القاهرة – «القدس العربي»: اهتمت الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 6 سبتمبر/أيلول بمشاركة الرئيس السيسي في قمة العشرين ولقاءاته ومقابلاته، وكانت كل فئة تفتش عما ستستفيده من لقاءاته.
أصحاب المنشآت السياحية والعاملون فيها اهتموا بلقائه مع الرئيس الروسي بوتين والاتفاق على وصول وفد فني روسي يراجع بشكل نهائي التدابير التي اتخذتها السلطات المصرية في الطائرات لتأمينها من أي عملية إرهابية أخرى، وبعدها سيتم السماح بعودة السائحين.
وقطاع من رجال الأعمال اهتموا باتفاقاته مع الصين والهند على مشروعات ستساهم شركاتهم فيها. وقد أصاب السيسي في كلمته بعض رجال مبارك ومبارك نفسه وأسرته عندما طالب الأمم المتحدة بمساعدة مصر في استعادة أموالها المنهوبة. ومن لهم أسر سافرت للحج اهتموا بمتابعة أخباره. ومن سيسافرون للقرى والمنتجعات السياحية وإجازة العيد، اهتموا بالحجز فيها والحكومة مهتمة بتوفير اللحوم في المجمعات الاستهلاكية بأسعار أقل من السوق. والأمن مهتم بتأمين البلاد لمنع وقوع حوادث إرهابية. وأغلبية المواطنين تشكو من ارتفاعات الأسعار وكثرة المطلوب منها. لدرجة أن زميلنا الرسام في «الوفد» عمرو عكاشة أخبرنا أمس بأنه شاهد مواطنا لا يملك شيئا وهو يصرخ لأن مصاريف المدارس والعيد تشدان يديه بكل عنف والفساد والغلاء يشدان رجليه.
أما الأمن فقد أصبح مهتما لا بتأمين إجازة العيد فقط وإنما عودة العمليات الإرهابية إلى المدن، فبعد حوادث الطريق الدائري انفجرت عبوتان ناسفتان تم زرعهما في منطقة بين مبنى هيئة الرقابة الإدارية ونادي الشرطة في مدينة دمياط، وإصابة وكيل إدارة الحماية المدنية ومجندين ومواطن.. وإلى بعض مما لدينا..
الجيش وحليب الأطفال
ونبدأ تقريرنا اليوم بتوالي ردود الأفعال على أزمة حليب الأطفال ومسارعة الجيش لاستيراد كميات كبيرة منه، وقول زميلنا وصديقنا في «الأخبار» نقيب الصحافيين الأسبق ورئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف في عموده اليومي في الصفحة الأخيرة «في الصميم»:
«أزمة لبن الأطفال تعطينا مثالا لـ «الهرجلة» التي تحكم تصرفاتنا بلا سبب وبلا منطق. بالطبع لم يكن مقبولا أن يكون الفساد حاضرا في قضية تتعلق بغذاء أطفالنا، وأن يذهب جزء لا بأس به من دعم الدولة لهذه السلعة الحيوية لتجار الحلويات، أو أن يتلاعب البعض في الاستيراد أو التوزيع لتحقيق الثروة الحرام، كما يحدث دائما في اقتصاد مازال يخضع لحكم السماسرة والمحتكرين. وإذا كانت القوات المسلحة قد تدخلت – كما قال بيان المتحدث الرسمي- لمواجهة «جشع الاحتكار» في هذه السلعة المهمة، الذي وصل سعرها في الصيدليات إلى أكثر من الضعف فماذا عن المستقبل؟ وكيف ستواجه «جشع الاحتكار» الذي يمارسه البعض في سلع أساسية عديدة، وهو ما يستوجب إيجاد نظام تتولى فيه الشركات العامة المتخصصة عمليات الاستيراد تحت رقابة صارمة على أن تكون أجهزة القوات المسلحة جاهزة على الدوام لتذليل العقبات ومواجهة أي أزمات طارئة أو محاولات لضرب الاستقرار والتلاعب بالأسواق عن طريق الاحتكار بدعم الشركات العامة لأداء دورها على خير وجه».
جشع التجار يستهدف الأطفال
ومن «الأخبار» إلى «الأهرام» وقولها في يوم الأحد أيضا في تعليقها في الصفحة الثالثة:
«القصة ببساطة هي أن القوات المسلحة ـ امتدادا لدورها في خدمة المجتمع المدني ـ لاحظت أن بعض التجار الجشعين يحتكرون هذه الألبان ويتلاعبون بأسعارها، سعيا لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، وهنا تدخلت القوات المسلحة فقامت باستيراد كميات من الألبان وستطرحها في الأسواق، بدءا من منتصف الشهر الحالي بسعر 30 جنيها للعبوة بدلا من 60 جنيها، فما المشكلة في ذلك؟ والسؤال هنا: ألم تقم قواتنا المسلحة ـ التي هي منا ونحن منها ـ بطرح السلع الأساسية من قبل؟ ألا يشترى الكثيرون منا اللحوم والدواجن ومواد الغذاء من منافذ بيع السلع التابعة للقوات المسلحة فلماذا كل هذه الضجة؟ يا سادة لا تسمحوا لأحد باستهداف جيشكم الذي يبذل الدماء رخيصة كل يوم في معركته المقدسة ضد أعداء الوطن، ولنفكر قليلا قبل أن نصدق أي شائعة يرددها عميل خائن لوطنه وأهله ووطنيته».
المواطن البسيط سيزداد معاناة
أما في «المقال» في يوم الأحد ذاته فقال زميلنا هشام المياني: «بيان العميد محمد سمير المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة عن أزمة لبن الأطفال لإزالة اللغط لدى المواطنين لم يؤد إلا لمزيد من اللغط، فالبيان تحدث عن أزمة لبن الأطفال باعتبار أن الأزمة تتعلق بنوع واحد من اللبن، وهذا في حد ذاته يمثل غموضا كبيرا حول مستقبل هذه الأزمة. المتحدث العسكري تحدث عن الشركات المتخصصة باستيراد عبوات لبن الأطفال، وقال إنها تحتكرها وتغالي في السعر حتى تبيعه بستين جنيها، وهذا أدى إلى زيادة المعاناة على المواطن البسيط، ومن ثم فالقوات المسلحة ستلجأ إلى استيراد لبن الأطفال بنفسها للقضاء على جشع التجار والشركات العاملة في هذا المجال، وطرح العبوة بثلاثين جنيها بدلا من ستين جنيها. هذا الكلام غامض وخطير، فالغموض هنا أن المتحدث العسكري لم يشر من قريب أو من بعيد إلى أن الشركة المختصة باستيراد لبن الأطفال المدعم من وزارة الصحة هي الشركة المصرية للأدوية، وهي شركة قطاع أعمال عام ومن ثم فعدم الإشارة إليها يوحي بأنها هي الأخري متهمة بالاحتكار وتجارة اللبن في السوق السوداء وتلك كارثة كبرى. والخطورة في البيان هنا تتحدث عن طرح اللبن المستورد من جانب القوات المسلحة، الذي هو مفترض أن يكون مدعما بنسبة أكبر من السابق سيتم طرح العبوة بثلاثين جنيها، وبالطبع لن يكون هناك أي لبن مدعم آخر بأقل من هذا السعر لأنه سيتم منع الشركة المصرية للأدوية من الاستيراد. ولو دققنا هنا سنجد أن المواطن البسيط ستزيد معاناته وليس العكس، لأن اللبن المدعم الذي كانت تستورده الشركة المصرية كان سعر العبوة منه المدعمة دعما كاملا هو 5 جنيهات وسعر المدعمة دعما جزئيا لا يزيد عن 18 جنيها، أي أن لبن القوات المسلحة سيضاعف سعر المدعم مرتين على الأقل».
الجيش ليس موزعا للسلع
ويوم الاثنين انتقد زميلنا في «المصري اليوم» علاء الغطريفي إقحام الجيش في التدخل لحل أي مشكلة وقال في الصفحة السابعة: «من الخطورة أن نضع المؤسسة العسكرية في مرمى النقد في ظل تدخلات صارت دائمة في كل مناحي الحياة، فأزمة ألبان الأطفال ستتكرر في مجالات أخرى وسنلجأ للمؤسسة، مع أننا من الواجب أن نشاهدها فقط في شوارعنا في حالات تتعلق بالكوارث الطبيعية – لا قدر الله- أو عند خطر يهدد الأمن الداخلي، ليس مطلوبا من الجيش أن يكون عضوا في لجنة لاسترداد الأراضي، أو يلعب دور وزارات الحكومة الخدمية أو أن يكون موزعا لسلعة أو خدمة أو يراقب عملية إنتاج أو ورقة أسئلة. الجيوش على الجبهات لا يمكن أن تشتت انتباهها أو تجعلها بديلا لآخرين، فالحل السهل ليس إلا مسكنات. أما الحل الجذري فله شروط ومتطلبات أهمها أن تتغلب إرادة الفعل على إرادة الفساد والإهمال والتقصير، هذه دولة تجذرت مشاكلها بشكل بات عصيا على الحل والحل في استنهاض شعب وليس استنهاض مؤسسة».
الجيش لكسر احتكار الكبار
لكن كلام علاء لم يعجب زميلنا في «المساء» رئيس تحريرها السابق جمال أبو بيه فطالب في عموده في الصفحة الرابعة بان يستعد الجيش لاستيراد الخضروات أيضا وقال: «وانتصرت الحكومة للغلابة، أو بمعنى أدق انتصرت القوات المسلحة، فها هي تستورد شحنات لبن الأطفال لكسر الاحتكار، وهبط من 60 جنيها إلى ثلاثين فقط تصوروا الفارق كان يذهب لجيوب بعض الأشخاص، وبدأت وزارة الإنتاج الحربي في تنفيذ أول مصنع لألبان الأطفال هذا المصنع الذي سبق أن قلنا عنه أكثر من مرة، ولكن لا حياة لمن تنادي. المهم أن الحكومة تحركت ومن معيار الغيرة بدأت نقابة الصيادلة في تنفيذ مصنع للمحاليل الطبية الذي تعاني منه مستشفيات الحكومة نقصا، وبالطبع هذا النقص كان يتم استيراده بملايين الدولارات وكلنا يعرف أن نصف هذه المبالغ سيذهب لجيوب بعض الأشخاص من هنا فإنني أناشد القوات المسلحة أن تستعد لاستيراد الخضراوات والفواكة والحبوب لكسر احتكار الكبار الذي تعهد الرئيس السيسي في حملته الانتخابية بالقضاء عليهم، خاصة أن استيراد القوات المسلحة لهذه السلع سيضخها بنصف الثمن، لأننا نعلم جيدا أين سيذهب النصف الآخر من أموالنا. الحكومة ووزارة الدفاع حريصتان على المواطن وستره، ومن هذا المنطلق فإننا ندعم القوات المسلحة أن تفعل ذلك لأن تعاون القوات المسلحة مع المواطن سيدفع الحكومة والقوات المسلحة إلى الاحساس بأننا نعيش تحت سقف هذا الوطن الذي يحتضن الجميع. بصراحة هذا دور القوات المسلحة أن تحضر السلع من الخارج ويتولي البعض البيع للمواطن ولا أحد يقول إن الجيش يتاجر في السلع فهذا معروف أن سببه تجار الاحتكار وهؤلاء لا يلزموننا في شيء».
«جيش البيتزا الأمريكي»
وإذا كان البعض يستغرب مثل هذه الدعوة من جمال فقد أكدت زميلتنا الجميلة في «الوطن» نشوى الحوفي في اليوم نفسه أن الجيش الأمريكي ينتج البيتزا: «لم أتوقع أن يتسبب نشري لفيديو عثرت عليه على «يوتيوب» يتضمن تطوير الجيش الأمريكى للبيتزا بنوع خاص من البكتيريا لضمان بقائها طازجة لفترة طويلة، كل هذه الضجة من قبل المصابين بأرتيكاريا العداء للجيش، من دون أن يدركوا ببعض من التفكير رسالته التي يحملها، ومفادها أن الأمن الغذائي لأي جيش مسألة أمن قومي تصل إلى حد تطوير صناعة البيتزا في أمريكا، أو امتلاك مصانع للطعام كالمكرونة في مصر، وذلك لضمان توافر الطعام للجيوش وعدم تعرضها لأي أزمة. نشرت الفيديو على صفحتي بتعليق يقول: «الجيش الأمريكي يطور البيتزا لتبقى طازجة فلماذا لم يقل أحد إنه جيش البيتزا؟». لأدرك غياب البصيرة عن البعض وتعمد الإساءة لدى البعض الآخر والرغبة في الهدم لدى البعض الثالث، وكلهم بالنسبة لي «مساكين» استبسلوا في الدفاع عن درء التهمة عن الجيش الأمريكي وبإصرار غريب على اتهام الجيش المصري بأي شكل فأي منطق هذا؟ بالطبع صاحَب هذا أزمة ألبان الأطفال التي أراها أزمة حكومية جديدة تضاف لأزمات حكومة تفتقر للإعداد لقراراتها والتسويق لها وصياغة مفرداتها المعلنة عنها إلا أن حجم السخرية والتطاول الذي لم يطل الحكومة، بل انصب على الجيش المصري وكأنه مُدان لتدخله في إيجاد حل للأزمة».
معارك وردود
وإلى المعارك والردود التي بدأها يوم السبت في «الأهرام» الحكومية أحمد أبو روح بهجوم عنيف على النظام وحقيقة سياسته من جعل المصريين يعتمدون على الوظيفة فقال: «بدلا من تحرير السوق وتعديل قوانين الاستثمار وتهيئة الأجواء لمجتمع حر ومن ثم اقتصاد حر، تتجه الحكومة لتوسيع نطاق التوظيف. فكرة التعيين في الوظائف الحكومية لا تتعدى في نظر الحكومة منح أكبر عدد من المصريين معونات بطالة آمنة. في أوروبا يحصل العاطلون على المعونات الاجتماعية عندما يكونون غير قادرين على الحصول على وظيفة، لن تتسبب هذه الأموال في تحول العاطلين إلى المظاهرات أو بناء تنظيم سياسي أو التطلع إلى المجال العام، ببساطة لأن العمل العام متاح ومنفتح على الجميع. نظرة الدولة في مصر مختلفة تماما الموظف صار مسموحا له الذهاب إلى مقر عمله لقضاء ثماني ساعات من دون أن يفعل شيئا، لأن النظام لا يريده أن يفعل شيئا بقدر ما يريد ضمان أن هذا الموظف يقضي ساعات يومه تحت عين الدولة، الوظيفة الحكومية في مصر صارت بطالة خاضعة للتحكم من قبل الدولة التي لا تريد أن يملك الموظف ترفا من الوقت قد يدفعه للانتباه لحقوق أوسع، ومن ثم يتحول إلى عبء أكبر و«تهديد للأمن». وفقا لعقيدتها هل ستقضي تلك السياسة على أي إرهاصات قد تعيد أجواء يناير/كانون الثاني مرة أخرى؟ الإجابة لا ببساطة لأن المصريين لم يخرجوا ويطالبوا بإسقاط النظام حينها من أجل الحصول في النهاية على وظيفة حكومية، المشكلة هي أن الدولة لا تبدو مدركة لاحتياجات المصريين الحقيقية، ولم تقرأ بتمعن مطالب الناس التي دفعتهم إلى التظاهر.الأهداف السياسية لثورة 25 يناير ليس لها مكان اليوم في مصر، لأن النظام لا يبدو مستعدا لتحمل كلفتها، لكن ما لا تبدو الدولة قادرة على فهمه هو أن الثورة السياسية توقفت بالفعل، لكن الثورة الاجتماعية لم تتوقف. لم يعد المواطن المصري يفكر اليوم في المشاريع القومية التي تغذي إحساسا لديه بالاستقلال الوطني. البعد النفسي المكتسب من نموذج السد العالي صار من الماضي كل ما يسعى الجيل الجديد من المصريين للحصول عليه هو تعليم جيد وخدمة صحية معقولة وفرص متساوية قد تحقق له ذاته، فهِم المصريون أخيرا أنهم أول من يحتاج إلى التنمية في البلد».
حقل غاز جديد
والمعركة الثانية من «المصري اليوم» لزميلنا وصديقنا حمدي رزق وكانت ضد الذين لم يهتموا بكشف حقل غاز جديد بسبب أحقادهم فقال في عموده اليومي «فصل الخطاب»: «أخيراً خبر يشيع الأمل خبر مفرح «إيدن ميرفي» رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لشركات «شل» في مصر يعرب عن سعادته بالكشف الجديد، والنتائج التي ظهرت مؤخراً فيما يخص بئر «بي تي إي – 2» في الصحراء الغربية. الكميات المبدئية المكتشفة تقدر بنحو «نصف تريليون» قدم مكعب من الغاز مع مزيد من احتمال وجود احتياطي أكثر من الغاز، بما يضع هذا الكشف بين أكبر اكتشافات الغاز الطبيعي في الصحراء الغربية خلال السنوات الماضية. الحمد لله ربك رب قلوب ولن يضيعنا الله أبداً وجاء في محكم التنزيل: «فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» وإضافة إلى المأثور «صبر جميل» و«الصبر مفتاح الفرج» و«ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج» الفرج مقبل إن شاء الله، وبشر الصابرين. الحفاوة بمثل هذه الأخبار لن تعثر عليها على تويتر وفيسبوك جماعة المعارضين لا تتعاطى مثل هذه الأخبار الطيبة».
الحكم بالبوليس والمباحث
أما الثالثة فستكون من نصيب زميلنا وصديقنا إبراهيم عيسى رئيس تحرير المقال، حيث هاجم يوم الاثنين انتشار النفاق في مصر بدرجة يصعب تصديقها فقال: «تمتلئ مصر دائما بفيضانات من النفاق تجرف الحق والعدل في وجهها، وتزيِّن الطغيان والديكتاتورية وتتملَّق أفعالاً ظالمة على أنها قمة العدل، وتمتدح أفعالاً فاشلة على أنها قمة النجاح وتركع إعجابًا بأقوال عادية على أنها الحكمة المنزلة، وللنفاق في مصر أنواعه وأصنافه يتسق مع وضعه غير المسبوق، فهناك نفاق الاستقرار حيث ينافق البعض من أجل بقائهم على مكاتبهم وفي عزبهم نهابين وجائرين، ولأنهم يعرفون أن الولاء والطاعة «وكذلك النطاعة» هي التي أتت بهم فهم أحرص الناس على النفاق المغالى فيه والممجوج حتى يضمنوا استقرار مقاعدهم، ولكن ما نوع هذا الحكم الذي لا يعيش إلا بكل هذا النفاق؟ إنه الحكم بالبوليس والمباحث، بالسجن والتخوين والاتهامات بالتآمر والعمالة لمَن يفكِّر بشكل مختلف أو معارض. مصر كانت تنتظر حكمًا راشدًا لا يعتقد في نفسه العصمة من الخطأ أو يظن في عقله الكمال والاكتمال عن أى نقص لكنها ويا لحظِّها التَّعِس مكتوب عليها قطعان النفاق.
الفساد في البر والبحر
وإلى الفساد في البر، إذ لم يظهر حتى الآن في البحر بينما ملأ أرض مصر هي أمي ونيلها هو دمي من الإسكندرية شمالا إلى أسوان جنوبا لدرجة أدهشت زميلتنا الجميلة في «الأهرام» المحررة الاقتصادية الدكتورة سلوي العنتري، التي قالت يوم الأحد في مقالها الأسبوعي: «إذا كنت تستطيع دفع عشرات الملايين من الجنيهات في لحظة فكم يبلغ حجم ثروتك؟ سؤال لا بد أن يتبادر إلى الأذهان ونحن نتابع أخبار تحقيقات النيابة في قضايا فساد توريد القمح وحجم المبالغ المالية التي تم سدادها من جانب المتهمين، 219 مليون جنيه بالتمام والكمال سددها حتى الآن 3 متهمين فقط من بين أكثر من 12 متهما. ترى كم تبلغ ثروة هؤلاء الأشخاص؟ وكيف كونوها؟ وإذا كانت لجنة تقصي الحقائق بشأن مخالفات توريد القمح قد كشفت عن هذا الكم الهائل من الموارد المنهوبة في 12 موقعا فقط من إجمالي 135 موقعا للتوريد فكم يبلغ إجمالي ما تم نهبه؟ وهل يمكن أن تصل المبالغ وفقا لتقديرات البعض إلى 6 مليارات جنيه؟ ما هي شبكة المصالح التي تربط المتهمين بالمسؤولين التنفيذيين؟ وإذا كان وزير التموين الأسبق الدكتور جودة عبد الخالق قد أبلغ عن مثل هذه المخالفات خلال العام الماضي فلماذا صنعت الأجهزة الرقابية أذنا من طين والأخرى من عجين ليتم تكرار النهب باستخدام الآليات نفسها خلال العام الحالي؟ طبعا نحن لا نعرف ما إذا كانت المبالغ المسددة تمثل كامل الأموال التي تم الاستيلاء عليها أم مجرد جزء منها؟ ما نعرفه أن السداد يتم في إطار عمليات التصالح في جرائم الإضرار بالمال العام».
غياب التنظيم والمتابعة
وفي اليوم التالي الاثنين ساندها زميلنا وصديقنا في «الأخبار» ورئيس تحريرها الأسبق جلال دوديدار بقوله في عموده اليومي «خواطر» في الصفحة الخامسة: «الشيء المؤكد أن الفساد وغياب التنظيم والمتابعة والرقابة تعد من الاسباب الرئيسية لاستفحال هذه الظاهرة المتكررة. أن المتربحين من ورائها يتفنون لتحقيق هدفهم بمساعدة الفاسدين المتجردين من الضمير وكل القيم الاخلاقية في الأجهزة الحكومية وغير الحكومية، قد تكون أي سلعة من سلع هذه الأزمات ومنها لبن الاطفال متوافرة ولكنها تختفي فجأة نتيجة الفساد وسوء التداول والتوزيع المتعمد».
التمسك بالخسارة
ومن «الأخبار» إلى «المصري اليوم» في يوم الاثنين ذاته، وقيام صاحب الجريدة ورجل الأعمال صلاح دياب الذي يكتب عمودا يوميا في الصفحة الخامسة بعنوان «وجدتها» يوقعه باسم نيوتن بنشر رسالة من المهندس صلاح حافظ قال فيها مدافعا عن وزير التموين المستقيل الدكتور خالد حنفي: « أكتب إليك هذا التعليق ردا على ما كتبه الأستاذ سليمان جودة، وهو يُعتبر من الكتاب القلائل الموضوعيين الذين أحترمهم، فهو لم ينجرف لما انجرفت إليه الغالبية من النفاق والظلم والحنجورية، ومواقفكم ثابتة تقف على أرضية من الأمانة، ولذلك أردت أن أصحح معلومة بعيدة عن قضية فساد القمح، وأحب أن أذكر أنني لا أعرف وزير التموين ولم أسمع عنه إلا بعد أن أصبح وزيرا. لقد أثار الأستاذ (سليمان) تساؤلا عن عدم منطقية تكلفة الوزير التي أعلنها، ولكن هنا أحب أن أوضح أن ما يُدفع في الغرف يوميا غير ما يُدفع أسبوعيا غير ما يُدفع شهريا أو سنويا. ولو حاولت سيادتكم الاتصال بعدة فنادق خمسة نجوم، وطلبت منها أسعار الغرفة لسنتين فسيتسابقون على تقديم أرخص الأسعار في ظل ظروف السياحة المؤلمة وضعف نسبة الإشغال، فـ500 جنيه يوميا مضمونة تعني للفندق 180000 جنيه سنويا، فلا أعتقد أن هناك مدير فندق عاقلا يفوت هذه الفرصة، ولقد سمعنا كثيرا عن حصول شركات على غرف في الفنادق 5 نجوم بـ15 دولارا لليلة. هذا تعليق بسيط ولا يخص موضوع القمح قررت أن أقوله حينما رأيت السكاكين تنهال على الرجل.
أما موضوع القمح فلا أفهم لماذا نصر على خسارة 5 مليارات جنيه فرق سعر بين القمح المستورد والمحلي، وبالذات ونحن فى هذه الحالة الاقتصادية المزرية، فهل يُعقل أن تشتري بضاعة بضعف الثمن من أخيك بدلا من السوق لمجرد أنه أخوك، وأنت فقير مدقع وتستلف لتشتري؟ هذا كلام غير منطقي، ولنترك حجج السلع الاستراتيجية على جانب. وهناك اقتراح آخر لكشف التلاعب لأنه إذا أثبتت الصوامع كميات أكثر مما ورد إليها فلكي تزن حساباتها فلابد أنها ستبيع الكميات التي أثبتت أنها دخلت وتدفع ضرائب عليها، فحتى يتم تجنب اللغط الدائر في حساب الكميات لماذا لا تقوم الحكومة بوضع عدد من الأفراد حتى من القوات المسلحة على كل صومعة وشونة لمراقبة البيع، والتأكد من عدم ورود أي كميات مستوردة، وهنا تستطيع سجن المتلاعب بالدليل القاطع، وفي الوقت نفسه الحصول على كل ما دفعته بسبب التحايل كدعم للفلاح، ويكون ذلك رادعا لكل مَن تسول له نفسه التلاعب؟ وعلى فكرة عدد الشون والصوامع ليس كبيرا، فهي بالمئات، وبذلك لن تمثل عبئا كبيرا».
رجال مبارك
وإلى رجال مبارك حيث شن زميلنا محمد علي إبراهيم رئيس تحرير «الجمهورية» في عهده في مقاله الأسبوعي يوم الاثنين في «المصري» أعنف هجوم ضد الرئيس السيسي بمناسبة الجدل في وسائل التواصل الاجتماعي حول إجراء استفتاء على استمراراه لفترة حكم ثانية وقال: «قبل عامين لم يكن هناك استفتاء على الرئيس عند مجيئه للحكم لكن في 2018 من المؤكد أن الشعب سيطلب برنامجا وشروطا لتجديد الثقة في الرئيس. الظروف التي جاء فيها السيسي لمنصبه تختلف عن تلك التي سيترشح فيها المصريون. تغاضوا عن برنامج للعدالة الاجتماعية وإصلاح التعليم والرعاية الصحية وتحقيق المساواة في سبيل هدف أهم وهو إنقاذ الوطن ممن اختطفوه. من ثم جاء الرئيس على حصانه الأبيض وحقق الحلم، نعم أنقذ مصر من الأخطار والمؤامرات لكنه مطالب الآن أن ينقذها من الإفلاس والفقر والبطالة والمرض والتمييز الطبقي وقبل هذا كله وبعده أن يقضى على الفساد الذي صار وحشا طليقا ينهش لحمنا ويشم هواءنا ويلتهم أرزاقنا ونحن له طائعون وقانعون بما يلقيه لنا من فضلات يتفضل بها علينا من حين لآخر. من المؤكد أن الرئيس السيسي لم يمارس السياسة من قبل، ليس ناصر أو السادات ربما يكون أقرب إلى مبارك، لكن الأخير شرب الكثير من السادات خلال عمله نائبا، وكلف الراحل العظيم أسامة الباز بتدريبه سياسيا بصورة مركزة، تلقى «كورسا» سياسيا مكثفا تخللته امتحانات ساداتية لقدرات مبارك، كان أهمها توسطه في حل نزاع الصحراء المغربية بين الملك الحسن الثاني وهواري بومدين عام 1977. عرف مبارك أنه لابد كي يحكم أن يتعلم وظل في هذه المرحلة حتى عام 2000 إلى أن تصور أنه أحاط بكل شيء علما، ساعده خبراء سياسة واقتصاد واجتماع. من ثم كنا نعرف الفريق الرئاسي الذي يجهز المائدة للرئيس، مرجعيتهم السياسية والثقافية وخلفيتهم الاجتماعية، إن رجالا مثل أسامة الباز ومصطفى الفقي والسفيرين رضا شحاتة وسليمان عواد وأساتذة اقتصاد واجتماع مثل د. إسماعيل صبري عبد الله وصبري الشبراوي وقانونيين كمفيد شهاب ومحمد الدكروري وبرلمانيين مثل فتحي سرور وحسام بدراوي، هؤلاء كانوا نخبة الرئيس، والأهم أنهم كانوا يجتمعون «علانية» مع الرئيس لمناقشة القضايا المهمة. هذه نقطة مهمة جدا فقد حدث مثلا أيام ترشح مبارك عام 2005 أن كان المستشار ممدوح مرعي «وزير العدل في ما بعد» منسقا قانونيا لحملة الرئيس التصادم بين رأيه وآراء من يحاولون مجاملة الرئيس كان حادا وعنيفا بخصوص النفقات والتنقلات، وكان مبارك ينحاز لرأيه دائما بعد أن يسمع الجميع مفاتيح الحل لمشاكل مصر ليس في كتب هيكل وأنيس منصور وموسى صبري، ولكنها في كتاب آخر نسيناه مع انتخاب البرلمان اسمه «الدستور» علينا أن نقرأه جميعا شعبا وحكومة وبرلمانا ورئيسا بنية تطبيقه وليس بغرض اكتشاف ثغرات تتيح لنا تعديله. سيادة الرئيس قبل أن تترشح بعام أطرح علينا برنامجا لإعادة البسمة والأمل والتفاؤل والاطمئنان على مستقبل الأجيال القادمة، بشرط أن يكون قابلا للتنفيذ وشاملا مواعيد لسداد القروض وإصلاحا تشريعيا وبيانا بمصانع جديدة وأخرى يعاد فتحها استثمارات وتنمية حقيقية ساعتها يا سيدي سندرك أننا انتقلنا من مرحلة الوهم إلى منطقة الأمل عندئذ لن تجد أصواتنا فقط في انتظارك ولكن تسبقها قلوبنا».
لا حل لمشاكل مصر إلا داخل مصر
أما زميله طارق حسن رئيس تحرير «الأهرام المسائي» في عهد مبارك فقد فضل الابتعاد عن مهاجمة الرئيس واهتم بالوضع الاقتصادي وخطورة أزمته وقرض صندوق النقد الدولي وقال: «لا حل لمشاكل مصر إلا داخل مصر ذهبنا مرات من قبل إلى صندوق النقد الدولي وعدنا، أعطينا المستثمر الأجنبي مميزات عديدة ومازلنا نبحث في مميزات إضافية، بتنا نتناقش نمنحه الجنسية أم لا؟ أخذنا معونات وقروضا كثيرة، طالتنا المنح كل هذا وغيره والديون تتضاعف. الأزمة الاقتصادية تثقل كاهلنا يوما بعد يوم ظهورنا انقصمت من صعوبة العيش، صار مؤكدا أنه لا حل بهذه الطريقة، لا حل لنا في الخارج لا حل لنا من الخارج لا أعرف لماذا نتوجه للخارج، بينما الحل لدينا هنا في الداخل، لا حل إلا بالانعتاق من نظم البيروقراطية، مثل هذه النظم انتهت صلاحيتها وباتت أزمة مفسدة ولا حل لنا إلا بإعادة ترتيب نظم الداخل السياسية والاقتصادية والاجتماعية بأسس الدولة الحديثة، بنظام إدارة المجتمع الذاتية الحرة لشؤونه الوطنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية».
المطالبة باستعادة الأموال المنهوبة
وكان لافتا أنه في يوم الاثنين نفسه ألقى الرئيس كلمته أمام قمة العشرين في الصين وفيها جزء وكأنه كان يرد فيه علي رجال مبارك من دون أن يقصد عندما طالب دول العالم بمساعدة مصر في استعادة أموالها المنهوبة ويقصد بها أساسا أموال مبارك وأسرته وبعض مسؤوليه في سويسرا وقال نصا نقلا عن «أهرام» أمس الثلاثاء: «تناول الرئيس في كلمته موضوع مكافحة الفساد بالنظر إلى ما يمثله من أولوية لمصر، حيث رحب بخطة عمل المجموعة في هذا المجال للعامين المقبلين، التي تتسق مع الجهود التي تهدف إلى تفعيل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وأكد الرئيس أهمية أن تتضمن جهود تنفيذ خطة عمل المجموعة موضوع استعادة الأموال والأصول المنهوبة التي تعاني منها مصر بشكل خاص».
طبعا هذه الأموال والأصول ليست موجودة داخل مصر وإلا لاستعادتها إنما في الخارج فهل ستضغط الأمم المتحدة على سويسرا بالذات لإعادة أموال مبارك وأسرته وبعض رجاله.