الفضيحة سياسيّا: القفز بين اللغم وانفجاره

كلّ ما يقال عن الفضيحة لا يعدو كونها ظاهرة اجتماعيّة عرفتها المجتمعات كلّها منذ آلاف السنين؛ فهي من المكرور المعاد، إذ هي تنهض على إحكامات وتراتيب تجري في الزمن على نحو ما تجري مختلف مفارقات الوجود البشري. ولعلّ فيها من أسرار النفس ودخائلها وخفايا المشاعر ما يحول دون إخضاعها لأسلوب العلم والمنطق، خاصّة إذا كان المفضوح شخصيّة شديدة الأثرة أو عرف عنها تحفّظها وانصياعها للقانون وعدم تحلّلها من القيود؛ في مجتمع متماسك أو شديد الشعور بوحدته. ففي هذه الحال يكون للفضيحة دويّ بعيد لا يخفت إلاّ باعتذار المفضوح أو محاكمته وربّما انتحاره. وأمّا في المجتمعات التي تفترق شيعا ومذاهب، حيث هامش الحرية المتاح يضيق بالرأي والرأي المخالف أو المختلف؛ فهناك دائما من يبرّر الفضيحة أو يجد لها مسوّغاتها، ويجد المفضوح في حمى حزبه أو طائفته ملاذا لشذوذه ونزواته وجريمته في حقّ الدولة والناس.
على أنّ الفضيحة لم تدرس علميّا بعد؛ ومفهومها غير واضح تماما، بل لا أثر له في دائرة العلوم الاجتماعيّة، ولا في معجم لالاند وغيرهما؛ والمراجع بشأنه من الندرة بمكان، ولعلّها لا تعدو أكثر من مقال للفيلسوف الفرنسي رونيه لوسان (1882ـ 1954) في كلامه على فلسفة القيم، وكتاب لعالم الاجتماع الدانماركي سفاند رنولف (1894ـ 1953). وقد تكون العربيّة في السياق الذي نحن به، أدلّ وأنمّ لغة من الفرنسيّة مثلا؛ فالفاء وَالضاد وَالْحاء كما جاء في مقاييس ابن فارس تدلُّ عَلى انكشاف شَيْءٍ، وَلَا يَكاد يقَال إِلَّا فِي قَبِيحٍ، أو عَلى لَوْن غيرِ حسَن أيضا. أمّا في الفرنسيّة فالكلمة Scandale على ما يرجّح سنسكريتيّة الأصل أو هي مشتقّة من لغة البراهمة. واستعملت في اليونانيّة في سياق يختصّ بالكتاب المقدّس؛ وتعني الفخّ والمكيدة والحيلة، واستعاريّا الإهانة والإساءة والقدح والخطيئة. وثمّة عبارة مسيحيّة مأثورة «إلهنا، اغفر لنا خطايانا» تعزّز هذا الشرح الذي يجعل الفضيحة قرينة الخطيئة أو الزلّة. ثمّ كان تحوّل الكلمة مع اللاتينيّة وما تفرّع عنه من معان مثل العثرة والزلّة والهتيكة والعار والخزي، وكلّ ما هو فاضح شائن يثير الاستنكار والحنق والغضب.
كان لا بدّ عندئذ من استدعاء الذات كلّما تعلّق الأمر بمثل هذه الفضائح الخاصّة الفرديّة. لكن على أيّ نحو يتمّ هذا الاستدعاء؟ ما يسوّغ سؤالا أو طرحا كهذا، هو كون الذات تَمثُـلُ على أنحاء عدّة: تَمثلُ حدّا فلسفيّا لعلاقة الإنسان بالعالم وبالآخر، وتَمثل كيانا بسيكولوجيّا يميّز فردا أو جماعة، وتَمثلُ هويّة لتخصيص فرد أو جماعة من جهة قانونيّة أو اجتماعيّة أو غير ذلك. أمّا سياسيّا، وليس الغرض من هذا هو سرد جملة من الفضائح السياسيّة، والفضائح تتغيّر، ووسائل الإعلام أيضا، ولكن الآليات الاجتماعيّة، تظل هي هي؛ وإنّما الإشارة إلى الأحداث والظروف التي تجعل من القضية القانونية فضيحة دولة. فالفضيحة هي فضيحة السلطة التي تنعت بـ «الرّمزيّة» من حيث هي معنى وامتلاك في آن وحفظ ذات ومحافظة على كيان واحتفاظ بتراث واستبقاء رمز.
كيف تنكشف الفضيحة؟ أعني الفضيحة السياسيّة فضيحة الشخصيّات المشهورة لا فضائح الأفراد العاديّين الذين تنكشف مساوئهم فجأة؛ ويبسط فيهم الناس ألسنتهم بالسوء زمنا؛ ثمّ لا يتبقّى منهم، وقد يصلح أمرهم؛ سوى الفضيحة بعد أن يطوي النسيان كلّ شيء.
  قد يكون من الصعوبة بمكان أن نقرّر متى تبدأ فضيحة ما، ومتى تنتهي أو يهدأ اللغط حولها. والفضيحة مخالفة جسيمة يكتشفها شخص (صحافيّ عادة) أو أشخاص، يندّدون بها، ويوجّهون إصبع الاتهام إلى القائم أو القائمين بها. ولعلّ أسلوب الفضح أو مكانه أو توقيته أشدّ وقعا وأثرا من المخالفة في حدّ ذاتها. ويضاف إليه ردّ الفعل الاجتماعي، وتحريض الناس؛ فهذا أيضا كثيرا ما يحجب عن المخالفة، أو يضعها في مرتبة أدنى.
 تُطرح الفضيحة عادة مثل أيّ لغز محفوف بغموض ما، أو تحوم حوله شبهات. وهي تَطول كل ميدان فقد تكون فنيّة أو أدبيّة أو رياضيّة أو دينيّة أو جنسيّة أو طبيّة أو اقتصاديّة.
كلّ فضيحة هي فضيحة نظام يعمل بشكل سيئ، إذ يفلت الجاني من العقاب، ويدان بدلا منه الأبرياء، أو لا ينكشف أمره إلاّ وقد أتى على معالم جريمته وقرائنها، أو جعل الحكم عليه من أمر قناعة القاضي الوجدانيّة. الفضيحة السياسيّة هي دائما فضيحة أسماء محفورة في ذاكرة الناس، يكون قادحها شخصيّة معروفة؛ ثمّ تكبر الفضيحة مثل كرة الثلج وهي تتدحرج من أعلى القمّة، أو بقعة الزيت في البحر؛ كلّما كانت الشخصيّة ذائعة الصيت، وتتداعى الأسماء أسماء المشهورين الذين طالتهم أو أدركتهم هذه الفضيحة أو تلك؛ بعد نجاح باهر عادة. ويكون للفضيحة صدى بعيد ودويّ يثير استنكار الرأي العامّ. وهكذا تبدأ أسرار مثيرة تنكشف وتبرز للعيان، تعزّزها قرائن ووثائق وشهادات.
قد تخدعنا الفضيحة، وقد تموّه علينا، وبخاصّة كلّما تجاذبها خصوم «المفضوح»، وتجافى كثير أو قليل منهم عن أمانة النّقل وصدق التّحرّي، واسترسلوا مع نزعات النّفس ونوازع التّحيّز؛ فيتلوّن الموضوع بمزاج فاضحه أو ناقله، وقد أسبغ كلّ عليه من نفسه وفاض. وربّما قطعوا بهذا الصّنيع علاقة بيننا وبين القضيّة المطروحة، واجتذبونا إلى علائق خاصّة بهم. ومثلما قد يخفي قطار قطارا آخر، فقد تخفي فضيحة فضيحة أخرى أو هي تحجب عنها.
ولكن ينبغي أن نحذر التعميم فأمر الفضيحة السياسيّة يتوقّف على ملابسات شتّى. هي في جانبها الأظهر تفاوت بين المبادئ والتصرّف «عرفاني» أو يمكن الوقوف عليه ومعرفته وإدراكه، وتكون له عواقبه السياسيّة والقانونيّة، فيتهاوى سياسيّون إلى الحضيض أو يسجنون أو ينتحرون. وقد تسنّ قوانين جديدة للحيلولة دون تكرار الفضيحة. وهذا وغيره، إنما يذكي الحاجة إلى قيام نسق من القيم الجديدة، حتى لا تكون «نهاية التاريخ» المزعومة نهاية الأخلاق، على نحو ما نرى في هذه الفضائح التي صارت تبدهنا بالجملة والتفصيل في السياسة وغير السياسة.
والقيم لا تنشأ إلاّ بفعل الإرادة الذاتية الواعية، وأنه من السذاجة أن نأخذ بالتصور القديم الذي لا يزال بعضنا يأخذ به في أنّ الناس على دين ملوكهم، فنتوهّم أن مشكلة مجتمعاتنا في سلوك الحاكم الأخلاقي؛ وليست في نوع الحكم القائم، أي في التنظيم السياسي حيث يسري القانون على الجميع من هرم السلطة إلى رجل الشارع.
 والفضيحة السياسيّة إنّما مردّها إلى الأخلاق بالمعنى الواسع للكلمة بما فيها الأدبيّات أو علم الواجبات الأدبيّة [الدينتولوجيا] مثل واجبات الطبيب نحو زملائه ومرضاه، أو واجبات الأستاذ نحو زملائه وطلبته وخاصّة الإناث منهم. وهذه مُدمجة في العادات والأعراف والتقاليد أو هكذا يفترض. وهي بمثابة «مستودع» تستمدّ منه السياسة أفكارها. من ذلك أن العدالة والمساواة والحرية والإخاء والنزاهة كلها قيم أخلاقية، ولكن يُفترض فيها، عندما تنتقل إلى السياسة، أن تتحول إلى قوانين ملزِمة؛ تتحكّم فيها ثنائيّات، مثل الثنائيّة القانونيّة حيث المواطن هو في الوقت نفسه مشرّع وموضوع تشريع، والثنائيّة السياسيّة حيث المواطنة تكون في ذات الآن مبدأ وممارسات، والثنائيّة التاريخيّة حيث المواطنة مؤسّسة وصيرورة، والثنائيّة الجيو ـ مؤسّاساتيّة حيث المواطنة تتطوّر على الصعيدين المحلّي والكوني، والثنائيّة المؤسِّسة أو المنشئة لفكرة المواطنة. وكلّ منّا شخص «مجرّد» أي هو يتولّى تجريد خصوصيّاته التاريخيّة والإثنيّة والاجتماعيّة والجنسيّة؛ من أجل المساهمة في إنتاج قانون أو اتخاذ قرار يلبّي المصلحة الكونيّة. وكلّ منّا يمارس السلطة في دولته لأنّه يرتقي إلى مستوى مصلحة الشأن العام. على أنّ هذه الممارسة تجري دائما في إطار شروط مخصوصة وفي وسط مخصوص. ذلك أنّ كلّا منّا ينخرط بالضرورة في ممارسات اجتماعيّة، وفي صيرورات تاريخيّة مفردة أو مخصوصة.
  إنّ الفضائح ــ على غرابتها ــ أحيانا ولا نكاد نصوّب في ناحية منها؛ حتّى تلوح لنا أخرى أشدّ غرابة وقتامة؛ ليست كلّها صورة منعكسة من تدهور القيم أو من تاريخ قلق مجهود، ولا هي ذوتْ أو فترتْ في فترات من التّاريخ، ضربت فيها الفوضى، أو جرَتْ فيها الحياة رضيّة مذلّلة أو لم تجْر.
يرى عالم الاجتماع بيير لاسكوماس أنّ هناك ثلاثة مستويات هي من الخطورة بمكان، يمكن أن تتّخذها الفضيحة. أوّلها المشكل حيث انتهاك السنن يكون محدودا أو ضعيفا، ولا توقّع لردّ فعل جماهيريّ. وثانيها القضيّة حيث المسؤوليّة غير مؤكّدة، والمكاسب غير المشروعة محتملة. وثالثها الفضيحة حيث المسؤوليّة بيّنة، وردّ الفعل الجماهيري مهمّ.
ومع ذلك فما أكثر ما تكون للمفضوحين سياسيّا في مجتمعاتنا وفي المجتمعات الأخرى، براعة البهلوان؛ حتّى أنّهم يقفزون بين اللغم وانفجاره، كما يقول شعرنا الشعبي التونسي.
*كاتب تونسي

11RAI

الفضيحة سياسيّا: القفز بين اللغم وانفجاره

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية