبان على التمسك بها والفتك بكل من يطعن فيها، وفي النهاية تنتصر الأفكار القويمة وإن احتاجت إلى وقت طويل قد يُؤخر مسيرة التقدم الحضاري.
لعل المعطيات النهائية لتلك المعركة الكبرى بين الطرف العقلاني والطرف الأصولي كشفت عن تجاوز أزمة الوعي الأوروبي، ومثلت طفرة عظيمة في تاريخ البشرية عموما، بأن قلبت العالم القديم كله وأحلت محله عالما حديثا، وعن هذه «المعركة الهائجة» كما يسميها بول هازار تمخضت الحداثة، وتم تجاوز فروض تقديم الطاعة لرجال الدين وللملوك، فقد بشر الفلاسفة التنويريون بميلاد حضارة جديدة مبنية على فكرة حقوق الإنسان الكونية والشمولية، أما ثوابتها الأساسية فهي حق التفكير والنقد والتعبير.
ولكن تلك الذات المفكرة التي غيرت موقع الإنسان الغربي من الخضوع للسلطة الزمنية، أو لتلك السلطة التي تدعي القداسة والألوهية نحو جعله ذاتا حرة ومستنيرة حريصة على المصلحة العامة، لم تكن تدرك أنها مدت الأجيال اللاحقة المتحكمة في مراكز القرار قوة وجودية وُجهت في المسار الخطأ، فانتهت إلى استعباد الشعوب الأخرى التي لم تكن غازية ولا معتدية في يوم من الأيام. وانكشف الوجه القبيح للغرب الاستعماري التوسعي مع حقبة الاستعمار الكولونيالي، وزاد اتضاحا بعد نهايتها وتحديدا مع سقوط الاتحاد السوفييتي، وتشكل القطب الواحد بقيادة الولايات المتحدة الامريكية التي مارست دور شرطي العالم لما يزيد عن عقدين من الزمن، اكتفت خلالهما دول كبرى صانعة لحرية الإنسان وحقوقه بالمتابعة والتذيل «للعم سام» وأهمها بريطانيا وفرنسا.
وقد رافق هذا الحضور التاريخي القريب تغير في السياسات الدولية مع غياب سمة التوازن الدولي، وتم البحث عن أشكال جديدة للهيمنة والاستعمار غير مكلفة، فكان الحل في استعمار العقول وتصديرها نحو متاهات الجهل والعطالة، وجعلها حبيسة حداثة مادية تنغمس في ثناياها بدون أن تدرك منطلقها أو منتهاها. ووجد أصحاب مشروع إلغاء الفعل العربي في التاريخ أنفسهم محتاجين لإعلام مأجور يوجه الرأي العام ويطبق الأجندات المسطرة. ولعل الدور الأهم في كل ذلك كان لوكلاء الغرب من سياسيين مدفوعي الأجر عملوا على تشييد الأنظمة الديكتاتورية العربية وهندسة بقائها وتمتين فعل سيطرتها على الشعوب إرضاء لأسيادهم.
وهكذا ضمنت القوى الامبريالية التبعية السياسية ومثيلتها الاقتصادية وأزالت أي إمكانية للتكامل المادي بين الدول العربية والإسلامية، ولم تكتف بذلك بل توجهت نحو ضرب الإنتاج الرمزي والمخيال الفكري والثقافي، بأن جعلت أفســد النخب تسيطر على الثقافة في الساحة العربية، الأمر الذي دفع إلى تراجع هذه الأوطان فكريا وعلميا فشهدت بذلك عطــــالة ثقافية لا مثيل لها في التاريــــخ الحضــــاري العربي الإسلامي استُعبد في سياقاتها المثقف العربي ووُجه قسرا وإملاء.
وبالمُحصلة النهائية أصبح العالم العربي في تبعية اقتصادية تامة وأضحى يشهد فشلا سياسيا ذريعا تراكمت خيباته ضمن معطى الحكم الذي يغيب فيه الفصل بين مطالب الحزب الحاكم ومطالب الدولة ومطالب الفرد المواطن داخل المجتمع. وينضاف إلى ذلك التدهور في نسق التعليم الذي سيطرت عليه ترسيمة نخبوية فاسدة وأمسك بأبجدياته أقل الناس علما وأحطهُم أخلاقا.
تلك صورة قاتمة بالفعل حان الوقت كي نناقشها ضمن أطر الديمقراطية التي نبحث عنها، والتي ظلت فلسفة تُباع على أنها مُنتج عملي، ولكن ماهيتها غائبة إلى الآن عن ذهن السواد الأعظم من الناس. وكيف لا والغرب يملك سياسته الديمقراطية الخاصة بــــه ويقدم سياسات ديكتاتورية لبقية دول العالم، وهو أمر يدفع إلى الاستفاقة العاجلة المرجوة من الشعوب العربية لعزل مُرتكبي الشر وعدم السماح بتوالد «الحكـــومات الشـــريرة» كما يسميها آرشي أوغستاين، فإن كان المهرجون يرضون بالعيش تحت خيمة السيرك فليس الجميع مهرجين. ومن يرى نفسه خارج الخيمة عليه بالدفــع نحو التخلص من ثقافة العبودية التي فرضها الغرب في سبيل استعباد الإنسان العربي في رزقه المادي والروحي فاختلطت حينئذ الحداثة بالبربرية.
٭ كاتب تونسي وباحث في الحضارة
لطفي العبيدي