القاهرة ـ «القدس العربي»: في صحف أمس زاحمت إعلانات الشركات العقارية عن الفيلات والشقق والشاليهات، بمناسبة معرض سكيب، صفحات تغطية الانتخابات والإشادة ببدء تدفق الشباب للإدلاء بأصواتهم في اليوم الثاني للانتخابات. هذا مع استمرار ظاهرة حشود النساء والفتيات وكبار السن واصطحاب الأطفال إلى اللجان والتلويح بالأعلام والغناء والرقص على الطبل والمزمار من رجال ونساء وإذاعة الأغاني الوطنية من الميكروفونات. ولا يزال نشيد الصاعقة «بيقولوا ايه علينا دولا» الأكثر تأثيرا في النفوس. وبالإضافة إلى ظاهرة المشاركة الواسعة من أهالي شمال سيناء معقل الإرهابيين فإن ظاهرة أخرى مشابهة في كرداسة في محافظة الجيزة، وهي من معاقل الإخوان وحدث فيها هجوم عنيف على قسم شرطة وضربه بالار بي جي وقتل وتعذيب من كانوا فيه من ضباط وجنود وإلقاء جثثهم في سيارة نقل مما دفع الجيش إلى حصار القرية ومعه الشرطة ولم يفكه عن الأهالي إلا بعد أن توصل لقتل عدد من المطلوبين والقبض على آخرين ومطاردة من هرب.
وقالت «الوطن» في تحقيق موسع لها عن التصويت في المحافظات: أكد المستشار عماد الدين إبراهيم رئيس إحدى اللجان الانتخابية في دائرة كرداسة أن الإقبال في اليوم الثاني للانتخابات لم يقل عن اليوم الأول له، موضحاً أن معدلات التصويت حتى الآن أفضل من الانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 2012 بين الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي والفريق أحمد شفيق. وأضاف إبراهيم أن نسبة الإقبال كثيفة في كرداسة بالنسبة لطبيعة المنطقة التي كانت في الماضي معقلاً لعناصر جماعة الإخوان الإرهابية، وأن العملية الانتخابية تسير بشكل جيد للغاية.
وأخبرتنا الرسامة سحر في «الأهالي» بأنها شاهدت أحد جيرانها من البؤساء يقول لزوجته: «مش هغيب با نوال هعدي على طابور العيش وبعدين طابور أنابيب البوتاجاز وبعدين طابور الانتخابات».
أما المقالات فكانت عن الانتخابات. ولوحظ أن عددا كبيرا من عناوينها كان عبارة لمصر لا لعبد الفتاح السيسي ومن استخدموها لا أعرف إنْ كانوا نقلوها أم لا من عنوان كتاب صدر منذ أكثر من خمسة وثلاثين عام بعنوان «لمصر لا لعبد الناصر» وهو حوارات مع الراحل محمد حسنين هيكل أجراها معه الصحافي اللبناني فؤاد مطر. أما المقالات التي نافست في عددها مقالات الانتخابات فكانت عن ظاهرة رقص الرجال والنساء.
وإلى ما عندنا…
بكل بساطة وعفوية
ونبدأ بأبرز ردود الأفعال على انتخابات الرئاسة وأولها لعصام السباعي في «الأخبار» وقوله في بروازه اليومي «بوكس»: بكل بساطة وعفوية عبر الناس عن معاني المشاركة في الانتخابات الرئاسية وصاغوا حكمة شعبية جديدة في قاموس أمثالنا الشعبية تقول: «لو صباعك مش بمبي متقعدش جنبي»، يسعد أيامك يا أجمل وأرقى شعب، وبكرة أحلى بإذن الله.
ومن بوكس إلى «لله والوطن» وهو عنوان عمود مجدي سرحان في «الوفد» وقوله:
كل هذاوغيره من الأشياء «غير العادية» لم نعد نراها الآن لذلك نقول إنه: «لا شيء غير عادى يجري في هذه الانتخابات الرئاسية»، وأيضا التي قبلها كل شيء كان عاديا جدا وكل من ذهب رأى ذلك إلا من رحم ربك وربي من أصوات شاذة وحاقدة وكارهة ترفض كل شيء وتشكك في كل شيء ولن ترضى عن أي شي، وهذا أيضا «عادي جدا». أما الأقنعة التي سقطت فحدث عنها ولا حرج، سقط قناع «شعبية الإخوان» وتأثيرهم النافذ بين الجماهير الذين دعوهم للمقاطعة فخذلوهم. سقط قناع «الحنجورية الثورجية» الذين راهنوا على المتاجرة بمشاعر الموجوعين من إجراءات الإصلاح الاقتصادي ليهزوا ثقتهم في الدولة فخسروا الرهان. سقط قناع عزوف الشباب عن المشاركة ورأينا التواجد الكثيف لهم في طوابير الناخبين في اللجان الأكثر كثافة. وسقط قناع «كتائب السوشيال ميديا وفضائيات الفتنة» القادرة على توجيه وتحريك الجماهير. وسقط قناع القوى المدنية والأحزاب السياسية التي انكشف عجزها عن المشاركة والحشد والتحرك المؤسسي الفعال والمؤثر في نتائج الانتخابات. وأخيرا سقط قناع التطرف والإرهاب وفشلت عصاباته برسائل تهديدها وبتفجيراتها واغتيالاتها في منع الشعب الذي يرفضهم ويكرههم من تحمل مسؤوليته السياسية فتحداهم المصريون وقهروهم وانتصروا للوطن.
لكن يونس درويش كتب في «الشروق» أن عاصفة ترابية تسببت بغلق طريق أسيوط – القاهرة الصحراوي الغربي، وتوقف التصويت في بعض اللجان في القرى والمدن، حيث أدت الرياح العاصفة إلى منع خروج المواطنين من منازلهم للإدلاء بأصواتهم في الساعات الأخيرة من انتخابات الرئاسة في اليوم الثالث والأخير. وأعلنت أجهزة المحافظة حالة الطوارئ تحسبا لوقوع أي كوارث مثل حوادث الطرق أو انقطاع التيار الكهربائي. وقالت مصادر في محافظة أسيوط أن غرفة العمليات المركزية في المحافظة تلقت إخطارات تفيد بتعطل بعض اللجان وإغلاقها نتيجة العاصفة الترابية وخاصة في القرى القريبة من الجبل الغربي مثل مراكز ديروط والقوصية ومنفلوط ومركز أسيوط وأبو تيج والغنايم.
لا بديل عن الخبراء
وفي «الأهالي»، لسان حال حزب التجمع، طالب منصور عبد الغني الرئيس السيسي بعد اعلان فوزه بما يلي: ويقيــــني أن هذه الحشود الحاضرة تستحق وتنتــــظر حكومة جديــــدة من الخبراء الأكفاء ممن لهم سابقة إنجاز في مجالاتهم يمتلكون حلولا للتعامل مع الوضع الاقتصادي. نعم نحن في حاجة إلى هؤلاء المتحققين الناجحين من أصحاب الرأي والرؤية، القادرين على إظهار الضوء من آخر الطريق.
محترفو الهبوط بالباراشوت وسارقو المصطلحات من النت دون معرفة معناها والمنسحقون من أجل المنصب وأصحاب الأيادي المرتعشة الذين لم يوقعوا على ورقة طوال عامين وعديمو التخصص وصنايعية البرزنيتيشن هؤلاء يجب تنحيتهم خلال الفترة المقبلة حتى يكون الانطلاق لائقا بملايين المصريين الذين احتشدوا للدفاع عن الدولة رغم المعاناة المعيشية.
نظرية «اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش» والتي تطبقها الأجهزة الرقابية لم تعد صالحة والفترة المقبلة تحتاج إلى مزيد من الجهد لتحقيق طموحات الجماهير وآمال الرئيس ولا بديل عن الخبراء ثم الخبراء ثم الخبراء، ولا يحتاج الأمر سوى النظر والبحث خارج الدائرة الجهنمية التي يحترف الظهور فيها والتعامل معها الموظفون وعديمو الكفاءة والخبرة.
حكومة أكثر شبابا
أما شريف عابدين في «الأهرام» فحدد مطالبه من الرئيس في الآتي: مطلوب من الرئيس أن تعززه حكومة أكثر شبابا وانطلاقا وقدرة على ترجمة أفكاره بشكل أكثر سرعة وإلهاما واقترابا حقيقيا من نبض الشارع لتعزيز حالة الاطمئنان بأن أفكار الرئيس وتخطيط السلطة التنفيذية ينصهران في بوتقة تصب بشكل شديد التوافق في مصلحة المواطن «حتى ولو كان ينظر أسفل قدميه يبغي مصلحة آنية»، فهذا لا يعيب المواطن في شيء. ننتظر من الرئيس إعلانا نهائيا بزوال الإرهاب الأسود من سيناء وتسريع عجلة التنمية في شطرها الشمالي على وجه الخصوص خاصة مع استكمال مشروعات الأنفاق والطرق في المنطقة والتي يتوقع أن تمثل مع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الجديدة ثالوث الجذب العالمي الأهم للاستثمار في مصر بما يتوقع معه تغيير جذري لوجه الحياة في البلاد. نترقب من الرئيس المزيد من مشروعات القوانين الخاصة بحماية محدودي الدخل ومعهم شريحة كبيرة من الطبقة المتوسطة التي تأثرت بشدة بعجلة الإصلاح الاقتصادي. وقد قطع السيسي شوطا كبيرا في ولايته الأولى في هذا الاتجاه عبر تشريعات حمائية منها قانون التأمين الصحي والغوص بقوة في ملف العشوائيات.
الرقص والطبل والمزمار
وإلى ردود الأفعال المهاجمة للإخوان المسلمين وعدد من النشطاء والرافضين للنظام بسبب سخريتهم من المصريين نساء ورجالا الذين كانوا يرقصون أمام اللجان ويدقون الطبول وينفخون في المزمار ويلوحون بالأعلام فقام إبراهيم حجازي في برنامجه «دائرة الضوء» الذي يبثه التلفزيون المصري بالرد على المهاجمين فقال لهم: «إذا كان هذا يغيظكم فسنذيعها باستمرار، وأن هذه ظاهرة لا غبار عليها ومن حق رجال وشباب ونساء الإخوان أن يرقصوا كما رقصوا بعد فوز الدكتور محمد مرسي». وأورد مقاطع لشاب ومجموعة من السيدات والفتيات يرقصن ويصفقن ويغنين وتساءل: «هو حلال ليكم وحرام على غيركم».
كما قال محمد أمين في «المصري اليوم»: كانت هناك مخاوف من عدم خروج الجماهير سواء لأن المعركة محسومة لأنها بلا منافسة أو لأن الدعاية السوداء أجهزت عليها ورأينا الجمـــاهير تخرج وتغني وترقص وتقدم لمسة مصرية للانتخابات الرئاسية ودعك ممن يتحدثون عن الغناء والرقص كأنه سُبة. الإخوان أيضا كانوا يرقصون وكان الرقص حلالا ولكنه يصبح حراما عندما يكون للسيسي فقط.
وفي العدد نفسه قال حمدي رزق: مجرور الصرف الصحي الذي يغرق الصفحات والحوائط الإلكترونية على خلفية تصويت المصريين راقصين أمام اللجان من فعل أغوات كاشفي الوجوه، جلودهم سميكة ورقابهم غليظة، عراة لا يخجلون من أنفسهم ولا يتدارون من الخجل اللي اختشوا ماتوا لكنهم لا يختشون اختشى على دمك يا عديم الإحساس، فعلا الإحساس نعمة والبعيد أعمى ولو كان بصيرا.الشاذ الآن أن تجرى إهانة الشعب على ألسنة الشواذ ممن يتحدثون زيفا باسم الشباب الغاضب.
كل انتخابات يصدرون لنا إحساس الغضب والقرف والذي منه من مفردات سكها عاصرو الليمون بعد «خيانة فيرمونت»، وللأسف يتبعهم الغاوون ويطاوعهم نفر موتور طالت واستطالت ألسنتهم على الشعب المحترم لأنه أنِفَ عمالتهم.
وفي «الأهرام» قال هاني عسل: هل شاهدتم الطبل والزمر والرقص أمام اللجان؟ هل تعرفون معنى ذلك؟ اسألوا «عملاءكم» في مصر أن يشرحوا لكم كيف أن هذه مجرد «تحابيش» مصرية خالصة نلجأ إليها في الفولكلور الشعبي لـ«كيد الأعادي» فقط لنرد على استفزازاتكم ولكي تعرفوا قدركم.
تصويت احتفالي
ومنه إلى السيد البابلي في «الجمهورية» وقوله: في كل لجنة انتخابية في مصر يوجد احتفال من نوع خاص، فهناك احتفالات بالأغاني والرقص، وهناك احتفالات بتزايد حركة البيع والشراء أمام اللجان، وهناك احتفالات بروح الود والابتسامة التي تسود اللجان والعلاقة الجديدة «الحلوة» بين الشرطة والشعب. أمام اللجان شعب مصر له طبيعته الخاصة فهو محب للحياة، مقبل عليها، باحث عن السعادة حتى في أصعب الأوقات وفي كل المحن والأزمات التي مر بها وهو يذهب للتصويت في احتفالية ويتفاعل مع الأغاني الوطنية والحماسية ليقف مصفقا أو هاتفا معبرا عن سعادته بأنه جزء من صناعة تاريخ مصر وبأنه يشارك في قرارها وفي صورتها أمام العالم وفي أنه أتى أيضا مساندا لأمنها واستقرارها بالمساهمة في الانتخابات.
ومن «الجمهورية» إلى «الوطن» وقول الدكتور محمود خليل: مثّل الشباب الأبطال الرئيسيين في كل مشاهد الرقص بعضهم كان يرتدي تي شيرتات موحّدة الشكل واللون وينخرطون في رقصة جماعية منتظمة الحركات وكأنهم قد دُربوا عليها، وبعضهم الآخر لم يكن كذلك بل ارتدى ما شاء ونزل ورقص كما حلا له وتنافس مع غيره فى جذب الانتباه إليه.
من الشواهد الأخرى في فيديوهات الرقص أن أغلب مَن شارك فيها كان من البنات وانضمت إليهن في أحوال بعض السيدات. كانت هناك حالة من البهجة أو الرغبة في الابتهاج دفعت مَن شارك في هذه الفيديوهات إلى الرقص حتى التعب مرة على أغانٍ وطنية مسجلة وأخرى على إيقاع «الصقفة» أو الإنشاد الحي. وسائل الإعلام كانت حريصة كل الحرص على نقل هذه المشاهد لتسلّط الضوء على هذا النوع الجديد من التصويت الذي اخترعه المصريون، ووصفه البعض بـ«التصويت الاحتفالي». الشباب كانوا أبطال المشهد الذي نقلته الفيديوهات لتصوير الحالة خارج اللجان أما داخل اللجان فقد اختلف الأمر.
وفي «الدستور» قال عبد الشافي أشرف تحت عنوان «الشعب الراقص»: كل ما تراه أمام لجان الانتخابات وعلى الشاشات والمواقع هو رقص وفرح وغناء حقيقي بالصوت والصورة والألوان. رقص لبهجة تتجدد كلما خلعنا جذرا إرهابيا متعفنا في أرضنا. وبقدر غيظك منه سنضاعفه ذلك لأننا شعب نعشق الرقص والفرح والغناء ولن نغضب إن وصَفنا إرهابي حقير مثلك بالشعب الراقص. وكلما جاءت الفرصة وحان الوقت سنرقص حتى يخرج الدم من نافوخك غيظا وكمدا وكيدا.
أجدادنا المصريون الذين تعتبرهم أصناما من حجارة علمونا الرقص وحب الحياة ما استطعنا إليهما سبيلا، رسموا حياتهم على الجدران ونحتوا أشكالا للعزف والموسيقى والغناء والرقص في أفراح القرى والأفراح الصغيرة والفنادق الكبيرة في احتفاليات الحصاد والنجاح وزفة الحج وزيارة أولياء الله الصالحين ونجاح العمليات الجراحية. يغيظك رقصنا الآن وقد عشنا عاما كاملا نلطم الخدود ونشق الجيوب كفرا بكم وبمن جاء بكم كي تحكموا بلادنا بجلابيب قصيرة وذقون طويلة وجهل في الأرض وفي البحر والسماء.
معارك وردود
وإلى المعارك والردود وأولها لخالد منتصر وكان مقاله اليومي في جريدة «الوطن» بعنوان «نحاربهم لأنهم خارج القانون وليس لأنهم خوارج الدين» قال فيه منتقدا الرئيس السيسي لأنه يستخدم الدين لمحاربة الإرهاب وكذلك استخدامه كلمة خوارج وقال: فاستخدام المصطلحات الدينية في معركتنا ضد الإرهاب هو اختزال لمعركة كبيرة لها أبعاد متعددة ومتشعبة. نحن لا نحاربهم لأنهم خوارج بالمعنى الديني ولكننا نحاربهم مثلما تحارب أي دولة مدنية في العالم الخارجين عن القانون.
هم خارجون عن النظام والقانون والاتفاق الاجتماعي وشكل الدولة المدنية الحديثة، هم يعتبروننا خوارج عن الدين أيضا يقتلوننا ويفجروننا ويذبحوننا وهم مقتنعون تمام الاقتناع بأننا كفار خارجون عن الدين انحرفنا عن الصراط الديني المستقيم. الخوارج عندما ذبحوا صحابيا وبقروا بطن زوجته الحامل وفرحوا بأن الدم غمر شاطئ النهر كانوا من وجهة نظرهم يطبقون صحيح الدين وكانوا يفصلون في مدى إيمان هذا الصحابي من درجة حسم وتأكيد تكفيره لكبار الصحابة وأمراء المؤمنين هؤلاء الأتقياء الأنقياء المصلون الذين صارت جلودهم مثل جلود الإبل من فرط السجود كانوا قبل هذا الذبح يحسون بتأنيب الضمير وبارتكابهم للكبيرة والخطيئة لأنهم أخذوا ثمرة من حديقة لا يملكونها، يبحثون عن رد تلك الثمرة ولا يبحثون عن ذنب تلك الجثث النازفة على الشط. السجال الديني الديني من خلال النصوص يضيع ويميع القضية، يجعلها تفقد جوهرها الفكري. وتلك أمور غير قابلة للقياس والمقارنة والمعيارية الصارمة وتلبس هؤلاء الإرهابيين أقنعة تجعل البعض متعاطفا مع شدة إيمانهم وورعهم أو على الأقل يصفهم بأنهم مجرد ناس فاهمة الدين غلط. الإرهابي ليس عدو دين فقط إنما هو قبل ذلك عدو إنسانية، عدو حياة، عدو تقدم، عدو تحضر وتلك هي معركتنا الحقيقية، معركة من أجل تلك القيم قيم الإنسانية والحياة والتحضر، تلك المعاني الشاملة لكل الكرة الأرضية من كل الملل والأديان لذلك أرجو تخفيض نبرة استخدام المصطلحات ذات الخلفية الدينية في معركتنا مع من يدعون احتكار الله وتأميم الدين. الله أكبر وأقدس من أن يُستخدم سياسيا، لا نريد أن تهبط السماء لخوض معركة الأرض. الرئيس السيسي لم يبادر بمعركته ضد الإخوان ومعه الشعب المصري المحب لله، العاشق لآل البيت، لم ينزل 30 يونيو/حزيران ضد الخوارج ولوجه الله لم تكن تلك المصطلحات في الذاكرة الجمعية وقتها ولكنه نزل ضد المرشد والإسلام السياسي والعصابة التي قتلت الروح وصادرت العقل وكانت خلفيته في المظاهرات أغنية «يا حبيبتي يا مصر» وليست أدعية الشيخ محمد جبريل. لذلك نريد الحفاظ على تلك الذاكرة الجمعية المحبة للحياة المتمسكة بالمواطنة ومدنية الدولة والتي هي أهم مكاسب تلك الثورة التي انتصرنا فيها على أعداء الحياة.
هجوم غير مبرر
وفي حقيقة الأمر لا أجد مبررا لهجوم منتصر لأن استخدام القادة والأنظمة والمنظمات في عالمنا العربي للدين لمهاجمة خصومهم وتأليف الناس عليهم شائع. استخدمه الملك فاروق قبل ثورة يوليو/تموز سنة 1952 عند تنصيبه رسميا ملكا على البلاد عام 1937 بأن اقترح شيخ الأزهر وقتها الشيخ مصطفي المراغي أن يكون حفل التنصيب في الأزهر بعد أن وصل للسن القانونية ولم تعد هناك حاجة لمجلس الوصاية لأنه عند وفاة أبيه الملك فؤاد لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة لكن الزعيم مصطفى النحاس باشا، وكان زعيما لحزب الوفد ورئيسا للوزراء، رفض الاقتراح بشدة وقال إن ذلك سيضفي على الملك قداسة دينية، وأصر على ان يكون حفل التنصيب أمام البرلمان. والمعروف أن كلمة البرلمان وقتها تعني مجلس النواب والشيوخ معا.
وقبله حاول أبيه الترويج لفكرة أن يكون خليفة المسلمين بعد أن ألغى مصطفى كمال أتاتورك في تركيا نظام الخلافة لكن الشيخ علي عبد الرازق أصدر كتابه «الإسلام وأصول الحكم» سنة 1907 ونفى فيه بالأدلة عدم وجود نظام ثابت لها في الإسلام وكانت النتيجة محاكمته، وقام الأزهـــر بسحب شهادته العالمية منه. وجماعة الإخوان المسلمين كفرت، لأسباب سياسية، الرئيس عبد الناصر ونظامه، كما أن أعداء الاشتراكيــــة من غـــير الإخوان اتهموه بالتهمة ذاتها نتيجة قرارات التأميم واسعة النطاق التي أصدرها عام 1961 ورد عليهم بالتأكيد على أن الإسلام دين العدالة الاجتماعية وإزلة الفوارق بين الطبقات وتهكم على مهاجميه قائلا في إحدى خطبه عن بعض المشايخ الذين افتوا بكفر التأميمات والاشتراكية «الواحد من دول يروح عند الإقطاعي ويخبط (الرومي) ويصدر الفتوى».
وفي خطبة أخرى قال: «هما الفقرا ليهم الجنة في الآخرة بس ومالهومش حق في الدنيا». والرئيس السادات نفسه أتهم عبد الناصر بطريق غير مباشر بالكفر عندما قال إنه يبني دولة العلم والإيمان، وأضاف: أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة. أما الرئيس حسني مبارك فلم يتعرض لهذه الأزمة أو يدخل طرفا فيها بينما الرئيس السيسي يواجهها من الإخوان أو الجماعات الإرهابية وبالتالي لابد أن يرد عليها بالإضافة إلى ردود الأوقاف والأزهر ودار الإفتاء.
شعب له قانونه الخاص
وفي «الوطن» أبدى عماد الدين أديب تعجبه من تركيبة الشعب المصري وردود أفعاله غير المتوقعة وقال تحت عنوان «كتالوج المصريين»: هناك قانون خاص للفعل وردّ الفعل لدى الشعب المصري في التعامل مع شؤون السياسة. بالتأكيد هناك قواعد عامة في علم السياسة يمكن الاسترشاد بها عند تحليل أي مجتمع في هذا العالم ولكن هناك – بالفعل – خصوصية لدى هذا الشعب ويُخطئ مَن في النخبة ومَن في أجهزة الاستخبارات العالمية التي تحاول رصد التفاعلات في مصر حينما يعتقدون أنهم فهموا حقيقة قانون الفعل السياسي ورد الفعل لدى المصريين. المصريون شعب مذهل لا يمكن أن تُطبّق عليه قواعد الفعل السياسي المتعارف عليها في كل زمان ومكان. على مر التاريخ كان المصري رافضا لأي ضغط من الخارج سواء كان من الهكسوس أو التتار أو الأتراك أو الإنجليز أو الإسرائيليين أو الفرنسيين أو الأمريكان. على مر التاريخ كان المصرى يرفض دور الميليشيات ضد دور جيش البلاد الوطني. على مر التاريخ رفض الجيش الانقسام أو أن يلعب دور القوى المستأجرة لقوى في الداخل أو في الخارج. على مر التاريخ كانت قراءة الضمير العام للمواطنين لحقيقة الحكم والحاكم صحيحة. وقف هذا الشعب مع الملك فاروق ضد الإنكليز ووقف مع الجيش ضد الملك ووقف مع عبدالناصر ضد العدوان الثلاثي ورفض الناس استقالة عبدالناصر ولكن تظاهروا ضد أحكام الطيران. تظاهر الطلاب ضد أنور السادات لأنهم اعتقدوا أنه لن يحارب ودعموه حينما انتصر فى أكتوبر/تشرين الأول وعارضوه في مظاهرات الأسعار في كانون الثاني/ يناير 1977 وساندوه عند زيارته القدس. هذا الشعب هو الذي عزل رئيسين في أقل من 3 سنوات ودعم ثورتين شعبيتين. هذا الشعب لديه قدرة على تصحيح مسار حكامه وأيضا تصحيح مسار قراراته ورهاناته كشعب.إنه شعب مذهل يتحرك وفق قانونه الخاص ولديه قرون الاستشعار الحساسة الخاصة به. شعب مصر شعب له كتالوج خاص به كتبه على مدار 7 آلاف سنة بحكمة وصبر ومعاناة ودماء ودموع.
إنجازات مصرية
وهناك مظاهر وأحداث لم تتسع المساحة أمام عماد ليذكرها أكثر وقعا على تفردنا نحن المصريين ويقف غيرنا مندهشا منها أن هذا الشعب الفقير المحتلة أراضيه قلب الدنيا رأسا على عقب بعد ثورة 23 يوليو/تموز سنة 1952 وأنهى وجود أمبراطوريتين هما البريطانية والفرنسية ليس في العالم العربي فقط وإنما في قارة أفريقيا، وبنى أعظم مشروع هندسي في القرن العشرين وهو السد العالي وتعرض إلى هزيمة عسكرية لا نظير لها في حزيران/يونيو 1967 واحتلت إسرائيل أراضيه ودمرت طائرات ودبابات جيشه بأسرع من البرق. وعاد هذا الجيش المهزوم إلى شن حرب استنزاف ضد إسرئيل ثم عبور أقوى مانع مائي في العالم وتحطيم أعظم خط دفاعي مرتفع على ضفة القناة أقوى من خط سيجفريد في فرنسا في الحرب العالمية الاولى وماجينو في فرنسا أيضا في الحرب العالمية الثانية. ونحن شعب نقبل من غيرنا عادات وتقاليد تعجبنا ولكننا لا نذوب فيها، أي نمصرها. جاء الفاطميون الشيعة من المغرب واحتلونا ونشروا المذهب الشيعي وبنوا الأزهر ولكننا لم نقبل المذهب وعدنا إلى المذهب السني ولكن احتفظنا بحبنا لآل البيت ولا ينافسنا أحد في ذلك الحب. وتمسكنا بالعادات المثيرة للبهجة التي أدخلها الفاطميون مثل فانوس رمضان والمسحراتي والكسكسي وموائد الرحمن ونحن شعب مذهبنا السني الشافعية ولكننا نأخذ بمذهب أبو حنيفة في الزواج وغيره من المعاملات لأنه يريحنا وفيه تيسيرات. ونحن من بنى أعظم حضارة في العالم أيام الفراعنة ومن سكت على نشر العشوائيات إذا صممنا أتينا بالمعجزات وإذا تكاسلنا كانت هزائمنا ومخازينا بجلاجل.
البكاء أثناء الصلاة
وبمناسبة التناقضات في سلوكنا في بعض الأوقات فقد تساءل عبد العزيز عبد الحليم المشرف على باب «أنت تسأل والعلماء يجيبون» في جريدة «اللواء»:
في زماننا قل البكاء سواء في الصلاة أو في تلاوة القران إلا القليل لماذا؟
وأجاب على السؤال الدكتور سعيد عامر الأمين المساعد في مجمع البحوث الإسلامية قائلا: قلة البكاء في هذا الزمان سببها البعد عن الله سبحانه والانشغال بهموم الدنيا وعدم تصفية القلوب بين البشر حيث إن البكاء في الصلاة أو عند قراءة القرآن للعبد لا يكون إلا عند حضور القلب وعلو المنزلة في القرب من حضرة الرب عز وجل. والأصفياء الأتقياء الأنقياء إذا سمعوا كلام الله سبحانه سجدوا وبكوا. قال الله تعالى: «إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدا وَبُكِيّا «مريم: 58 أي سجدوا لله خضوعا وتذللا تسيلُ دموعهم على خدودهم خشية الله وأعظمها فهما لكتاب الله وعملا به واستعدادا ليوم التناد وأكثر الأمة رقة للقلوب وخوفا من الله علام الغيوب وترق قلوبهم وتخشع لما يقرأ ويسمع لأن تلك القلوب صفت وخلت من الصوارف والشواغل إلا الانشغال بما يوصلهم إلى القرب من الجناب الأعظم والفوز الأكبر.
حسنين كروم