كانت الثورة الفلسطينية خسرت جميع أوراقها وهي تتوجه إلى طاولة المفاوضات في مدريد شتاء 1991، والخسارة الكبرى أتت في سقوط صفة الثورة عن الفعل الوطني الفلسطيني بخروج الفلسطينيين من بيروت صيف 1982، بينما أهمل المفاوضون الفلسطينيون ورقة الانتفاضة الباسلة لدى دخولهم إلى قاعة التفاوض، فالجميع في فلسطين كان يعايش الإحباط والتعب بعد أن أتت مغامرة صدام حسين في الكويت لتهدر مكتسبات الانتفاضة التي تمكنت من ترميم بعض الخراب العربي الذي عمقته المواقف العاجزة أمام البلطجة الاسرائيلية الممتدة من قصف مفاعل تموز العراقي 1981 إلى مجزرة حمام الشط بتونس 1985، وينضاف لذلك الاعتداءات الروتينية على الجنوب اللبناني.
الثورة تحولت إلى بيروقراطية الأجهزة والقطاعات وأصبحت توازناتها مبنية على علاقات ياسر عرفات مع مجموعة من العواصم العربية، والانتفاضة كانت معركة غير متكافئة تصدى لها أبناء الشعب الفلسطيني ودفعوا ثمنها غالياً بتفكيك أنماط معيشية استقرت منذ 1967 دون أن يحصلوا على أي مقابل.
فلسطين الداخل لم تكن جزءاً من الثورة الفلسطينية بالقدر نفسه الذي لم تكن منظمة التحرير هي الحاضنة لانتفاضة الأرض المحتلة 1987 – 1991، وكان الجانب الإسرائيلي يدرك هذه الوضعية، ويجيد التلاعب بها خاصة بعد اتفاقية أوسلو 1993 التي ألقت بالفلسطينيين في غمرة سلام منفرد وغير متكافئ وسقف طموحات منخفض للغاية، الأمر الذي أدى إلى تتابع التنازلات الكبرى سواء من الفلسطينيين مباشرة أو من خلال المبادرات العربية المختلفة، والأخطر من ذلك بالطبع تبرير هذه النوعية من التنازلات، فالفلسطينيون اليوم يطمحون إلى الاستقرار عند الحدود الدنيا التي تتطلبها الحياة الإنسانية.
الفلسطينيون كانوا يطمحون إلى دولة مستقلة ذات سيادة تمارس الديمقراطية بحيث تصبح نموذجاً يصلح لمواجهة اسرائيل، وربما إحراجها، ومنذ اللحظة الأولى كانت الإرادات الفلسطينية تدخل في صراع متواصل، الثورة الفلسطينية في مواجهة فلسطين الانتفاضة، متقاعدو الفكهاني والشياح وبيروقراطية الثورة في مواجهة جيل معتقل كتسيعوت الصحراوي ومنفى مرج الزهور الارتجالي، وفي النهاية، يحصل الفلسطينيون على سلطتين غير شرعيتين، متقادمتين ودون مستقبل تقريباً.
تعاني العقليتان المتزاحمتان في فلسطين وعليها من عيوب جوهرية تتطلب ربيعاً فلسطينياً متأخراً، فالسلطة الوطنية لم تجعل من فلسطين نموذجاً واستوردت كل عيوب وموبقات السلطة في الدول العربية، بينما كانت (حماس) ما زالت تحتفظ برصيد معقول في الشارع الفلسطيني، وتستطيع أن تستوعب التراجع في شعبية السلطة، وجاءت لحظة الحقيقة مع الانتخابات النيابية 2006 لتؤشر على خلل تواصل لنحو عقد من الزمن كانت حركة فتح تنفرد فيه بالسلطة السياسية، وتفرض عقليتها الفصائلية ونظرتها الغنائمية على المشهد الفلسطيني، وحتى (الألفا) بين رجال السلطة سلام فياض الذي قدمته حركة فتح بوصفه الوجه الجديد المتعلم والمنفتح خلافاً لصورة (الثورجي)، فإن تركيزه انصرف على مظاهر المشكلة دون العمل على تفكيك أزمتها، وعلى الرغم من واقع سيىء للغاية بعد مجيئه رئيساً غير شرعي لحكومة السلطة في رام الله، فإنه توجه إلى البحث عن تمويل لبناء المقرات الأمنية للعديد من الأجهزة المتصارعة والتي كانت فصول المواجهة في غزة مرتبطة أصلا بتعددها وما أنتجه من صراعات، وبالطبع، فإنه لم يستمع لنصائح كثيرة بالعمل على إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وكان ظهوره في المرحلة الأخيرة ينحصر في مناسبات مثل تدشين أطول سدر كنافة أو أكبر صحن حمص.
حماس حصلت على السلطة دون أن تكون مستعدة لها، وبالطبع لم يكن أمامها أي فرصة للتراجع، الجميع كان يعرف أن الأوضاع في الضفة وغزة كانت على حافة الهاوية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، ويبدو أن سقف طموح حماس كان ينحصر في القدرة على المناكفة أمام تفرد (فتح) بالسلطة ومسؤوليتها الواسعة عن تراجع ملحوظ.
السلطة كانت متمسكة بالجانب الأمني وحاولت أن تدفع حماس للصراع على أساس الأرضية الأمنية، وتنطح لإنقاذ فتح المجموعة نفسها التي أسقطتها شعبياً ووصلت بالأوضاع إلى مفترق الانفصال والإنكار المتبادل بين سلطة رام الله وحكومة غزة، وهو الوضع الذي يعيد الفلسطينيون تدويره خلال السنوات الماضية، وتستثمر اسرائيل في المقابل مع تغيب الشرعية في الجانب الفلسطيني، فالرئيس وحكومته انتهت صلاحيتهم من فترة طويلة، وحتى لو أجريت انتخابات جديدة فما الذي يمكن أن تسفر عنه؟ تبادل للمواقع أم تحاصص للغنائم؟
المدخن في فلسطين عليه أن يدفع الضريبة لإسرائيل وللسلطة ويدخن بتكلفة تفوق نظيرتها في بعض الدول الأوروبية، ولكنه في المقابل غير متأكد من حصوله على راتبه في نهاية الشهر، هكذا تحدث أحد الأصدقاء وهو ينفث من سيجارته مؤكداً أن التدخين يلتهم حصة كبيرة من دخله، وكل ما يراه من عوائد الضرائب، في حالة أفرجت عنها اسرائيل هو المزيد من المظاهر الأمنية، هذه الوضعية دفعت العديد من المعلقين الفلسطينيين للحديث بصراحة عن استغلاق الأفق أمام الفلسطينيين، فأحمد جميل العزم يصرح من مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية بأن السلطة «لم تعد إنجازا بقدر ما صارت عبئا على الشعب الفلسطيني» مع إشارة منه للأزمة الفتحاوية في عدم الرغبة وربما القدرة للفصل بين التنظيم والسلطة.
لبيب قمحاوي كان أكثر صراحة، وأعتبر أن السلطة أساءت للقضية الفلسطينية أكثر مما فعلت اسرائيل، وأعلن رؤية للتحول من تحرير الأرض الذي لم يجن منه الفلسطينيون سوى أشلاء مبعثرة يديرونها بالنيابة عن اسرائيل ولمصلحتها، إلى تحرير الإنسان الفلسطيني على أرضه من خلال معركة سياسية مع اسرائيل لإقامة دولة ديمقراطية واحدة متعددة الأجناس والأعراق والأديان على أرض فلسطين التاريخية، وتساءل قمحاوي عن السبل الممكنة للتخلص من السلطة «وإجبار إسرائيل على ممارسة دورها بشكل مباشر كقوة إحتلال تتحمل المسؤولية الأدبية والأخلاقية والقانونية على المناطق المحتلة وعلى ما يجري للفلسطينيين من مآس».
تتصاعد هذه الأصوات النخبوية في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن ترتيبات لتسوية فلسطينية – فلسطينية برعاية تركية، وأخرى فلسطينية – اسرائيلية لا يمكن وصفها إلا بمزيد من الوقت الذي تكسبه اسرائيل، ويدفع ثمنه الشعب الفلسطيني الذي استطاع خلال عقود قليلة من بناء نخبة فكرية مرموقة لم تستطع للأسف ممارسة دورها على الميدان الذي احتكره أنصاف المتعلمين من منتسبي الأجهزة الأمنية والتنظيمات الحركية، والحاجة تبدو ملحة لحركة شعبية فلسطينية تحمل مواصفات الثورة وتقنيات الانتفاضة لتتمكن من تأسيس مرحلة من الفرز التي ستفضي لأن يلقي الشعب الفلسطيني عن كتفيه بكل ما يثقله من منتفعين ومرتزقة، وذلك يلزمه من أجل الدخول في مواجهة جديدة مع الاحتلال ضمن شروط أخرى وبالتحرر من الشروط المذلة التي فرضت بمنتهى الرعونة والعشوائية من قبل السلطة بوجهيها لمجرد الاحتفاظ بأضواء الكاميرات وازدحام الميكروفونات على المنصات أمام سياسيين غير مؤهلين وانتهت صلاحيتهم عملياً ونظرياً على السواء.
صورة جمل المحامل لم تعد لائقة بالشعب الفلسطيني في المرحلة القادمة، والمعركة تحتاج وجوهاً جديدة، وفلسطين لن تجري محاصرتها في كانتونات اصطنعتها أوسلو وما وراءها، ففلسطين هي ذلك الكيان الذي يمتد ويتنوع ويتفاعل أينما كان الفلسطينيون في شتاتهم ومنافيهم، وبذلك تكون الحاجة ملحة وطاغية إلى كينونة سياسية جديدة تستطيع أن تعبر عن ربيع فلسطيني تأخر كثيراً.
٭ كاتب من الأردن
سامح المحاريق