الغرب وحداثاته: هل يستنزف العمق الحضاري للثقافات الأخرى؟

 يعيدنا كتاب المستشرق الألماني كاي حافظ «الإسلام والغرب وإمكانيّة الحوار»، الذي ترجمه عن الألمانيّة صلاح محجوب إدريس، وصدر عن المجلس الأعلى للثقافة، مصر، إلى سؤال فادح يتعلّق بفلسفة الحقّ؛ تلك التي تقيم في مجملها تقابلا منطقيا بين العنف والحقّ، وبين التشدّد والتسامح، يتمّ على أساسه سلب الأول من دائرة الثاني ـ وأجيز لنفسي هذا النعت، فالفادح في لسان العرب هو الصعب المثقل، والفادحة هي النازلة؛ وبنا نحن العرب من فوادح الأنظمة وخطوبها ما بنا ـ والسؤال: ما هي المسافة التي يتوجّب قطعها من العنف باتّجاه «اللاعنف»، حتّى لا نساوي بين الجلاد والضحية، ولا يكون الثاني صورة من الأول؟ ويعرف جلّنا أنّ ذلك يبقى في نهاية المطاف رهين تشريع نظري كثيرا ما تعدم وسائل إجرائه ممارسةً.
يتوزّع هذا الكتاب ـ وهو في الحقيقة تأليف جماعيّ، من تلك الكتب التي يبذل فيها مؤلّفوها ومترجموها وناشروها، ما يبذلون؛ ثمّ لا تجد، من يلتفت إليها ـ على قسمين كبيرين يتفاوتان طولا وقصرا: أوّلهما زاوية نظر في أسس العلاقة بين الإسلام والغرب وأبعادها وموضوعاتها: الصراع الفكري ومحوره سؤال التحديث الإسلامي، وهو أشبه بعوْد على بدء؛ فأكثر مجتمعاتنا لم تفلح منذ الخمسينيات في بناء مؤسساتها وتحرير أنظمتها من الاستبداد والفساد، ومن هذا «العقل السياسي» المتوحّش الذي لا يزدهر إلاّ بمصادرة حقوق الناس في الحرية والديمقراطيّة؛ حتّى لكأنّ جلّ ما بنيناه كان على أسس هاوية. ويتفرّع هذا القسم إلى أربعة فصول هي جمهوريّة دولة الله: الإسلام والديمقراطيّة، ونسبيّة القيم وضرورة حوار الحضارات، والمرأة في الإسلام: من جمال الحريم إلى غموض الأصوليّة، والخوف الحضاري بين الشرق والغرب: العنف والإرهاب بين المسلمين، والاقتصاد الإسلامي بين عالم مثالي واقتصادي. وأمّا ثاني القسمين فدراسات ميدانيّة  لبعض الأقاليم الإسلاميّة، اختيرت بناء على نماذجها الموضوعيّة: الدول الإسلاميّة والغرب: بين الصدام والتعاون. ويتفرّع إلى سبعة فصول هي: أوروبا والجزائر: موقف ديمقراطيّ أم خوف من جار إسلامي؟ والعلمانيّة والإسلام في تركيا، ومسلمو البوسنة وخطط التقسيم، وإسرائيل والفلسطينيّون: أوسلو نموذج السلام في الشرق الأوسط، والعراق وبوق البعث: صراع هويّة أوروبيّة الصنيع (ولا ننسى أنّ الكتاب ألّفه صاحبه في منتصف التسعينيات)، والمسلمون في آسيا الوسطى والقوقاز: بين الإرث الإسلامي والتقاليد السوفييتيّة، وباكستان القوّة النوويّة الإسلاميّة.
ليس هدفي عرض هذه الفصول، وكلّ منها يصلح أن يكون محورا فكريّا قائما بذاته؛ وهو غنيّ بهوامشه التي بمثابة روافد لمسالك في البحث، وثّقها الكاتب كأفضل ما يكون التوثيق؛ وإنّما أعرض ما يعنينا منه اليوم، ونحن نرى بأمّ أعيننا ـ على ضرورة تنسيب الحكم، فالأنظمة العربيّة ليست كيانات متجانسة ـ انهيار مشاريع التحديث السياسي والتربوي والثقافي، والفساد والتكلس البيروقراطي والجبروت البوليسي، وتسلط  الطوائف الدينيّة التي أخذت تحلّ محلّ سلطة الحزب الأوحد، والشباب العاطل أو المعطّل، والخطاب الديني المتخلّف، وما إلى ذلك ممّا أصبح قاسما مشتركا بين العرب جميعهم: الوحدة في التخلّف وفي مقارعة الإرهاب.
يرى الكاتب أنّ المحاولات الدؤوبة لبذر الخلاف بين الإسلام والغرب، لم تنقطع منذ عصر النبي، وقد أصبح من التقليدي في علم الاستشراق أن تقوم وسائل الإعلام، كلّما تعلّق الأمر بالشرق، بتوجيه الرأي العامّ إلى روح معاداة الغرب عند كثير من الإسلاميّين والأصوليّين. وعلى أساس من هذه «المُصادرة» كان من أهداف هذا الكتاب استثارة قلق القارئ وشكّه، بل تفنيد الحكم العالمي الشائع عن خلافات بين الشرق والغرب؛ لا يمكن تجاوزها. فالعالم الإسلامي ـ وهو ليس الإسلام من حيث هو دين ـ لا يمثّل كلّه معارضة للديمقراطيّة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة تحديدا، أو تهديدا للسلام العالمي، أو لاقتصاد السوق الرأسمالي. وكلّ ما في الأمر أنّ هذا العالم يتأرجح في تاريخه بين أوضاع وحالات شتّى: انعزال نسبيّ أو شغف بالتقاليد إلى حدّ الهوس، وانفتاح قويّ إذ هو مُشرع على العالم الغربي منذ قرون؛ وكان ذلك بواسطة العربيّة التي لا تزال تتردّد فيها أصداء التراث الثقافي الشرقي واليوناني والروماني. وعلى رواج البضائع والسلع والمنتوجات الصينيّة، فإنّ معظم البلدان الإسلاميّة؛ لم تتهيّأ لها بعد فرصة تعديل ساعتها، والسير في اتجاه الصين. ويوضّح الكاتب أنْ لا مسوّغ ـ بسبب بعض الإرهابيّين من المسلمين ـ للحكم بالتفوّق الثقافي للغرب، والقطع به؛ خاصّة أنّ هؤلاء الإرهابيّين يذكّرون الغربيّين بمآسي الحرب العالميّة الثانية وحرب فيتنام، وبمسؤوليّتهم عن التطوّرات السلبيّة في الشرق الإسلامي حيث عمليّة السلام «المتفائلة» بين اسرائيل وفلسطين؛ ما انفكّ يتهدّدها الفشل والإخفاق، بسبب تأييد الغرب المستمرّ لإسرائيل شريك الولايات المتّحدة العسكري في الشرق الأوسط، وبالسؤال الذي يقضّ مضاجعهم، فهل تمّ حقّا استئصال العنف، وعدم التسامح في المجتمعات الغربيّة؟ ويجيب الكاتب بأنّه يشكّ في هذا بعد أن عاد تيّار معاداة الأجانب (المهاجرون من البلدان الفقيرة في المقام الأوّل) إلى الظهور من جديد، بشكل حادّ. وهو يجد مثل هذه «الأعراض» التي يسندها في الغرب، تنامي الشعور بالهويّة الثقافيّة، كما هو الشأن في البلدان الإسلاميّة؛ أخطر بكثير من تنافس الحضارات أو صدامها. وواضح أنّه يعترض هنا على ص.هنتغتون ونظريّته التي تشحذ في الشعور الجمعي، في الحاضر، رماد التناقض القديم بين الشرق والغرب، وما يعتبره اختلافا جوهريّا بين الحضارتين الغربيّة والإسلاميّة، وحقيقة ثابتة لا تتغيّر؛ فهذان في تقديره عالمان منفصلان، خاصّة انّه يصنّفهما إلى مجتمعين مختلفين متعارضين في السجايا والخصال والقيم الجوهريّة.
صحيح أنّ الصورة الماثلة للعيان مليئة بتناقض العالمين الإسلامي والغربي، وهي مع ذلك تكشف من منظور تاريخي، عن تقارب بينهما. وحجّته لذلك أنّ اعتبار الشرق الإسلامي حتّى الصين، أحد أجزاء الغرب، لم يأت من فراغ؛ فالديانات الثلاث اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام «متوازية» على نحو لافت. وأساسها أو فكرتها المركزيّة خلاص الإنسان، بالرغم من أنّ الإسلام يرى في التثليث وميراث الإثم أي خطيئة آدم التي ترى المسيحيّة أنّ البشر توارثوها، معتقدات غريبة عنه. والإسلام يتركّز أساسا في العلاقة المباشرة بين الله والإنسان، ويكاد لا يعبأ إلاّ بالقليل من المسائل والقضايا اللاهوتيّة مقابل كثرتها في المسيحيّة. وهذا يحيلني شخصيّا على رأي برتراند رسل وهو يقارن بين الإسلام والبلشفيّة ويرى أنّ العقدين الأوّلين للإسلام قد تميّزا بحسّ يعقوبيّ لا يخفى، ويجد كليهما «عمليّين اجتماعيّين يخلوان من الروحانيّة» إذ شُغلا بالفوز بامبراطوريّة عالميّة، في حين كانت المسيحيّة في طورها الأوّل ديانة شخصيّة تأمّليّة، ولكنّها ما أن استوت بالقسطنطينيّة دينا لامبراطوريّة منتصرة، حتّى أخذت تترسّم النمط المألوف نفسه. ويشير البعض في هذا السياق إلى أنّ لغة محاكم التفتيش الاسبانيّة العنيفة، مشابهة على نحو عجيب للغة المحاكم الاستعراضيّة الستالينيّة في ثلاثينيات القرن الماضي. وهذا وغيره ينبغي ألاّ يحجب عنّا أوجه الائتلاف بين الديانات الثلاث، كما يتمثّلها الفنّ والشعر خاصّة. ولو كان في المقال فسحة لسقت شواهد غير قليلة تعزّز من وجاهة هذا الطرح. ومثال ذلك شعر دينيس ليفرتوف الذي يذكّرنا في نماذج منه، ببعض مأثوراتنا، وإن كان لا أصل لها مرفوعاً، وهي التي اشتُهرت وجرت على الألسنة في الأزمنة المتأخرة: «مهما يكنْ ما تَطُولُهُ يدك، فاصنعه بعزمك/ لأنّه لا يوجد عمل ولا استنباط/ ولا معرفة ولا حكمة/ في القبر حيث تذهب/ استعدّ للعالم «كأنّك تموت غدا»/ بذا يقول سِفر البهجة/ استعدّ لهذا العالم «كأنّك تعيش أبدا» (من ديوان تذوّق وانظر، 1964).
ربّما لا غرابة في هذا «الائتلاف» الذي لم نعد نلتفت إليه، وقد نسينا تحت وطأة العنف الأعمى، مثلما نسوا؛ أنّ الإسلام يستند في مرجعيّته كما هو في الديانتين الأخرييْن إلى ابراهيم، وأنّ الإرث اليوناني كان رابطا قويّا بين الثقافتين الشرقيّة والغربيّة، في ما يتعلّق بإشكلات الدين وما عداها، مع ابن سينا وابن رشد وموسى بن ميمون.
لعلّ أهمّ ما في هذا الكتاب دعوتنا إلى التحرّر من أوهامنا عن الآخر «الغربي»، وهو الذي يمتلك قدرة فائقة على «استنزاف» العمق الحضاري للثقافات الأخرى وتمثّلها، وعلى مراجعة نفسها باستمرار، خاصّة أنّ  ثقافته ثقافات وحداثته حداثات. ولا ينبغي أن نقع في وهم الإقرار بتجانسها أو اقتصارها على نموذج واحد حيث الآخر هو الآخر بإطلاق. فقد أنجبت هذه الثقافة قيما على قدر بالغ من الحساسية الإنسانية، وإليها تنتسب أقلام حرّة وضمائر حيّة تندّد بالجزء المتعفّن العنيف العنصري. وهذه أقلام تتصدّى له إدانة وفضحا، وليس أدلّ على ذلك من هؤلاء الأوروبيين بمن فيهم من اليهود المتنوّرين. لنتذكّر أنّ النهضة الأوروبيّة ما كانت لتتحقّق لولا فضل العلوم المنقولة من الشرق الإسلامي والترجمات العربيّة والعبريّة، كما يقول الكاتب.

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية