غزة ـ «القدس العربي»: على خلاف عادات الفتيات الصباحية في قطاع غزة، والتي تبدأ غالبا بتنفيذ الأعمال المنزلية، أو الذهاب للجامعة، تحرض عشرون فتاة غزية على غير المعتاد للذهاب إلى احدى الصالات الرياضية، لممارسة نوع من الرياضة الأمريكية، رغم عدم شهرتها، حيث لا تمارس إلا في أربع دول عربية.
وتتهيأ صبيحة كل يوم خميس الإعلامية تغريد العمور، المعروفة بشغفها الرياضي، خاصة وأنها عضو في مجلس إدارة نادي هلال غـــزة، وترتدي ملابس الرياضة وحـــذاء مخصص للركض، وتتجه صــــوب احــــدى الصالات الرياضية الخاصة، لتلعب مع 19 فتاة أخرى اللعبة الأمريكية الشهيرة «بيسبول»، التي تعرف باسم «سوفت بول» حين يمارسها الجنس الناعم.
وقبيل بدء التمارين الخاصة بلعب الفتيات العشرين الـ«سوفت بول»، وهن نواة الفريق الأول لهذه اللعبة التي استقدمت حديثا إلى قطاع غزة، تشرع تغريد وزميلاتها بتنفيذ تعليمات المدرب، ويبدأن بالركض حول مضمار الملعب، إضافة إلى تمارين خاصة لتحريك الكتف والأيدي والأقدام، ضمن مرحلة الإحماء المعتادة.
وفي مشهد يحاكي الأفلام الهوليودية التي تطرقت لهذه اللعبة الأمريكية الشهيرة، تحمل تغريد مضرب الكرات الخاص، بين يديها، قبل أن تعطيه لغيرها من الفتيات، من باب التعرف إليه جيدا، خاصة أن الأدوات الرياضية الخاصة بهذه اللعبة غير متوافرة بشكل كامل حاليا، حتى أن ذات الأدوات، يخصصها المدرب محمود طافش، الذي قدم باللعبة عن طريق مصر، لتدريبات فريق الشباب.
وتقول اللاعبة العمور، المشهورة بتقديم البرامج الرياضية أيضا، أنها من المتابعات جيدا لأفلام هوليود، وأنها أحبت كثيرا فيلما أمريكيا دارت أحداثه حول تلك اللعبة، وشاهدت خلاله فتيات يمارسن هذه الرياضة. وتشير خلال حديثها لـ«القدس العربي»، أنها سعدت كثيرا حين علمت أن هذه اللعبة باتت متاحة حاليا في قطاع غزة، وأنه بالإمكان بعد الإعلان عن نواة فريق الفتيات، أن تكون واحدة من هذا الفريق، وتقول أن الأمر هذا لاقى أيضا اهتماما كبيرا من فتيات أخريات، تواصلن معها للانضمام للفريق. والعمور التي مارست أنواع سابقة من الرياضة، معروفة لدى الفتيات، وأهمها رياضة الركض والمشي، عبر مجموعات من النساء، قالت أن مشاركتها في فريق» سوفت بول»، كان يهدف أيضا إلى تحفيز غيرها من الفتيات على كسر حاجز الروتين، من خلال لعب الرياضة بطريقة مختلفة.
والمعروف أن قطاع غزة الساحلي المحاصر الضيق، يعيش بداخله أكثر من مليوني مواطن، تشكل النساء تقريبا نصف العدد، غير أن القطاع معروف بأنه مجتمع قبلي، ولا تتوافر فيه لعب الرياضة للفتيات من الرجال. وتلجأ الكثير من الفتيات لممارسة رياضة المشي بشكل علني على «كورنيش غزة»، وفي بعض شوارع القطاع الواسعة، من باب اللياقة، فيما تتجه أخريات إلى صالات الرياضة الخاصة، التي توفر ساعات صباحية لتدريب النساء، اللواتي يبحثن عن تخسيس الوزن، أو الحصول جسم رياضي رشيق، حيث لا تتوافر في غزة فرق نسائية تمارس كرة القدم، على غرار الضفة الغربية، هو ما جعل مشاركة الفتيات في هذه اللعبة الأمريكية أمرا مستغربا. وتقول اللاعبة العمور أن رياضة «سوفت بول» سهلة، ولا تحتاج إلى مجهود كبير، وأنها من أكثر أنواع الرياضة التي تراها مناسبة للفتيات، كونها بعيدة عن الاحتكاك والخشونة كباقي الرياضات الجماعية الأخرى. وعقب انتهاء التمرين، لم يكن ظاهرا على هذه اللاعبة وغيرها من الفتيات آثار الإرهاق، وتقول العمور التي كانت سعيدة بضربها اثنتين من الكرات بالمضرب المتوافر، حين رمت لها احدى زميلاتها الكرة «هذه اللعبة تخرجنا من أجواء غزة، إلى عالم آخر».
وكانت العمور تشير إلى حالة الحصار الإسرائيلي المفروض على السكان منذ عشر سنوات، والتي عملت خلاله إسرائيل على تدمير كل مناحي الحياة، وأهمها الاقتصادية، بدون أن تتجاهل تدمير المقومات الرياضية أيضا، حيث يعاني رياضيو غزة من الغياب عن المشاركة في البطولات الخارجية. وعلى قدر السعادة التي كانت ظاهرة على وجه العمور، ارتسمت ابتسامات أخرى على وجوه زميلاتها، اللواتي بدا عليهن ضجرهن من انتهاء التمرين، الذي دام لساعة ونصف ساعة فقط، وحملت وجوههن علامات وكأنهن يردن الاستمرار لوقت أطول، خاصة وأنهن بدأن بالتدريب على صد الكرات بالمضرب.
وتعتبر هذه الرياضة من أبرز الألعاب التي تشتهر فيها الولايات المتحدة، إلى جانب كرة القدم الأمريكية وكرة السلة، وهي لعبة غير معروفة إلى في أربع دول عربية وهي مصر وتونس والعراق، ومؤخرا دخلت فلسطين. ويقول المدرب محمود طافش الذي أدخل اللعبة إلى غزة، لـ«القدس العربي»، أنه تعرف إليها عن طريق مدرب عراقي التقاه في العاصمة المصرية القاهرة، وأنه تمكن هناك من الحصول على دورات تعلم خلالها أصول اللعبة، وأنه بعد انتهاء وجوده في القاهرة، عاد إلى غزة، وشرع في إجراءات خاصة، تكللت بتشكيل الاتحاد الفلسطيني للعبة «بيسبول». ويشير إلى أن رغم تشكيل الاتحاد، إلا أنه لم يحصل على ملعب مخصص لأداء اللعبة، وأنه يستعين في تدريب فريق الشباب بأراض رملية واسعة تقع جنوب مدينة غزة، في حين يقوم بتدريب الفتيات في صالة مغطاة، أو ملعب أرضيته من العشب الصناعي. ورغم أنه يقول أن هذه الأماكن غير مخصصة لأداء اللعبة، إلا أنه يشير لملاءمتها للمرحلة الحالية، لحين الحصول على الملعب المخصص، غير أن المدرب الفلسطيني للعبة «بيسبول»، يشتكي من عدم وجود أدوات رياضية كافية للعبة. وقال لـ«القدس العربي»، أنه جاء بمضرب وحيد عندما عاد من مصر، وأنه حصل على القفاز الخاص بمسك الكرة، من وزارة الشباب والرياضة في غزة، حيث ظل لسنوات عدة «القفاز» بلا اهتمام، بعدما وصل عن طريق أحد قوافل المساعدات التي عبرت لنجدة غزة في سنوات الحصار الأولى، وكأن المتبرع كان يتوقع أن تصل هذه اللعبة إلى القطاع مستقبلا. ولم يجعل المدرب طافش الذي بدا عليه اهتمام كبير في انتشار اللعبة في غزة، ندرة أدوات اللعبة وقلتها، سببا لتراجعه عن مهمته، فيقول أنه عمل على صناعة مضرب محلي، عن طريق أحد النجارين المهرة، لكنه رغم قوله أن المضرب ليس كذلك الأصلي، ورغم ارتفاع تكلفته، إلا أنه يؤدي الغرض. وشرع بالتواصل مع أحد الخياطين بغزة، لحياكة «قفاز» جديد، على غرار الذي حصل عليه من الوزارة، وأنه يعتمد حاليا على كرات عادية، غير تلك المستخدمة في اللعبة، وأنه يأمل بوصول كمية منها من الولايات المتحدة، ويعبر عن أمله في نجاح مهمته. والغريب أن المدرب الذي استقدم اللعبة إلى غزة، كان بالأصل لاعب كرة قدم سابقا، ولعب لأكثر من ناد في غزة والضفة الغربية، وكان في احدى المراحل ضمن المنتخب الوطني الفلسطيني، قبل أن يحول اهتمامه حاليا لهذه اللعبة. ويأمل في إيجاد الأدوات الرياضية اللازمة لهذه اللعبة مستقبلا، وأن يحصل على الدعم الكافي لها، خاصة وأنه يقول أن هناك احتمالية لإقامة بطولة عربية للدول التي توجد فيها هذه الرياضة في القاهرة.
من أشرف الهور