الفرح لن يمنعنا من الدفاع عن المظلوم ومواجهة الظالم والنظام… ومصر بتفرح والشعب «يتنكد»

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي» ركزت الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 4 أغسطس/آب على الموضوعات ذاتها التي اهتمت بها في الأيام الماضية، وهي استعدادات حفل افتتاح قناة السويس الجديدة غدا الخميس، وقيام رئيس أركان حرب الجيش الفريق محمود حجازي بتفقد استعدادات القوات المسلحة والشرطة، لحماية المنطقة ولمنع محاولة تسلل الإرهابيين، أو غيرهم للقيام بأعمال لإفساد الاحتفال.
وبعد انصرافه وقع حادث شكك في الإجراءات الأمنية أخبرنا به زميلنا الرسام أنور في «المصري اليوم» أمس، وشاهده بعينيه الاثنتين، وسمعه بأذنيه أيضا، قال إنه شاهد مواطنا بائسا نجح في الوصول إلى شط القناة للنزول فيها وحاول جندي شرطة منعه فرد عليه قائلا:
– مش عملنا القناة دي عشان الشعب يستفيد، أهو الشعب حران وعايز ينزل وسع يا عم.
كذلك امتلأت الصحف بالإعلانات التي تهنئ بافتتاح القناة، واستفادت الصحف ماليا منها، لاسيما وهي تعاني كلها ـ عامة وخاصة ـ من مشاكل مالية حادة.
وكان الموضوع الثاني الأكثر اجتذابا لاهتمام الأغلبية هو حصول نادي الزمالك رسميا على درع الدوري العام، بعد تعادله مع وادي دجلة، ومقتل الطفلة جاسمين ذات الأربعة أعوام عندما حاول ارهابيون في الفيوم اغتيال والدها رائد الشرطة شريف سامي النشار، بإطلاق الرصاص على سيارته، إلا أنه لم يصب وقتل صديقه المحامي رامي أحمد كامل.
ومن الأخبار الأخرى التي وردت في الصحف بدء المرحلة الثانية من عمل مكاتب تنسيق القبول في الجامعات، واستمرار الموجة الحارة، ومناشدة وزير الكهرباء المواطنين بترشيد استخدام المكيفات، وكثرة إعلانات بيع الشاليهات والفيلات في المنتجعات السياحية والرحلات للخارج والداخل بأسعار مخفضة.
وإلى بعض مما عندنا….

هشام جنينة: هل الزواج
من فلسطينية جريمة؟

ونبدأ بالمعارك والردود المتنوعة، التي تشمل قضايا عديدة لا رابط بينها، ومنها المعركة التي لا تريد أن تهدأ بين المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات ووزير العدل المستشار أحمد الزند، وجهات أخرى يتهمها صراحة بأن الفساد يرعى فيها، وهي تحاربه، بينما يتعرض هو للاتهامات بأنه إخوان مسلمون، فالذي عينه في منصبه الرئيس الأسبق محمد مرسي، وبعد إصدار الرئيس عبد الفتاح السيسي القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن إعفاء رؤساء الهيئات الخاصة من مناصبهم بأن المقصود بالقانون إعفاء هشام من منصبه، ودارت مناقشات حول جواز إعفاء رؤساء الهيئات الخاصة ومدى قانونيته، فأكد البعض حق الرئيس في ذلك، إذا توافرت الأسباب، وآخرون قالوا إنه لا يحق له. ولوحظ أن الرئيس لم يقابل هشام أي مقابلة خاصة وكلما يسأل عن تفسيره لذلك يرد بأن الرئيس إذا طلبه سيذهب إليه وقد تجددت الحملة على هشام جنينة في الأيام الماضية ومنها، أن له علاقة بحركة حماس ويتخابر معها لأن زوجته لها أصول فلسطينية. وقد نشرت «المصري اليوم» يوم السبت الماضي حديثا مع جنينة أجراه معه زميلانا طارق أمين ومحمد السنهوري على حلقتين، وأبرز ما قاله في الحلقة الأولى يوم السبت هو: «لا أفهم كيف يعتبر البعض الزواج من فلسطينية جريمة، مع العلم أن زوجتي من أب فلسطيني وأم مصرية وجميعهم عاشوا على تراب هذا الوطن، وحصلت على الجنسية المصرية، وأقارب زوجتي لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بحركة حماس، وأغلبهم في مراكز مهمة في السلطة الفلسطينية، وابن عمها الطيار الخاص للرئيس الفلسطيني أبو مازن، وآخر كان سفيراً سابقاً في ليبيا، وبعضهم التحق بسلك القضاء في مصر، ولا أفهم في الحقيقة هذه الاتهامات في ظل منح أقاربها الجنسية المصرية، ولهذا أتساءل: «هل يتم منح الجنسية المصرية لمتخابرين؟».. أحد أقارب زوجتي كان رئيساً في محكمة استئناف القاهرة، هل كان الرجل أيضاً متخابرًا؟ بالإضافة إلى أن لها أقارب بمناصب مهمة في الدولة، هل كلهم متخابرون مع حماس. وأنا أقول لكل من ردد كل هذه الأكاذيب عيب أن تخوضوا في سمعة العائلات، فعائلة زوجتي من أكبر العائلات الفلسطينية المشهود لها بالوطنية والحرص على الأمن القومي المصري «وأنا شرفت بهذا النسب. لدي معلومات أن البعض يحاول تلفيق اتهام لي بالتخابر مع حماس، هناك أصابع خفية تسعى إلى تدبير مكيدة لي بعد انتهاء هذه الحملة الإعلامية الشرسة، يتم الإعداد لهذه القضية الملفقة الآن، لكن ثقتي في أن العدالة ستأخذ مجراها ضد هؤلاء كبيرة، فهذه الحملة يمولها رجال أعمال على علاقة بوزير مسؤول حالياً يستغل منصبه في الحصول على بيانات خاصة بأسرتي، من خلال علاقته ببعض القيادات الأمنية، واستخدام بعض الإعلاميين لحشد الرأي العام ضدي، وذلك كله بقصد ترهيبي عن ملاحقة وكشف قضايا فساد طالت بعضهم، وسيأتي الوقت قريباً للكشف عنها، ويتم ترويج هذه الأكاذيب من مجموعة من الإعلاميين المأجورين الذين مع الأسف يسيئون إلى الغالبية العظمى من الإعلاميين الشرفاء، وهؤلاء معروف عنهم التكسب على حساب الطعن في سمعة المواطنين وشرف العائلات، ويعطون لأنفسهم الحق في منح صكوك الوطنية والولاء للوطن، فضلاً عن أنني لم أستعمل سلطة وظيفتي لبيع الأراضي المملوكة للدولة والمخصصة للمنفعة العامة، لأي من أقارب زوجتي، كما فعل هذا الوزير، وأطالب الأجهزة التي أمدته بالمعلومات عن حياة أسرتي الخاصة أن تتحرى عن ذمته المالية وتطبيق الكسب غير المشروع، حتى يترسخ لجموع الشعب أنه لا أحد فوق القانون ولا يحتمي أحد بمنصبه ،أنا لست في حاجة لقانون حتى أرحل عن منصبي، في اليوم الذي سيرى فيه السيد رئيس الجمهورية أنني غير متعاون أو غير مؤد لعملي أو غير أهل ثقة، سأوافق على طلبه باستقالتي فوراً وسأرحب بذلك. أنا ثقتي في عدالة القضاء المصري كبيرة، رغم اعتراضي على سوء أداء البعض به، لكن لأنني تربيت وسط القضاء أعرف أن به الكثير من الشرفاء، وحتى إذا تعرض الإنسان لظلم ولم يحصل على حقه فإن عدالة السماء لن تغيب عني، أنا لا احتمي إلا بالله، وثقتي في نفسي كبيرة، وقد يكون رحيلي عن الجهاز خيرا لي وأفضل من بقائي، لست أخشى الرحيل عن الجهاز، لكن فكرة تلفيق القضايا للتخلص من أي مسؤول يجب أن تكون انتهت، وأؤكد أن الأجهزة التي تعمل على تقويض العدل تقوض الحكم أيضا».

الرئيس لم يهتم أو يطلب تحقيقا
في المعركة الدائرة بين جنينة والزند!

وفي اليوم التالي الأحد علقت زميلتنا الجميلة في «المقال» مريم الخولي على كلام هشام قائلة: «السؤال الأهم هل ستمنع احتفالات قناة السويس الجديدة الرئيس من التحقيق في مدى دقة حديث جنينة، أم أن الفرحة ستجب ما قبلها، ويمر ما قاله رئيس أهم جهاز رقابي في مصر عن محاولة بعض الأجنحة، التي كانت لها مصالح مع نظام مبارك تصفية كل رموز ثورة 25 يناير/كانون الثاني، بل أن ما يحدث على الساحة الآن من قضايا يتم إعدادها هدفه التخلص من كل من له رأي أو موقف أدى إلى تلك الثورة مرور الكرام؟ الحقيقة أننا لا نتوقع أن يهتم الرئيس، كما لم يهتم من قبل، فالرئيس لديه بالتأكيد أجهزة معلوماتية وتقارير استخبارتية ترفع له يوميا وتنقل له ما يدور بين المسؤولين من خلافات، حتى إن كانت هذه الأجهزة مقصرة، والتقارير تتعمد تغييب الرئيس، أفلا يقرأ الرئيس الصحف الصادرة كل يوم ليرى إلى أين وصلت المعركة بين جنينة والزند؟ ورغم كل ذلك لم يصل إلينا أن الرئيس اهتم أو انشغل أو طلب تحقيقا في ما يدور بينهما، بالضبط كما لم يطلب من قبل التحقيق في الخلافات بين الوزراء وبعضهم بعضا. السؤال المهم الآن كيف لنا الآن كمواطنين أن نثق في جهاز مهمته مراقبة مؤسسات الدولة وهو في خصومة صريحة مع وزير؟ وكيف لنا أن نثق في وزارة اسمها العدل ووزيرها في خصومة معروفة ومفضوحة مع أطراف عديدة من بينهم جنينة؟».

جنينة يستعين بالصحافة
لمواجهة الحملات الإعلامية ضده

أما جريدة «البوابة» اليومية المستقلة فقد بادرت أمس الثلاثاء إلى نشر تحقيق على كامل الصفحة التاسعة لزميلنا محمود الشهاوي، رد فيه على حديث جنينة وقال: «إن عائلة زوجته وهي عائلة قديح، من أكبر العائلات في المنطقة الشرقية من خان يونس، ويزيد عدد أفرادها على خمسة آلاف مواطن، وبين يدي الآن بيانات متكاملة حول انتماء عدد من أفراد عائلة زوجة هشام جنينة إلى كتائب القسام، وأسماء من قتلوا منهم، القائد الميداني سالم قديح وجهاد فوزي قديح ورأفت أحمد قديح وعبد الرحمن عبد الله قديح ونائل فوزي وصلاح الدين رشاد وإسماعيل سليمان وسالم حمدان وسناء عبد الهادي، قتلت في 21 مارس/آذار 2004 وجاسر جبر قديح».
وجاء في التحقيق تساؤل عن أسباب سفر زوجة هشام إلى عدد من الدول وتواريخها، خاصة إلى تركيا، وفي الحقيقة لم أشعر بالارتياح إلى هذا التساؤل لأننا بدأنا ندخل إلى مناطق لا يجوز الاقتراب منها في هذه المعركة التي يجب حصرها مع أطرافها. كما أشار محمود الشهاوي إلى معلومة أخرى بقوله: «مع اشتداد الحملة ضده بدأ هشام جنينة التفكير بأسلوب جديد، إذ تقدم بطلب إلى المجلس الأعلى للصحافة للحصول على ترخيص بإصدار مجلة عن الجهاز باسم الرقابة الشاملة، حصل جنينه على الترخيص بالفعل وتجري الآن الاستعدادات بإصدارها عبر مجموعة من الصحافيين، أشرف جنينه على اختيارهم بنفسه». كانت هذه المعلومة لافتة بالنسبة لي، فوفق ما أعرفه ليست لدينا إصدارات صحافية عن جهات رقابية في الدولة. مصادر في الجهاز المركزي للمحاسبات فسرت إقدام جنينة على إصدار مجلة برغبته في تشكيل لوبي من الصحافيين يكون عونا له ضد الحملات الإعلامية، وتحذر المصادر من نشر تقارير سرية خاصة بالجهاز في هذه المجلة أو استخدامها في الهجوم على مؤسسات في الدولة».

عبد الناصر وإخفاقات ثورة يوليو

وإلى ثاني المعارك وستدور حول خالد الذكر، حيث سمعت صراخا يوم الأحد صادرا من صحيفة «المصريون» لصاحبنا هشام الحمامي، الذي كان يصرخ من جرح وألم سببه زميل صديق له قال: «كانت صدمتي كبيرة في الصديق الكريم أيمن الصياد، حيث كتب في مقال في جريدة «الشروق» 2/6 أن زعيم يوليو/تموز قال «إرفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستبداد» قاصدا البكباشي ج .ح .عبد الناصر مشيرا في مقاله إلى جيل يوليو الذي شاهد الأحلام الكبيرة والإخفاقات الكبيرة. وقد كان صادقا كل الصدق في كلمة «الأحلام» هي بالفعل أحلام وما كانت مجانية التعليم ولا خطط التصنيع والإصلاح الزراعي سوى خرافة من أشهر خرافات التاريخ المتداولة، لم تكن سوى أضغاث أحلام لم تعرف إلى الواقع الأليم طريقة ولا حقيقة، وهاكم اليوم لا يجد المصريون في أياديهم بعد ستين عاما إلا أياديهم ليس هذا فقط، بل وسلبهم أغلى ما كان لديهم الأخلاق المصرية والكرامة الوطنية، لقد كان أشبه بوباء أطاح بالمدينة ومن فيها».

تغير الكثير من السياسات
والأهداف بعد عبد الناصر

المهم أنني نسيت أن أؤكد له صدق أحلامه بأنه لم تكن هناك مجانية تعليم ولا إصلاح زراعي ولا سد عالي أو مصانع وخطط للتصنيع، بأن أضيف إلى الأحلام الحلم النووي، إذ نشرت مجلة «المصور» في عددها الصادر في الثالث والعشرين من يوليو الماضي مقالا للدكتور محمد مجدي بدر الدين نائب رئيس هيئة المحطات النووية السابق قال فيه: «وبعد إعلان الدولة الصهيونية عام 1948 بدأت إسرائيل فورا، وفي العام ذاته بتطوير برنامجها النووي الخاص بها. وكان معهد وايزمان للعلوم الذي أنشئ في عام 1934 هو المنوط به ذلك، وقد بدأ بدعم الأبحاث النووية في عام 1949 تحت إشراف إيرنست دافيد بيرجمن، الصديق الشخصي لرئيس الوزراء آنذاك ديفيد بن غوريون. وقد تمّكن بيرجمن هذا في ما بعد من تبوأ منصب الرئيس الأعلى للجنة الإسرائيلية للطاقة الذرية التي تشكلت سرا في عام 1952، وكان بن غوريون وبيرجمن يعتقدان أن الخيار النووي العسكري ضروري لبقاء الدولة الإسرائيلية. وفي 19 فبراير/شباط عام 1955 صدر قرار رئيس الوزراء بتشكيل لجنة الطاقة الذرية وتحديد اختصاصاتها. وتشكلت اللجنة برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر. وفي 30 مارس/آذار 1955 وافق مجلس الوزراء على برنامج اللجنة الذي تضمن :إعداد الكوادر العلمية والفنية وإنشاء مركز للنظائر المشعة، إنشاء مفاعل ذري للأبحاث، إنشاء معمل للطبيعة النووية، الكشف عن الخامات الذرية في الأراضي المصرية. وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول 1955 صدر قانون رقم 509 لسنة 1955 بإنشاء لجنة الطاقة الذرية، كهيئة قائمة بذاتها تستهدف تمكين الدولة من استغلال الطاقة الذرية في الأغراض السلمية في مجالات الطب والزراعة والصناعة لمسايرة التقدم العلمي. وفي عام 1955 تمكنت اللجنة من الحصول على اعتمادات مالية كبيرة لتنفيذ برنامجها لإعداد وتدريب الأفراد وإرسالهم في بعثات ومنح تدريبية ومؤتمرات في الخارج، ولذا فقد قامت اللجنة بإيفاد عشرين باحثا للحصول على الدكتوراه من جامعات المانيا وفرنسا وسويسرا وأمريكا والاتحاد السوفييتي، شاركت مصر من خلال السفير إسماعيل فهمي بدور مهم في وضع دستور الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي أغسطس/آب من العام ذاته اشتركت مصر في مؤتمر «الطاقة الذرية في الأغراض السلمية» في جنيف، وفي عام 1957 صدر قرار جمهوري رقم 288 لسنة 1957 بإنشاء مؤسسة الطاقة الذرية وفي عام 1957 انضمت مصر إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية كعضو مؤسس. وعلى التوازي بدأت الإنشاءات في مركز انشاص تحت إشراف السيد صلاح الدين هدايت عضو الضباط الأحرار ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الطاقة الذرية ووزير البحث العلمي… وفي أول يوليو/تموز 1968 قامت مصر بالتوقيع على المعاهدة فى كل من لندن وموسكو، أي في أول يوم فتحت فيه المعاهدة للتوقيع، وبوفاة الرئيس جمال عبد الناصر وتبوؤ أنور السادات منصب رئيس الجمهورية تغيرت الكثير من السياسات وتبدلت الأهداف والأولويات، وجرت إعادة صياغة جذرية لعلاقات مصر مع المجتمع الدولي ومع القوى العظمى «.

صندوق «تحيا مصر»
وضع الرئيس في موقف محرج

أما ثالث المعارك فقد دارت حول الرئيس السيسي وأولها لزميلنا وصديقنا في «المصري اليوم» سليمان جودة يوم السبت، إذ عبر في عموده اليومي «خط أحمر» عن شكوكه في نوايا السيسي نحو رجال الأعمال وما قد يخططه ضدهم بالقول: «صورة رجل الأعمال عند المشير طنطاوي ليست جيدة، وأخشى أن تكون هذه الصورة قد انتقلت كما هي إلى الرئيس، بحكم العلاقة الحميمة التي نعرف أنها قائمة بينهما من زمان، وإذا أنت راجعت الآن سلوك الدولة مع رجال الأعمال بشكل عام، في فترة حكم المجلس العسكري، وهي الفترة التي كان فيها طنطاوي بمثابة رئيس الدولة، فسوف تتبين لك ملامح هذه الصورة بالضبط. الذي يزيد من مخاوفي من انتقال الصورة، كما هي من المشير إلى الرئيس، أن رأس الدولة الآن ومنذ تولى الحكم يكاد يحكم على رجل الأعمال من خلال شيء واحد، هو تبرعه لصندوق تحيا مصر بسخاء، أو عدم تبرعه، وأظن أن رفع السقف في الصندوق إلى رقم المئة مليار، ثم تواضع الرقم الذي جري التبرع به فعلا، قد وضع رئيسنا في حرج، هو في غني عنه تماما، لو أنه أدرك منذ البداية أن المطلوب من أي رجل أعمال شريف ليس أن يتبرع بالمليار، وإنما أن يؤدي ضرائبه بالمليم، ولا يزال أمام الرئيس أن يطلب وضع نظام ضريبي صارم يكون على يقين من أن وضع مثل هذا النظام الصارم سوف يأتي له أو للدولة، بمعنى أدق، بأضعاف أضعاف ما كان يريده هو في الصندوق».

موقف المشير طنطاوي
واضح من رجال الأعمال

وسليمان لا يذيع سرا عن موقف المشير طنطاوي من رجال الأعمال، ولكنه اخطأ عندما حصرها أثناء رئاسته المجلس العسكري بعد ثورة يناير/كانون الثاني، وهي الفترة التي لم يظهر فيها طنطاوي موقفه في أي إجراءات أو قرارات، ذلك أن موقفه وموقف الجيش والمخابرات العامة والحربية وكذلك قطاع داخل النظام أيام حكم مبارك عندما كان وزيرا للدفاع والإنتاج الحربي، كان معلنا داخل اجتماعات مجلس الوزراء في حكومة احمد نظيف عام 2005، الذي أتي به جمال مبارك، وكذلك مجموعة الوزراء من رجال الأعمال، ومن يرجع إلى التقارير المنشورة في «القدس العربي» في هذه السنوات سيجد تفاصيل وافية وأسرارا كثيرة عن الصراعات التي كان يقودها طنطاوي علنا لوقف بيع مؤسسات ومصانع القطاع العام بعد تخريبها أولا، وكان معروفا عنه استخدام أوصاف معينة عن مجموعة جمال مبارك، مثل شوية العيال، ومعركة منعه الحكومة من بيع بنك القاهرة كانت علنية، كما ساند وزير الطيران المدني وقتها الفريق أحمد شفيق في وقف مخطط بيع شركة مصر للطيران ومساندة وزير البترول سامح فهمي لوقف بيع مصانع تكرير البترول وشركات الوزارة ومساندة وزير الكهرباء الدكتور حسن يونس في معركة استيلاء عدد من رجال أعمال جمال مبارك على الأرض المخصصة في الضبعة لإقامة المفاعل النووي عليها، وكانت معركة علنية وبأسماء الأطراف المشاركين فيها وتفاصيلها في التقارير لمن أراد.

قناة السويس الجديدة ملك للشعب كله

كما تناولت الرئيس السيسي يوم الاثنين في «البوابة» زميلتنا الجميلة أميرة ملش بقولها عنه: «من حقنا إذن أن نفرح بما نحققه من إنجاز، وهذا كله ليس معناه أننا نطبل أو نجامل النظام، لأن إنجاز المشروعات القومية مثل قناة السويس الجديدة ملك للشعب كله وللأجيال القادمة. كلنا ساهمنا بشكل أو بآخر في الانتصارات والنجاحات والإنجازات، لذلك سيذهب النظام الحالي ويأتي غيره، ولكن المشروع باق مثل السد العالي، فقد ذهب جمال عبد الناصر والسد العالي باق حتى الآن، وسيبقى من حقنا أيضا أن نعارض الرئيس «السيسي» وان نحاسبه لأننا نحن من أتي به إلى كرسي الحكم. الاحتفاء والفرح بمشروع «قناة السويس الجديدة» وصفقات «الرافال والفرقاطة» لا يتعارض مع انتقاد النظام والمطالبة بالإفراج عن الثوار المحبوسين في السجون بسبب قانون التظاهر، والمطالبة أيضا بإسقاط قانون التظاهر لأنه غير دستوري. الفرح لن يمنعنا من الدفاع عن المظلوم ومواجهة الظالم وللنظام الذي لم يلتفت إلى الآن، لإصلاح منظومة التعليم والحد من الفقر الذي يسير على نهج من سبقوه من تضييق الخناق على حرية الرأي والتعبير».

تنازل «المكون المدني»
لصالح «المكون العسكري»

وفي «المصريون» كتب رئيس تحريرها التنفيذي محمود سلطان مقاله عن الدعاية للقناة الجديدة قال فيه: «مع ظهور الحركات الاحتجاجية عام 2004، نُشرت مقالات من باحثين في مركز الأهرام الاستراتيجي، ومقربين من مؤسسات القوة، توقعت سقوط مبارك، مؤكدة أن سقوطه، سيترك فراغًا كبيرًا، ولا توجد مؤسسة منظمة قادرة على شغل هذا الفراغ إلا المؤسسة العسكرية. المقالات.. «نصحت» القوى السياسية، على الاتفاق ـ من الآن، وذلك قبل سقوط مبارك ـ على مدونة وطنية بمطالبها لتقدمها لـ»الجنرال» الذي سيخلف عائلة مبارك في الحكم. ما نشر في ذلك الوقت، كان يسوق لـ»ضعف» النخبة المدنية، وأنها «غير مؤهلة» لتولي السلطة، بعد إزاحة آخر جنرالات المدرسة الستالينية، التي حكمت مصر بالحديد والنار. وتحققت النبوءة، ومبارك نفسه، يوم 11 فبراير/شباط، قرر حرمان النخبة المدنية من الحكم، وقرر نقل سلطاته إلى المؤسسة العسكرية، ولا يهم ـ في هذا السياق ـ ما إذا كان قراره طوعيًا، أم بعد تهديده من قبل المجلس العسكري في ذلك الوقت.. المهم أن الحاكم كان هو الجنرال حسين طنطاوي. لم يتخل الأخير عن السلطة، إلا بعد أن قدم شباب الثورة، أكثر من 50 شهيدًا في شارع محمد محمود، حيث اضطر طنطاوي إلى التخلي عن المماطلة والتسويف، وقرر جدولة الانتخابات، وأجريت الانتخابات الرئاسية، وانتهت بأول رئيس مدني منتخب يحكم مصر، منذ الإطاحة بآخر ملوك أسرة محمد علي في يوليو 1952. عودة الجيش عشية التحضير لاحتجاجات 30 يونيو/حزيران 2013، كـ»حكم» بين مرسي (الإخوان) والمعارضة، لم تكن مدفوعة بالسلطة الأبوية التقليدية للجيش، وإنما كانت برسالة ضمنية تريد الإعلان عن فشل النخبة المدنية في الحكم.. ليستحضر الرأي العام، البديل التلقائي «المنظم» و»المنضبط».. الجيش.. لنسمع رأيًا عامًا يطالب طواعية بحاكم عسكري «قاس»، لمواجهة الفوضى، و»تأديب» المعارضة «غير المسؤولة».. والمشغولة بنفسها ومصالحها، كما سُوق لذلك حينها. ولا يمكن بحال فصل هذا السياق، عن عمليات الدعاية الصاخبة، لاحتفالية افتتاح قناة السويس الجديدة.. إذ ليس بوسع المراقب الوطني المدقق، أن يتجاهل، ما يستشعره بشأن وجود دعاية مشابهة، تعزز من مشاعر فشل «الخيار المدني».. إذ ينسب البعض إنجاز القناة الجديدة للجيش حصريًا. لم نسمع ـ في السياق ذاته ـ عن جهود المجتمع المدني، الذي وفر مظلة مالية ضخمة وغير مسبوقة بلغت 8.5 مليار دولار (ما يعدل 62 مليار جنيه).. وهو المبلغ الذي اختصر وقت الحفر من ثلاث سنوات إلى سنة واحدة.. كل هذا توارى ولم يقدم المسؤولون الحكوميون ولا المشرفون على المشروع، كلمة شكر واحدة لهذا الجهد المدني غير المسبوق في تاريخ مصر المعاصر.. فيما اتشحت الشوارع والميادين بصور الرئيس عبد الفتاح السيسي وحده.. والرئيس هو ابن المؤسسة العسكرية ولم يأت من محاضن مدنية، لها تاريخ في النضال الاجتماعي والمدني. هذه الدعاية خطرة جدًا.. ولا حيلة لدفعها على الأقل الآن، لأن القوى المدنية ذاتها، تعتبر جزءًا من تلك الدعاية، التي تقلل من شأن نفسها «المكون المدني» لصالح «المكون العسكري» في الحكم.. وهو إحساس مؤلم، لأنه يشير إلى أن الرتابة والنمطية الموروثة منذ 60 عامًا مضت، قد يطول عمرها إلى أجل غير مسمى».

الدولة ما زالت بعيدة
عن الجدية في التخطيط

وفي العدد نفسه من «المصريون» كتب رئيس تحريرها ورئيس مجلس إدارتها جمال سلطان عن موضوع القناة أيضا قائلا: «الهوجة التي تنتشر الآن في الشوارع والميادين احتفالا بحفل افتتاح التوسعة الجديدة لقناة السويس لا تصدق في هوسها وهستيريتها، الميادين الرئيسية في القاهرة والمحافظات امتلأت باللافتات التي أعدها تجار ورجال أعمال، بعد توجيهات «حانية» من الجهات المعنية، تزف البشرى للعالم «أجمع» بهرم مصر الرابع والمعجزة الإنسانية الجديدة التي ستجعل الرخاء يعم مصر والعالم «أجمع»، والشوارع تتزين بمئات الآلاف من الأعلام الصغيرة والكبيرة، وسوق المزايدات فتح على مصراعيه، وفي محافظة فقيرة في صعيد مصر، تمثل واحدة من أكبر مستودعات البطالة للشباب، أعد المحافظ ومعه آخرون غير معروفين بالتحديد ما اعتبروه أطول علم مصري في العالم، بطول يصل إلى اثني عشر ألف متر، وهو ما يكفي لكسوة عشرة آلاف طالب من فقراء تلك المحافظة، وهو بذخ كان يتوجب على الجهات الرقابية محاسبة فاعله، لأنه سفه، في بلد لا يملك مثل هذا الترف المقيت لمجرد الاستعراض وتقديم آيات الولاء. الشعار الذي تم رفعه هو «مصر بتفرح»، وكان ورطة لجهات كثيرة في البلد، لأن أي حكم قضائي يمكن أن «يعكنن» على الاحتفال وعلى الضيوف، وأي حادث مأساوي مثل الذي راح ضحيته أربعون مواطنا ابتلعهم النيل في قلب القاهرة، يمكن أن يفسد على صاحب الشعار آماله، وبالتالي يتوجب «تحجيم» المسألة إعلاميا وإنسانيا، وأي مصائب إدارية وفنية من الشائعة في البلد مثل قطع المياه عن أكثر من اثني عشر حيا في العاصمة نفسها وانقطاع الكهرباء في مدن «الغلابة» وقراهم ليستمر نكدهم المزمن، لا ينبغي التوقف عنده والإشارة إليه، لأن المفترض أن «مصر بتفرح»، تشعر بأن هناك رغبة متشنجة في صياغة مشهد سينمائي تمثيلي أيا كان اغترابه عن الواقع أو تزويره للواقع، المهم أن يتم إخراج المشهد السينمائي بأي شكل وأي ثمن. على الجانب الآخر من المشهد ذاته، تجد التصريحات المتشنجة من القيادات الأمنية والعسكرية، تهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور كل من يفكر في «إفساد فرحة المصريين»، وأن الأوامر صدرت بالتعامل بمنتهى العنف والقسوة، كما تضاعفت الكمائن الأمنية والعسكرية على الطريق السريعة والرئيسية ومداخل المدن والشوارع المختلفة بصورة لافتة جدا، تعطيك الإحساس البديهي بأن البلد في حالة «هلع» وتوتر أمني غير مسبوق وقلق وخوف من «المفــــاجأة»، وهو انطباع لا يستقيم مع الفرح أبدا، ناهــــيك عن أنه لا يعطي الرسالة المأمولة لضيوف مصر المستهدفين من هذا الإعلان وذاك «الفرح» بأن مصر آمنة، وتملك مناخا جاذبا للاستثمار وواعدا، كل ذلك يتبخر ويتلاشى بنظرة واحدة إلى الشوارع والميادين والكمائن والرشاشات المشرعة والدوريات الأمنية والعسكرية التي تجوب الشوارع خاصة في مدن القناة. الرسالة الجديدة تقول بأن مصر الدولة ما زالت بعيدة عن الجدية في التخطيط، ووضع الاستراتيجيات الجادة والعلمية للتنمية والمستقبل، وأن مصر الدولة ما زالت تعيش حقبة الديماغوجية السياسية، والتركيز على المظاهر الاحتفالية، لتوظيف ذلك في صناعة انتصارات سياسية صغيرة وقصيرة المدى في الداخل، على حساب التحديات الحقيقية للبلد التي تسبب متاعب يومية ضاغطة على المواطنين وتنكد عيشهم، رغم أي ضجيج آخر يتحدث عن الفرح».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية