الغرب ومعطى إزالة الفعل العربي في التاريخ: وهم أم حقيقة؟

يكمن جوهر اختلافنا مع الحكومات المتعاقبة على الحكم في تونس في أنّها لم تفهم مقتضيات الحالة الثّورية ولم تستوعب بعد التحرّكات الاحتجاجية أو لعلّها تجاهلتها تماما ولم تتمثّل المطالب الجماهيرية وتُفعّلها، بل عملت على تحقيرها في أحيان كثيرة، ورغبت عنها وتناستها دفعا نحو تلاشيها واندثارها وتراخي أصحابها. وقد لا يحدث ذلك دون استراتيجية إلهاء ومساومة دنيئة حول الحالة الاجتماعية والأمنية للبلاد ومعطى الأمان الاجتماعي وتماسك النسيج الأهلي.
ولكن معاناة الشّعب اليوم ليست مبرّرة بأيّ شكل من الأشكال، فهي ليست قدرا محتوما، والجماهير الواسعة من الشّعب التونسي واعية بأنّ هذا الحيف الاجتماعي مفروض قسرا نتيجة جهل النخب الحاكمة ومراهقتها السياسية، وهو مرفوض وقابل للفعل ضدّه، فوعي النقص بتعبير «هيغل» بات واضحا ومكشوفا والحالة الثورية مستمرّة وباحثة عن استرجاع الشرعية المكتسبة التي تكفل حقّ المواطنة وتفرض أسس العدالة الاجتماعية وتكرّس آليات الحكم النّزيه. ولا مجال في كلّ ذلك إلى إقصاء المواطنين من الفضاء العام ومعاملتهم معاملة الرعايا.
وبهذا المعنى، فإنّ اكتساح الجماهير للمجال العام ضروريّ للحدّ من أشكال الاستبداد المغلّف بهياكل دستورية شكلية، والمكسوّ بقوانين غير مفعّلة ولا هي بالثوريّة شكلا ولا مضمونا.
إنّ «القفزة النوعية» بتعبير «توماس كوين» من نمط اجتماعي وسياسي واقتصادي إلى نمط آخر يكنسُ الأنموذج السّائد ويفرض منظومة مختلفة بات ضروريّا، والإكتفاء بالفرجة فيما يقدّم على الركح السياسي من تمثيلية ساذجة تُستبدل فيها حكومة بحكومة أخرى إنّما هي لعبة شطرنج، فذهاب الفاشل وقدوم الأفشل ليس سوى مصادرة على المطلوب وإغراق للبلد في متاهات قد يصعب الخروج منها نحو ابصار نور الصبح لحظة انبلاج فجر ايجابي.
وعلى هذا الأساس تقتضي المرحلة الرؤية والمشروع الذي يكفل انقاذ الوضع المتدهور وليس اختيار أشخاص جُدد ضمن محاصصة حزبية تدفع بهؤلاء لجولة تالية لا يضيفون فيها جديدا عن سابقيهم من الفاشلين والمفسدين.
إنّ السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي تجلب الحرمان للشعب وتجرّ العواقب السلبيّة إنّما هي سياسة قاصرة ولا خير في أصحابها، فهي بالمقاييس الأخلاقية خيانة لمصالح المجموعة الوطنية.
هكذا إذن تسمح الديمقراطية المتعثّرة بالاستبداد الذي يكشف عنه تحكّم بضعة أشخاص في مصير الملايين واخضاعهم للتجارب الفاشلة ضمن خيارات سلبية بدءا ومنتهى.
هذا الإفلاس الأخلاقي الذي ارتبط بالنخب الحاكمة في تونس يزيده قبحا ووقاحة تمسّك هؤلاء بتغييب أيّة إمكانية لإعادة التقييم أو التفكير في الوضع السّائد أو أي تدقيق في معوّقات نجاح الحالة الثورية التي أهملت للأسف ركائز الدكتاتورية واهتمّت برموزها. وبمعنى أدق تناست العامل الخارجي ودور القوى الامبريالية في صناعة أصنام الدكتاتورية وهندسة التغوّل الاستبدادي، ومواصلتها زرع أياد فاسدة تنهب ثروات الشعوب وتكفل المكاسب لصالح البنوك الدولية التي تُعتبر أشكالا للهيمنة الغربية الجديدة ضمن سياقات العولمة التي سعت إلى تكريس التبعيّة الاقتصادية لهذه الدول، وهو ما يمنع نجاح الثورة الحقيقية خاصة وقد خطت القوى الامبريالية خطوات كبرى في اتّجاه احتواء الثورات العربية عبر أجهزتها المالية مُمثّلة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها من الأذرع الفتّاكة التي راهنت على إغراق هذه الدول التي بدا لها أنّها استنشقت نسمات الحرية بالدّيون لتعجيزها تعجيزا تامّا وجعلها تابعة لا تمتلك قرارها السّيادي قطريّا فما بالك بحضورها في القضايا الدولية ضمن لعبة الأمم اقتصاديا وسياسيا.
إنّ معنى الإنصاف الدولي والعدالة الدولية مفاهيم سوقها نافقة، وما يسمّى منظومة الأمم المتحدة أصبحت خالية من كل مضمون انساني أو أخلاقي، وعلى الدول العربية أن تراجع حضورها في هذه المنظّمة وغيرها من المنظّمات الدولية التي عملت على إزالة الفعل العربي في التاريخ منذ فجر «سايكس ـ بيكو» الذي بحث عن إزالة الحدود، فقضى بذلك عن الوحدة في المكان، وخلق جغرافية هشّة ومجزّئة عكست حضورا تاريخيّا خائبا وهافتا وذليلا. ففي الوقت الذي بحثت فيه القوى الغربية عن تمتين اتّحاداتها السياسية والاقتصادية عملت على إزالة كلّ شكل من أشكال الاتّحاد لدينا، وفي اللّحظة التي يستطيع فيها الاتّحاد الأوروبي طرد الدول الأعضاء المنحرفة والتي تهدّد استقراره تُتَداول مسمّيات اتّحادية عربية وافريقية لا وجود لها عمليّا، ومثال ذلك السّوق العربية المشتركة، واتّحاد المغرب العربي، والاتّحاد الأفريقي، ومنظّمة التّعاون الإسلامي وغيرها من المُمكنات في التّكامل الاقتصادي الذي تعمّدت الدول الغربية المهيمنة تغييبه تماما وتركه حبرا على ورق تتلهّى به أقلام مأجورة وتردّده صالونات سياسية مدفوعة الثّمن مسبقا.
ذاك شيء من فهم يدفعنا إلى طرح الأسئلة التّالية :
-هل نمتلكُ رؤية استراتيجية للتّعامل مع خطر إزالة فعلنا في التاريخ؟
-هل نمتلك اليوم شروط نجاح الثورة في أيّ قطر من الأقطار العربية في ظلّ قوى طاغية تتربّص بنا تاريخا وجغرافيا؟. وهل استوعبنا شيئا من درس السياسة الدولية بما هي حرب بوسائل لطيفة؟

٭ كاتب تونسي

الغرب ومعطى إزالة الفعل العربي في التاريخ: وهم أم حقيقة؟

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية