الفساد مقولة تختزن جملة مفارقات بالنسبة إلى السياسة. ثمّة من يراها قضية تستدعي تحكيم القوانين والجهاز القضائي، وثمة من يراها قضية رأي عام قبل كل شيء. ثمة من يراها قضية نخب ضاغطة، اصلاحية و»لا فسادية»، وثمة من يتنقل بين كل هذه المستويات، وثمة من يضيع.
الفترة الأخيرة شهدت في لبنان شعبية متجددة للخطاب «اللافسادي»، المتراوح، من حيث الشعبية، منذ بداية التسعينيات الى اليوم بين مدّ وجزر. اختلفت الموجة الأخيرة عن سابقاتها الى حد معيّن. تصدّرتها رموز مدنية شبابية وليس العمادين اميل لحود ثم ميشال عون كما كانت الحال قبل ذلك. أرادت لنفسها أن تكون «انتيغرالية» أو «شاملة»، فلا تحارب فساداً وتصادق آخر. جمعت بين خطاب يندّد بفساد «الطبقة السياسية» كلها، وبين إضمار «التفاوت في الفساد» داخل هذه الطبقة في نفس الوقت. خافت هذه الموجة على نفسها من وقوعها ككل، أو وقوع أيّ من المنخرطين فيها، في التبرير، ولو ضمناً، لفساد ضد آخر. لكن، بالنتيجة، هذا الحذر الشديد من التبريرية لم يرفع في هذه الموجة منسوب النقدية. بالعكس. رفع منسوب التشنّج، والإيمان الزائد بـ»الجماهير». هذا الإيمان الزائد يصعب عليه التشكيك بما يراه عندما يلمس الجماهير بأمّ العين، كالتي نزلت غاضبة الى الشارع نهاية شهر آب/اغسطس الماضي، تندّد بالاستهتار الحكوميّ في ملف النفايات. لكنه يصعب عليه أن لا يرى المشهد الجماهيري إياه يتجدّد من تلقائه بعد ذلك، ولا يتوسّع بشكل متعاظم. يصعب عليه ادراك الفارق بين أزمة موت سريري لمؤسسات دولة وتصدّع نظام سياسيّ، وبين الأزمة الثورية، بالمدلول الماركسي. في الأزمة الثورية، يصبح التعايش غير ممكن بين «الفوق» العاجز عن اعادة انتاج نظام سيطرته، وبين «التحت» الملتهب والمنتفض. يحصل الاستقطاب بين «الفوق» المصاب بالهلع وبين «التحت» الماضي الى الأمام، لتنقسم الفئات الوسطية أو «البين بين» بين انقباض «الفوق» وذعره، وبين الصعود الانتفاضي لـ»التحت» الى «فوق». لكن عندما لا تكون هناك أزمة ثورية، ويُراد تعنيف أزمة المراوحة، وتحميلها فوق وزرها، علّها «تتثورن»، وبالتعكيز على «عفوية الجماهير» حين تحضر، وعلى «عبقرية الناشطين» حين تغيب، فهذا يؤدّي الى تلبيس الوقائع ما لا يتناسب مع المقاسات. هذا ما حصل في بيروت هذا الصيف. فالموجة «اللافسادية» الأخيرة لقيت رواجاً شعبياً، على خلفية الاستهتار الحكومي، الحالي والمزمن، في معالجة ملف النفايات، ونكبة بيروت والمناطق المحيطة بالقمامة المكدّسة وفاتورتها البيئية والصحية، لكن هذا الرواج في الوسط الشبابي للطبقة الوسطى المدينية له شروط حفظ طاقة، وترشيدها وتذخيرها، مختلفة كلياً عن شروط تلبّس مفاعيل «أزمة ثورية» حيثما هي غائبة. بدلاً من وعي أن «البين البين» هو الذي تحرّك، جرى الإصرار على لعبة المبارزة الملحمية، بين «الفوق والتحت»، فما عادت «البَين بَين»، جمهور الطبقة الوسطى المدينية، حاضناً للحراك والموجة اللافسادية الشبابية، أما «التحت» فلم يكن أساساً بهذه الدرجة المرغوبة من الإنخراط.
تمتاز «لافسادية» الشباب هذه عن سابقتيها «اللحودية والعونية» في خلوها من «المنقذ الفرد»، كما تفترق في الأداة. الاصلاح الذي اقترحه العماد اميل لحود لمشكلة الفساد، في خطاب قسمه الرئاسي وشعار «فلتقطع يد السارق»، كان واضحاً: التقويم بواسطة ضباط الشبكة التي ستعرف لاحقاً باسم «النظام الأمني» الموالي للوصاية السورية. يضغط الأمنيون على القضاء لفتح الملفات ويبدأ الإصلاح، هكذا كانت فكرة لحود وفريقه. انتهت بنتائج وخيمة. العماد ميشال عون طرح شعارات مكافحة الفساد بعد عودته من منفاه أيضاً، تراوحت بين تقويم النظام بسلاح حليفه «حزب الله»، وبين ايصاله هو الى رئاسة الجمهورية. أداة اللافساد هذه المرة كانت مختلفة، اذا ما نحينا القسم اللحودي بامتياز، الحاضر في هذه الحملة، وكذلك القسم الذي سبق له ان استوزر من حصة العماد عون، ثم تناقضت «لافساديته المنهجية» مع «لافسادية» الجنرال المزاجية. هذه الأداة كانت تلبيس الأزمة اللبنانية نتفاً من صور «الأزمة الثورية»، لعلّ الأزمة اللبنانية تتثورن. «تحت» ضد «فوق»، وعلى «البَين بَين» الاختيار بين أحد الفسطاطين، ولا وقت للتردّد أو المماطلة أو التطبيع مع أي أحد يبيت في الطابق العُلوي. بالتوازي، الشعارات نفسها التي على أساسها يصار الى تلبّس مشاهد وانفعالات الأزمة الثورية لم تكن بحد ذاتها «ثورية»، بل اصلاحية، اصلاحية معادة ملاكة منذ بداية السبعينيات الى اليوم. بالمعيار الثوري البحت، الفساد هو قوانين اشتغال اقتصاد السوق بحد ذاتها مثلاً: التحايل على قوانين الاشتغال هذه، وعلى المواد القانونية المطابقة لها، هو تحايل تتيحه هذه القوانين نفسها. أما بالمعيار الاصلاحي، فالفساد هو التحايل على قوانين اشتغال اقتصاد السوق وعلى كل القوانين المتعلّقة بالتربّح المشروع وغير المشروع، وتسخير المناصب الرسمية والوظائف العامة لنهب وتبديد المال العام. الفساد بالمعيار الثوري، لا يمكنه اذاك أن يصير قضية مركزية للثوريين، لأنه أحد عوارض المشكلة بين «التحت» وبين «الفوق» ليس أكثر. الفساد بالمعيار الاصلاحي، يمكنه أن يتحول الى قضية محورية، لكن عندها يفترض أن تكون قضية محورية تنظر بملفاتها وفصولها المحاكم، وتتم تعبئة الرأي العام للمواكبة والمراقبة على مسار المحاكمات، أما إذا كان الفساد، بالمعيار الاصلاحي، مناسبة للمبارزة الشعبوية غير الجماهيرية، بين «تحت» متخيل، وبين «فوق» يصير اذاك هو الآخر متخيّل، فعندها ثمة مشكلة، مشكلة تنهك الطرح «اللافساديّ» وتجعل ترسانة «النظام» الذي يواجهه قادرة على امتصاصه أو تدويره، بلا صعوبة.
انكفاءة الموجة «اللافسادية» الأخيرة، وبقاء النفايات في الشوارع تعربد بها الأمطار، منبئة بمضاعفات صحية أكثر خطورة، لن يعني رغم ذلك قابلية العودة الى ما قبل تموز الماضي، ما قبل انفجار أزمة هذا «اللا نسق» اللبناني بهذا الشكل. يبقى أنّ «اللافسادية» تقيم معياراً للسياسة من خارجها، ذلك ان احلال مكافحة الفساد معياراً للسياسة الصالحة هو فرض معيار «برّاني» على السياسة. أكثر من ذلك، فان المدونة القانونية لمكافحة الفساد يجري اختزاله الى شروطها الأخلاقية، ثم يتم اختزال هذه الشروط الأخلاقية في ثنائية خير – شر، تحت – فوق، بليدة. لأجل ذلك، استعادة القيمة السياسية لمكافحة الفساد تبدأ من الإقرار بأن مكافحة الفساد مسألة حقوقية – قانونية – قضائية في المقام الأوّل، والمستوى السياسي، المعني عضوياً بهذه المكافحة، لا ينبغي أن يغفل لحظة واحدة ان مدونتها تنبت وتتوسع خارجه. هدر ما هو قانوني هنا، وما هو نقابي هناك، لصالح «تسييس» يوهم المسارعين اليه بأنه «تجذير»، هو هدر للسياسة لصالح «الأخلاقي» لكن فقط بعد تحويل «الأخلاقي» الى ما هو بكل بساطة، «غير أخلاقي»: التحلّل من شروط امكان الواجب.
أولاً وآخراً، أي كلام حول الفساد في بلد يجمع كافة المتدخلين في الشأن العام فيه، والمراقبون، بأن دور الجهاز القضائي في مكافحة الفساد فيه متواضع للغاية، وغير قائم في فضاء مختلف كلياً عن الفضاءات المنخورة بالفساد، هو كلام يذهب بلا منفعة طالما لم نرجع الى الاستفهام الأول في هذا الصدد: لماذا تتدافع فئة من الناس، سواء بسواء، وراء الوظيفة العامة، أو وراء العمل في الشأن العام، أو وراء تبوؤ منصب في احدى السلطات الثلاث؟ أي كلام سيحصر اندفاعة قسم من الناس أو شغلها لكل هذه الوظائف في جهاز ومؤسسات الدولة بالفضائل العليا، والقيم المتجردة، هو كلام فاسد. التفكيك الحقيقي لمتلازمات الفساد يبدأ من اعادة ربط مفهوم الخدمة العامة بالمصلحة الشخصية لمن يتولاها أو يسعى اليها. اذاك فقط يمكن تحديد، وقوننة، ما يفصل وما يصل، المصلحة الشخصية للمتطلع والمتولي، وبين المصلحة العامة.
الفساد يعني اختلاساً أو اهداراً للمال العام أو سوء تصرّف بالسلطة العمومية لمصالح شخصية. افتراض ان ليس هناك مصالح شخصية وان موظفينا وقضاتنا ونوابنا ووزراءنا هم كائنات مترهبنة لمفهوم الدولة هو افتراض يسهم في استعصاء الفساد كمقولة، واستفحال الفساد كواقع لبناني شامل، وفي جعل كل واحد يرى ان الفساد عند الآخر، وان الفساد هو الآخر، وان فساده هو لتأمين عنقه أو جيبه من فساد الآخر.
المصالح الشخصية ليست بحد ذاتها فساداً. تطويع العمومي لها بشكل متحايل على القانون فساد.
المحاصصة بين الاحزاب الطائفية ليست بحد ذاتها فسادا وان كانت توزيعة متلائمة مع الفساد. قوننة هذه المحاصصة ونزع الطابع المركزي عن عقدة التوزيع واعادة التوزيع للحصص والتلزيمات فيها يجعلها اكثر شفافية، وفي متناول محاسبة اكثر ملموسية، واقل تشتتاً بين الملفات.
الامر الموازي هو نقد التعويل المبالغ فيه جداً على مكافحة الفساد لاقامة العدالة الاجتماعية. هذا الربط المحموم بين المفهومين مسؤول عن تفشي مناخات شعبوية، لا تكاد تذوق طعم الجماهيرية حتى تلبطها بنفسها.
وسام سعادة