الغموض يسيطر على موقف الأحزاب السياسية من الانتخابات المقبلة وقوائم المفتين إهدار لقيمة الفتوى وضياع لهيبتها

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يحدث أي تغيير في اهتمامات الصحف المصرية الصادرة أمس الأربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني عما سبقها، باستثناء قرار زيادة الضرائب على السجائر والمعسل والتمباك، حيث ستصل الحصيلة إلى ثمانية مليارات جنيه، أعلنت الحكومة أنها ستوجهها لخدمات التعليم والصحة.
وكذلك موجة الأمطار والبرد التي داهمت البلاد، وانتخابات رؤساء وأعضاء مجالس إدارات الأندية الرياضية، ونشر المتقدمين للانتخابات إعلانات مدفوعة الأجر في الصحف، بالإضافة إلى البرامج التلفزيونية وتوقعات الفائزين في انتخابات الزمالك والأهلي بالتحديد.
وواصلت الصحف التركيز على زيارة الرئيس السيسي لكل من قبرص واليونان، والقمة الثلاثية والاتفاقيات التجارية التي تم التوقيع عليها، واجتماع الرئيس مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، الذي غادر إلى بيروت لحضور الاحتفال بيوم الاستقلال، الذي وافق أمس الأربعاء مرور أربعة وسبعين عاما عليه، لأن لبنان استقل عام 1943 وأصبح له وضع سياسي قائم على توزيع المناصب حسب الطوائف، وبدأت مشكلته عام 1860 بالتحديد عندما تدخلت الدول الكبرى وقتها بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية لحماية طوائف معينة، فبريطانيا انحازت إلى الدروز وفرنسا للمسيحيين الموارنة وروسيا للأرثوذكس، وفرضت أوضاعا معينة على الخلافة العثمانية.
كما استمر الجدل حول المرحوم الشيخ محمد متولي الشعراوي، وفي حقيقة الأمر فإن جماهيريته الطاغية لها عدة أسباب، أولها أنه استطاع شرح وتقريب معاني آيات القرآن الكريم للجماهير العادية، بلغة بسيطة مفهومة، نتيجة تخرجه في كلية دار العلوم وتمكنه من أسرار اللغة. كما كان يتمتع بقدر هائل من الذكاء الفطري، بحيث يستطيع قراءة آثار كلماته وحركات يديه وجسده وطبقات صوته ونظرات عينيه على مستمعيه، والتجاوب معها من خلال ردود أفعالهم، ولكن مشكلته الأساسية كانت في كثرة أحاديثه وكلامه الأمر الذي منعه من التحول إلى فقيه أو مفكر ديني صاحب رؤية جديدة، له كتب ومؤلفات، ولذلك لا يوجد للشيخ الشعراوي كتاب أو مؤلف تفرغ لكتابته، وإنما كل كتبه هي تجميع لأحاديثه ومعظمها باللهجة العامية. وكثرة كلامه ورطته في ما وقع فيه من أخطاء قاتلة. وإلى ما عندنا من أخبار متنوعة..

انتخابات الرئاسة

ونبدأ بانتخابات الرئاسة المقبلة، حيث تواصلت حملات جمع التواقيع التي تطالب الرئيس السيسي بالترشح لفترة رئاسية ثانية كما نشرت «الأهالي» لسان حال حزب التجمع اليساري تحقيقا لنجوي إبراهيم عن المعركة وموقف الحزب منها ومما جاء فيه: «رغم اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الثانية المقرر إجراؤها عام 2018 المقبل، إلا أن هناك حالة من الغموض تسيطر على موقف الأحزاب السياسية من هذه الانتخابات. فلم تقم الأحزاب السياسية في مصر والبالغ عددها نحو 106 أحزاب منها نحو 20 حزبا ممثلة في مجلس النواب، بالإعلان عن مرشح يخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة. واكتفي عدد من هذه الاحزب خاصة الكتل الأكبر في مجلس النواب، التي تضم أحزاب «المصريون الأحرار» و»مستقبل وطن» و»الوفد» بإعلان تأييدها للرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي. وينظر الكثير من السياسيين إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة على أنها محسومة لصالح الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، نتيجة للحملات القوية التي يتبناها العديد من الأحزاب السياسية والشخصيات العامة ورجال الأعمال، لتولي السيسي فترة حكم ثانية في البلاد. كما أن هناك حملات شعبية أيضا تتمثل في التوقيع على استمارة «علشان تبنيها» لدعم السيسي للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. ولم يكسر تراجع صوت المعارضة وغياب تواجدها وتأثيرها في المشهد السياسي سوى إعلان خالد علي المنافسة في الانتخابات المقبلة، إلا أنه قد يحرم من خوض الانتخابات، خاصة أن المادة 142 من الدستور تنص على أن الترشح يتطلب تزكية 20 عضوا على الأقل من البرلمان، الذي تسيطر عليه الأحزاب الكبرى المؤيدة والداعمة للرئيس السيسي، أو جمع 25 ألف توقيع موزعة على 15 محافظة، وبحد أدنى ألف مؤيد من كل منها. ومن ناحية أخرى القضية التي تنظرها المحكمة حاليا ضده، لاتهامة بفعل فاضح خادش للحياء، وسيتم النطق بالحكم ضده في يناير/كانون الثاني المقبل، وفي حالة صدور حكم ضده يحرم من خوض الانتخابات، إذ يشترط الدستور ألاّ يدان المرشح الرئاسي في أي قضايا «مخلة بالشرف». وأرجع عدد من السياسيين فشل الأحزاب في تقديم مرشح رئاسي ينافس معركة الانتخابات إلى ضعف الحياه الحزبية في مصر مؤكدين أن 90٪ من الاحزاب على الساحة السياسية ورقية أو كرتونية، في حين رأى آخرون عدم وجود أي شخصية حزبية تستطيع أن تنافس الرئيس في الانتخابات المقبلة، بالنظر إلى دور السيسي في الحفاظ على البلاد، وإنجازاته التي جعلت له تأييدا من غالبية الشعب المصري. من جانبه أوضح سيد عبد العال رئيس حزب التجمع أن حزب التجمع لم يدعم مرشحا بعينه حتى الآن، نافيا وجود نية للدفع بإحدى قيادات الحزب لخوض السباق الرئاسي المقبل. وأكد عبد العال، على أن الحزب لم يستقر حتى الآن على تأييد الرئيس الحالي لفترة ثانية، حيث ينتظر قائمة المرشحين النهائية لمناقشة برامجهم الانتخابية. ومن ثمّ الاستقرار على مساندة مرشح ينحاز للعدالة الاجتماعية وللتحول الديمقراطي. وقال عبد العال: ليس من الضروري أن يتقدم كل حزب بمرشح للانتخابات الرئاسية، كما يحدث في الانتخابات البرلمانية أو المحلية، موضحا أن التنافس في السباق الرئاسي يتطلب وقتا كافيا لتأهيل المرشح وهذا لم يتسن للاحزاب في ظل الظروف الراهنة. وأردف قائلا: لا يعني عدم تقديم الأحزاب السياسية لمرشحين أنها أحزاب ضعيفة وغير فاعلة في الشارع السياسي، ولكن هناك أحزابا ترى أن البلاد تمر بظروف عصيبة، وهي لا تملك الوقت الكافي لتأهيل مرشح يخوض معركة الانتخابات، ولذلك اتجهت إلى تأييد الرئيس الحالي، والبعض الآخر يرى أن باب الترشح لم يفتح بعد ومازال أمامنا الوقت، ومن الجائز أن نجد عددا من المرشحين عند بدء المعركة الانتخابية».

انتخابات الأندية

وإلى انتخابات رؤساء وأعضاء مجالس الأندية الرياضية التي قال عنها أمس الأربعاء في «الأهرام» الدكتور عمرو عبد السميع في عموده اليومي «حالة حوار»: «بالطبع كلكم لاحظ هذا الصخب الدعائي غير المسبوق الذي أحاط بانتخابات الأندية المصرية هذه الدورة، بالذات لافتات وبانوهات في الشوارع وكليبات في التلفزيون ومطبوعات انتخابية ملونة فاخرة، فما هو السبب؟ في تقديري إن البواعث وراء تلك الظاهرة تتمثل في اختفاء «السياسة» من البلد فتصاعد ـ فورا ـ الاهتمام العام بانتخابات الأندية الرياضية والتحزب لجبهة فلان وقائمة علان كبديل للتعبير عن الخلاف في الآراء الفكرية والسياسية. اليوم حلت الأندية مكان الأحزاب كأوعية حاضنة للتمايزات في المجتمع، لا بل سادت انتخابات الأندية ظواهر كانت مقصورة على الانتخابات العامة، مثل الإنفاق الباذخ جدا على الدعاية الانتخابية، أو ما كان يُعرف بـ»المال السياسي» فصار هناك ما يُعرف بـ»المال الرياضي» إذا جاز التعبير».

انتخابات الزملكاويين

ليست لمحمد سعد عبد الحفيظ الكاتب في «البديل» علاقة شخصية بالكابتن أحمد سليمان المرشح لرئاسة نادي الزمالك، كما لا تربطه بمنافسه المستشار مرتضى منصور أي علاقة تذكر، وبالتالي فتصويته في انتخابات الزمالك المقررة يومي 23 و24 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، مرتبطة بقناعاته كزمالكوي أولا وعضو في الجمعية العمومية للنادي ثانيا، فضلا عن كونه صحافيا اعتز بانتمائه لهذه المهنة. ويبين رأيه كزمالكوي فحال فريق كرة القدم في العامين الأخيرين لا يشرف أي مشجع ينتمي إلى الزمالك، فالمستوى الذي ظهر عليه الفريق والنتائج المتدهورة دفعتنا كمشجعين لـ»الأبيض» إلى الهروب من جمهور الأهلي في أي محك أو نقاش. هذا التدهور ليس له سبب إلا تدخلات مجلس الإدارة الحالي في كل صغيرة وكبيرة لها علاقة بفريق كرة القدم، بدءا من تغيير الأجهزة الفنية والاستغناء عن لاعبين كبار في أوقات حرجة، وتعليق شماعة الفشل على «تدخل العفاريت والجن». وبناء عليه، فالاختيار هذه المرة سيكون على قاعدة معرفة مجلس الإدارة جيدا لحدود دوره في الإشراف وتطوير فريق الكرة، وهو ما يعني عمليا عدم إعادة انتخاب الإدارة الحالية، التي أحملها كل التدهور الذي أصاب ليس فريق كرة القدم فقط بل باقي الفرق الرياضية في النادي. وكعضو جمعية عمومية
أعرف أن الإدارة الحالية أنجزت في ملف الإنشاءات كما لم تنجز معظم الإدارات التي سبقتها، وأعلم أنها طورت للأعضاء مباني وحدائق النادي، لكن عضو جمعية عمومية كما أنه في حاجة إلى مكان أفضل يحتاج إلى إدارة يستطيع التواصل معها، بدون أن يخشى من رد فعلها، يستطيع أن يناقشها وهو مطمئن إلى أن المناقشة لن تتطور إلى أهانة وسب أمام أولاده وأسرته أو قد تصل إلى قرار إيقاف غير مبرر. لا أريد أن يتحول النادي إلى «عزبة» بحسب تعبير رئيس النادي الحالي.. النادي مؤسسة تجمع الأعضاء والإدارة والعلاقة بينهما منظمة وفق قواعد مبنية على الاحترام المتبادل ومعرفة الحقوق والواجبات، إما أن يتحول رئيس النادي ورجاله إلى أداة لتخويف وإرهاب الأعضاء، فهذا ما لا يقبله كل من يملك ذرة كرامة».

من له حق الفتوى

ومن معركة انتخابات الأندية إلى معركة أخرى تدور بعد أن أرسل كل من شيخ الأزهر والمفتي قائمة بمن اختاروهما للظهور في وسائل الإعلام للفتوى وتسليمها إلى المجلس الأعلى للإعلام، الذي يترأسه مكرم محمد أحمد، الذي قال إن دوره هو إرسال القائمتين إلى وسائل الإعلام، وكذلك القائمة التي سترسلها وزارة الأوقاف وما سيضيفه الأزهر ودار الإفتاء من توسعات ومراقبة مدى التزام وسائل الإعلام بالقوائم وليس له أي دخل باختيار أو منع أي اسم.
ونشرت «اللواء الإسلامي» تحقيقا لمهدي أبو عالية استطلع فيه آراء بعض العلماء فقال الدكتور بكر زكي عوض عميد كلية أصول الدين السابق في جامعة الأزهر: «ما يحدث في السنوات الأخيرة، وما صدر من قوائم مطروحة هو هزل لا جد فيه، وإهدار لقيمة الفتوى وضياع لهيبتها، فنحن نرى أسماء في إحدى القوائم لم يتجاوز عمرها الوظيفي سنة واحدة وعمرها العلمي لم يتجاوز سوى مرحلة الليسانس، وأسماء أخرى لا صلة لها بالتخصص الدقيق للإفتاء، وأعني علم الفقه وأصول الفقه، وبأسماء أخرى تحكمها عصبية وعنصرية في الاختيار، وأسماء أخرى تم استبعادها من خيرة علماء الأمة، ممن تصدوا لسيرة الدعوة سنين عديدة تجاوزت الـ30 عاما واختيار أسماء لم تتجاوز الشهور العشرة. ولست أدري ما هي المعايير التي حكمت الاختيار لهذه الأسماء لأنهم رضع في العلم لم يفطموا بعد، إذا ما استثنينا عالما أو اثنين يشار إلى أحدهما بالبنان حين تولي مسؤولية دار الإفتاء. كل من فكر في هذا الأمر مطالب بالمراجعة لأنه حين يخطئ عالم أي عالم فالتنبية مطلوب، ولكن ليس بمثل هذه القوائم مطلقا، لأنه أيضا حين يخطئ طبيب نقصر الطب على 50 طبيبا، خاصة أن الخطأ وارد ورسولنا صلى الله عليه وسلم قال «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» وهذا لا يعني أن نغلق الأزهر كله». أما الدكتور محمود مزروعة فقال في تحقيق «اللواء الإسلامي»: هذه القوائم مرفوضة شكلا وموضوعا ولا يقبل بها أحد داخليا أو خارجيا. بهذه الكلمات حسم الدكتور مزروعة عميد كلية أصول الدين في جامعة الأزهر الأسبق في شبين الكوم، مؤكدا أن من أعدوا هذه القوائم جهال لا يعرفون شيئا عن الفقه الإسلامي وهم أنفسهم يحتاجون لأن يستفتوا في المبادئ الفقهية. متسائلا كيف يسمحون لأنفسهم اختيار هذا وإقصاء ذاك، وما هي معاييرهم التي حكمت الاختيار والإقصاء؟ دعني أخبرك بقضية خطيرة، يكمل الدكتور مزروعة، برأي الفقهاء وحول فوائد البنوك شيخ الازهر الدكتور أحمد الطيب يحرم هذه الفوائد، فيما أحل شيخ الأزهر السابق الدكتور طنطاوي فوائد البنوك، بل طعن في آراء من يحرمها. ويتساءل مزروعة أي رأي نأخذ به؟».

الاختيار على أساس المنهج

«فشلت دعوات مقاطعة قرار الوزير الخاص بتدريب الأئمة، كما يرى ذلك حسين القاضي في «الوطن»، كما أن فكرة تدريب الأئمة لرفع مستواهم فكرة في حد ذاتها جيدة، ولو كشف المسؤولون في الأوقاف النقاب عن حالات الضعف التي يعاني منها بعض الأئمة لرأينا ما تشيب منه الولدان. لا يمكن لدورة تدريبية مدتها عدة أيام أن تغير من مستوى إمام ضعيف، والدورة لكي تثمر فلابد لها من بضعة شهور، ويكون التدريب فيها وفق منهج منضبط، يجتمع لاختياره خبراء في مجالات الدعوة والشريعة والفكر والتاريخ والإدارة والسياسة والحركات الإسلامية، وقد لا يكون في مقدرة الوزارة ما يسمح بهذا، ولذا يمكنها الاكتفاء بتدريب 500 إمام مثلا، وسيُصبح كل واحد من الـ500 صخرة ينكسر عليها صاحب أي فكر منحرف إخوانيا كان أو سلفيا أو من أتباع دعوات الفلسفات الإلحادية. وقد أعلنت مشيخة الأزهر ودار الإفتاء عن قائمة المفتين وعددهم 51 فردا، وأعلنت الأوقاف عن قائمة مماثلة بـ126 فردا، وثار جدال ما بين مؤيد على أساس أن الفكرة يمكن أن تحد من فوضى الفتاوى الشاذة، ومعارض على أساس أن الاختيار لم يكن وفق قواعد معتبرة، بل جاء عشوائيا، فترك عددا من أصحاب الكفاءات العلمية، وهو ما ردت عليه المشيخة بأن القائمة استرشادية، وليست ملزمة. وبعيدا عن المؤيدين والمعارضين فإنني أرى أن الاختيار يجب أن يكون على أساس المنهج. إن أكثر الفتاوى التي يتعرض لها الناس لا يختلف فيها رأي الإخواني عن الأزهري، إنما المنهج هو الذي يميز كل منهما عن الآخر، إنه التمييز بين شخص التزم المنهج العلمي، لكنه شذ في فتوى معينة (نموذج الدكتور صبرى عبدالرؤوف)، فقد أفتى في مئات المسائل مراعيا المنهج الأزهري، لكنه شذ في إحدى الفتاوى واعتذر عنها، وبين شخص منهجه في الفهم مختل، سواء شذ أم لم يشذ، فالأول عالم وإن وقع في سقطة أو أكثر، ولا يوجد عالم أو شيخ ليس له سقطة! والثاني يجب إبعاده، ليس خوفا من شذوذه في فتوى، بل خوفا من طريقة تفكيره».

معارك وردود

في إطار ملفات كثيرة تواجهها مصر تشح المعلومات بصورة أو بأخرى، بسبب أمرين، يعرضهما لنا محمود خليل في «الوطن»: أولهما غلبة فكرة الدعاية على موضوع الإعلام، وثانيهما عدم الإعلان عن الخطط التي تواجه بها الحكومة بعض المعضلات أو الأزمات الكبرى التي تواجه المصريين. الطريقة التي تمت معالجة موضوع أزمة سد النهضة بها تقدم لنا نموذجا على التعامل الخفيف مع المعلومات، في ملف يحتاج فيه الناس إلى الطمأنة، نظرا لاتصاله بتاريخهم وجغرافيتهم، وارتباطه بحاضرهم ومستقبلهم. هم بحاجة إلى ذلك أيضا لأنه في الوقت الذي تصمت فيه الحكومة عن إحاطة المواطن علما بما يحدث، يتداول الكثير من المصادر الأخرى – وبعضها في حالة عداء مع النظام- الكثير من المعلومات حول هذا الملف الحيوي، تختلط فيها الحقائق بالأباطيل، والواقع بالتوقع، والصواب بالخطأ. عندما وقّعت مصر اتفاق المبادئ الثلاثي مع كل من السودان وإثيوبيا عام 2015 خرج الكثير من نوافذ الإعلام المصري ليعلن أن المشكلة قد تم حلها من جذورها، وأن الاتفاق يضمن ألا تضر إثيوبيا مصر أثناء ملء السد، وتخصم من حصتها التاريخية في مياه النيل. وواقع الحال أن اتفاق المبادئ ينص على التعاون بما يحقق مصالح دول المنبع والمصب، لكنه لا ينص أو يؤكد على حق مصر في الحصول على حصة تاريخية من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب. لم تلتفت نوافذ الإعلام وقتها إلى أن اتفاق المبادئ خطوة من المتوقع أن تتلوها مجموعة من الخطوات، وقدمته وكأنه يقدم حلا حاسما للمسألة الشائكة، وأخذت تهلل وتطنطن كعادتها. والمبالغة في التهليل كثيرا ما تُخفي رغبة في التستر على حقائق غير مطمئنة، وذلك دأب الإعلام المصري منذ نشأة الصحافة على يد محمد علي وحتى الآن، فاستغراقه في التهليل لا يبشر عادة بما يطمئن. لا بأس من أن يقوم الإعلام بأدوار دفاعية أو وظائف تعبوية لخدمة أهداف الدولة والمجتمع، لكن مع الوعي بأن تلك واحدة من وظائفه، وأنه ملتزم بوظائف أخرى عديدة أهمها تقديم المعلومات والمعالجة الموضوعية للأحداث، بصورة تضع كل حدث في حجمه الطبيعي بدون تحديب أو تقعير. الحكومة من ناحيتها كانت شحيحة في تزويد المصريين بالمعلومات التي تضيء وعيهم بأزمة سد النهضة، حتى فاجأت الناس بإعلان توقف المفاوضات. كل التصريحات السابقة، سواء لوزير الموارد المائية أو وزير الخارجية، لم تكن تقول شيئا، كانت تشير فقط إلى الجدل الطويل الذي خاضته مصر مع كل من إثيوبيا والسودان حتى تم الاتفاق على المكتب الاستشاري لإجراء الدراسات الفنية الخاصة بالسد. وفي الأوقات التي كان يحس فيها المتابعون بتعثر المفاوضات، كان المسؤولون عن الملف يؤكدون عدم وجود أي مسار آخر للتعامل مع الأزمة غير مسار التفاوض. أفهم بالطبع أن هناك معلومات لا يجوز أو يصح الإفصاح عنها، لكن ذلك لا يعني بحال عدم تحديد العناوين الأساسية لسيناريوهات التعامل البديل مع هذه الأزمة الوجودية، بدون عرض التفاصيل. كيف يمكن للمواطن أن يفهم أبعاد ما يحدث وهو يواجه بإعلام وتصريحات تدور مرة في فلك الدعاية، وأخرى في فلك الحديث عن المؤامرة على مصر. نعم هناك تآمر علينا، لكن الحكومة لم تُفدنا علما بما أعدته حتى تدفع عنا أذى التآمر والمتآمرين، بل أقامت سدا كبيرا في مواجهة المعلومات».

كبت الحريات

وثاني المعارك كانت في «الأخبار» مع الناقدة والأديبة عبلة الرويني التي أبدت غضبها من كثرة رفع القضايا لكبت حرية الرأي وقالت: «تصاعدت حدة البلاغات والملاحقات القضائية للكتاب والمبدعين، وحتى لاعبي كرة القدم، بصورة تجاوزت العقل والمنطق، وضاعفت الشعور بالاختناق والعبث، وممارسة الحياة بشكل هزلي. في أسبوع واحد فقط، قدّم بعض المحامين (من عشاق الشهرة والأضواء) 5 بلاغات فارغة ومتعسفة إلى النائب العام… بلاغ ضد المطربة شيرين عبد الوهاب بتهمة إهانة النيل! بلاغ ضد الكاتبة فريدة الشوباشي بتهمة إهانة الشيخ الشعراوي! بلاغ ضد المطربة شيماء بتهمة هدم قيم المجتمع في أغانيها! بلاغ ضد الممثل أحمد فاروق الفيشاوي والمخرج عمرو سلامة، بتهمة ازدراء الأديان في فيلم «الشيخ جاكسون»! بلاغ ضد المديرالفني للمنتخب حسام البدري، بتهمة وضع اللاعب عماد متعب على دكة الاحتياطي! منتهي الخلل والجنون بالفعل.. فلا توجد قضية واضحة المعالم، ولا تهمة يمكن الإمساك بها، ولا ضرر مباشر أو حتى غير مباشر، يلحق بصاحب البلاغ.. ولعل أسوأ ما في هذا المشهد العبثي، هو استخدام القانون والتهديد بالدعاوى القضائية، بصورة تشكل إرهابا وتعسفا وعنفا ضد المبدعين، وتؤسس لشرعية الاضطهاد والظلم وخنق الحريات.. وتهدد قدرة المجتمع على التغيير، بتعطيل طاقته الإبداعية وإرهابها. ولعل السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: كيف يتم قبول مثل هذة الدعاوى؟ ما هي الشروط والضوابط القانونية، الحاكمة لفوضى الدعاوى وتقديم البلاغات؟ ولماذا لا نسمع عن حفظ البلاغات أو ردها؟ هل هناك عقوبات خاصة بمن يتقدم ببلاغات كاذبة أو مسيئة؟ كيف يمكن الحد من ذلك الإرهاب باسم القانون؟ لماذا لا تتم مراجعة القوانين سيئة السمعة (العيب، ازدراء الأديان، خدش الحياء، الإهانة) التي تسمح بجرجرة الناس جميعا إلى المحاكم، بدون قضية حقيقية».

ظواهر مرضية

وفي «الأهرام» قال فاروق جويدة في خط معاكس لعبلة: «في يوم من الأيام كان الطريق إلى الشهرة هو الفن الراقي والفكر الواعي والحوار المترفع، ومن يشاهد أو يقرأ الآن ما يحدث في الشارع المصري يصاب بحالة من الغثيان شباب يقدم ألوانا من الرقص على كلمات ساقطة ورقصات مجنونة وموسيقى صاخبة، ويطلقون على ذلك فن الشوارع، وفتاة تدخل السجن بسبب أغنية عارية، وتقول رأيت أن ذلك أسرع طريق للشهرة، ومساجلات بين أقلام وصلت إلى أحط درجات الإسفاف لغة وحديثا وبذاءة، ولم تترك شيئا إلا وأساءت له، ابتداء بالأديان وانتهاء بالرموز هذه الثلاثية الفن الساقط والعري للشهرة ومساجلات أقلام وأفكار مشوهة، هذا التردي يبحث عن أسباب، رغم أن هناك مئات القضايا المهمة والجادة، بل والمصيرية لا تجد من يهتم بها. هناك فرق موسيقية تغني الآن في كل مكان وعلى الشاشات وتبحث عن أسباب هذه الظاهرة المرضية، ولا تجد سببا غير إنها موجة من الفساد اقتحمت جيلا كاملا من الشباب.
كليب عار ينتشر كالنيران في مواقع التواصل الاجتماعي والفيسبوك والنت ولا تعرف كيف تسلل كالوباء بين الناس ولم تكن المرة الأولى، ولكن التسيب وغياب الحسم وانعدام الجدية جعل من السهل تكرار هذه الجرائم، وبدلا من أن تتصدى مواكب أصحاب الأقلام والأفكار لهذه الظواهر المرضية، تجد معارك طاحنة واتهامات وبذاءات وشتائم تجتاح الشاشات والصفحات، وتسأل وأين نحن من كل القضايا التي نواجهها في وطننا أو يواجهها العالم العربي حولنا، وهى في كل المقاييس تهدد وجودنا. هناك معارك مازالت دامية مع الإرهاب، وهناك أزمات اقتصادية نحاول التصدى لها، وهناك أزمة سد النهضة وما يجري فيه.
وهناك مخاطر تهددنا شرقا وغربا وجنوبا. وهناك أكثر من مئة مليون مصري لهم مطالبهم الاقتصادية وعليهم أعباء وديون، وملايين الشباب يبحثون عن عمل، وبعد ذلك تجد من يطلق النار على عقائد الناس ويشوه رموزهم، وتحاول أن تبحث عن تلك الأيدي الخبيثة التي تدير كل هذه المعارك، بينما هناك وطن كبير حولنا تجري مؤامرة ضخمة لتوزيع الغنائم فيه وتقسيمه للطامعين حولنا يحدث كل هذا ونحن غافلون».

البعد الأخلاقي

وفي اليوم السابع اجتهد محمد سمير في تقديم تفسير لما اعتبره انهيارا في المجتمع بقوله تحت عنوان «أم الازمات»: «إذا سألت أي مواطن على أرضنا الطيبة عن الأزمة الحقيقية التي تعاني منها بلادنا الآن، من وجهة نظره، سيجيبك على الفور بأنها الأزمة الاقتصادية، فإذا دققنا في حقيقة الأمر أجد من وجهة نظري المتواضعة أن الأزمة الحقيقية التي نعاني منها منذ وقت طويل التي أعتبرها أم الأزمات، والسبب الرئيسي في جميع مشاكلنا ليست الأزمة الاقتصادية على الإطلاق، فعندما يصرح السيد وزير النقل أن 50 مليون مواطن يتهربون من دفع ثمن تذاكر القطارات في العام الواحد، وأنه تمت سرقة قضبان خط بضائع سفاجا – قنا – أبو طرطور بطول 450 كيلومترا أثناء تداعيات ثورة يناير/كانون الثاني، بالإضافة إلى سرقة قضبان خط سكة حديد بئر العبد، فبالتأكيد أزمتنا الكبرى هنا كما ترى هي أزمة أخلاقية في المقام الأول، فغياب الضمير واستحلال نهب المال العام والغش والتدليس والتهرب من أداء حق الدولة، إلى آخر مظاهر هذه القائمة الطويلة من الممارسات اللاأخلاقية التي أصبحت تحاصرنا من كل جانب هي السبب الرئيسي في كل ما نعانيه من أزمات. لقد ناشدت الدولة من قبل في عدة مقالات وها أنا أناشدها مجددا لأهمية الانتباه إلى التراجع السلوكي والأخلاقي الحادث في المجتمع ووجوب التعامل مع هذا الأمر بالجدية الواجبة من خلال خطة واعية وشاملة، لأن البعد الأخلاقي هو حجر الأساس في أي بناء يرتجى لصالح المجتمع ألا هل بلغت اللهم فاشهد».

الترويج للتطبيع

أصبح مسلسلا يوميا ما تنشره الصحافة «الإسرائيلية» من أخبار عن علاقات سرية وتطبيع غير معلن بين دول عربية، خاصة خليجية و»إسرائيل»، وأحيانا تتعمد، كما يرى ذلك جمال سلطان في «المصريون»، بعض الأخبار ذكر اسم هذه الدولة أو تلك، وأن التنسيق جار بين الحكومتين، أو أن وجهات النظر متطابقة تجاه ملفات المنطقة، وكلام متنوع على هذه النغمة، وكثرت هذه الأخبار بشكل لافت ومثير للدهشة في الصحافة الإسرائيلية، حتى أصبح السؤال الضروري : لماذا تسارع الصحافة الإسرائيلية إلى نشر هذه النوعية من الأخبار وبكل كثافة، رغم معرفتها بأنها ـ لو كانت صحيحة ـ تضر فكرة التطبيع ذاتها، وتحرج تلك الدول المشار إليها، وتجعلها أكثر ترددا لو كانت تنوي ذلك، كما أن الصحافة الإسرائيلية تعرف بشكل جيد جدا أن هذه النوعية من الأخبار مهينة سياسيا للدولة التي تنسب لها، ومحرجة لقياداتها وشعبها، وتعتبر من باب تلويث السمعة، فإذا كانت هناك جهود بالفعل للتطبيع، فلماذا تفعل الصحافة الإسرائيلية بهم كل ذلك، بدلا من تشجيعهم عليها. الأكثر غرابة أنه أصبح واضحا وجود «مزاج» عربي شعبوي متلهف على هذه النوعية من الأخبار ويسعد بها، وينفخ فيها، ويتلمس دقائقها، ويوزعها على أوسع نطاق فرحا بها ومنتشيا، تشعر بأن هناك حالة من الابتهاج بتأكيد أن هذه الدولة، أو تلك تطبع مع الصهاينة، شيء مذهل، وهو طبعا من باب الشماتة أو الكراهية، ولكن في المحصلة بعد أن كان محزنا أن نسمع شيئا من ذلك أصبحنا ـ بدافع النكاية والشماتة ـ نتمناه ونسعد بأخباره ولو كانت مزيفة، ولربما كان يوم سعد أحدهم لو تحقق الخبر فعلا وطبعت هذه الدولة أو تلك رسميا مع الكيان. وواضح أن الصحافة الإسرائيلية فهمت هذه اللعبة جيدا، وأصبحت تتلاعب بعقول العرب يوميا في هذه المسائل، وقد استوعبت أبعاد الصدع في العلاقات العربية، والخلافات الخليجية تحديدا، وأن هناك من يستخدم تلك التسريبات المجهولة، التي لم تؤكدها على الإطلاق أي جهة محايدة، للنكاية بخصمه، وكله يخدم ترويج الدعايات الصهيونية بدون شك، إعلاميا ونفسيا، بحيث يتسرب يوميا إلى مشاعر العرب بأن التطبيع حادث لا محالة وأنه يحدث من وراء ظهر الجميع وأنه لا داعي للمقاومة أو الصمود كما لا داعي لتعليق الأمر على حقوق الشعب الفلسطيني ومع الأسف يقوم بعض «المتحمسين» العرب بالمساهمة في ترويج هذه الرسالة المحبطة وترسيخها بدون وعي.
الإيجابية الوحيدة في تلك اللعبة التي أصبح الإعلام الإسرائيلي يحترفها هذه الأيام وبكثافة واضحة، أن الصهاينة ما زالوا يدركون أن «التطبيع» تهمة وسبة، إذا ألصقت بأحد شانته وأساءت إليه، فردا كان أو حزبا أو دولة، وعلى الرغم من أن التطبيع «الرسمي» بين مصر وإسرائيل يتجاوز عمره الآن أربعين عاما، إلا أن الوجدان والوعي الشعبي العربي من المحيط إلى الخليج يتعامل معه كتهمة وعار، يهرب منها ويتبرأ منها، ولعل هذا أكثر ما يؤلم الإعلام الإسرائيلي، رغم الحال البائس الذي عليه العرب هذه الأيام».

الغموض يسيطر على موقف الأحزاب السياسية من الانتخابات المقبلة وقوائم المفتين إهدار لقيمة الفتوى وضياع لهيبتها

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية