للنائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي مواقف شجاعة، كان آخرها تمزيقه لمشروع قانون حظر الأذان، أو خفضه، كما خففت من حقيقة الأمر وهونت منه وسائل إعلام أوروبية مثل «بي بي سي».والأمر كذلك ينطبق على النائبة حنين الزعبي.
وبالطبع فلا أحد يمكنه أن يشكك في الانتماء العروبي والفعل الوطني لمن جرت العادة على وصفهم بعرب 1948 أو عرب إسرائيل، إلا أن سؤالاً يظل يطرح نفسه ويواريه الكثيرون تحت دعاوى مختلفة لا تخرج عن الحرص المتكلف، وربما المبتذل على اللياقة والأدبيات الاعتيادية في مواراة المشكلات في الثقافة العربية ومداراتها، وذلك السؤال يتمثل في السبب الذي يدفع الطيبي وغيره من النواب لأن يشتبكوا مع الحياة السياسية في (اسرائيل) لدرجة وصولهم إلى الكنيست.
الحجة أنهم يدافعون عن مصالح ناخبيهم من عرب (اسرائيل) أو عرب 1948، وأنهم يتمسكون بمبادئهم، ويواجهون الغطرسة الاسرائيلية في (بيتهم، الكنيست ذاته، على حد تعبير الرئيس المصري السادات في خطابه المفاجئ والصادم سنة 1977)، ولكن لمجرد الوقوف وراء المايكرفون في الكنيست، فإن الأعضاء جميعهم يقسمون بالولاء لدولة (إسرائيل)، بمن فيهم بالطبع النواب العرب، فهل يمكن أن تندرج كل المواقف والمعارك التي يؤديها النواب العرب في الكنيست تحت تصنيف الباطل الذي هو كذلك من حيث استناده إلى باطل آخر؟
عملياً لا يمكن لأحد أن يزعم تفهمه الكامل لشخصية الأجيال الجديدة من عرب 48، ربما كان الأمر ممكناً مع الأجيال الأولى التي أنتجت مقاومين من طراز غازي السعدي، الذي تعرض للحبس لسنوات قبل أن يرحل إلى الأردن، ويحصل على جنسيتها ويؤسس دار الجليل التي قدمت مجموعة من أهم الترجمات حول (إسرائيل) والحركة الصهيونية، ولكن الأجيال التي أتت بعد ذلك تبقى بعيدة عن الفهم المتاح لبقية العرب، بمن فيهم فلسطينيو الأراضي المحتلة 1967 الذين يفترض أن تماسهم مع عرب 48 يجري على أساس يومي تقريباً، وإلى حد بعيد فإن الكتلة المثقفة من عرب 48 لم تعد تقدم شخصيات من طراز توفيق زياد، أو إميل حبيبي وسميح القاسم ممن استحوذوا على اهتمام عربي في الستينيات والسبعينيات، ومن الصعب اليوم أن توزن عوامل التواصل بين عرب 48 ومحيطهم العربي الأشمل على أساس أسبقية تطلع عرب 48 لذلك المحيط، أو رغبة العرب في أداء دور تجاه من تبقى من الفلسطينيين في أراضيهم.
إن وصف عرب 48 في حد ذاته مشبوه ومضلل، فهو يوحي بوجود العرب بوصفهم عرقاً في دولة ديمقراطية متعددة الأعراق، وبما يصطنع ديكوراً تعددياً لاسرائيل يخالف جوهرها العنصري، كما أن فلسطين كانت دولة يسمى سكانها بالفلسطينيين قبل الاحتلال الاسرائيلي، وعلى وجه الدقة، قبل إعلان دولة إسرائيل، والشعب الفلسطيني كان يمتلك مؤسساته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى سبيل المثال كان اتحاد كرة القدم الفلسطيني هو الثاني على مستوى قارة آسيا عند تأسيسه سنة 1928، وكان ذلك قبل اتحادات لبنان وسوريا والعراق والأردن والكويت، التي تأسست خلال السنوات من 1933 إلى 1952، ولا يسبقه من الاتحادات العربية سوى الاتحاد المصري الذي تأسس عام 1921، كما أن مؤسسات الفنون والتعليم كانت نشيطة ومستقرة ومتقدمة على نظيراتها في كثير من دول المنطقة، الأمر الذي يجعل تجاهل وصف الفلسطيني واستبداله بالعربي يستحق وقفة مطولة، والمشكلة أن وصف عرب 48 أصبح شائعاً حتى بين فلسطينيي الأراضي المحتلة 1948، فالغالبية تقدم نفسها بهذه الصفة، وتكرسها بوصفها واقعاً متجذراً، حتى أنها تختلق أنماطاً حياتية مرتبطة بالوصف.
الفلسطينيون اليوم ينقسمون إلى مجموعة من الكتل التي تجتمع على وطن تصوري ومتخيل، أكثر مما تمتلك مشروعاً حقيقياً للتحرر والوجود، ففلسطينيو الضفة الغربية يختلفون في نظرتهم لفكرة فلسطين عن الغزيين، ويختلفون كذلك عن فلسطينيي مخيمات دول الطوق (الأردن وسوريا ولبنان). وبعيداً عنهم كتلتان مختلفتان في الظروف تتمثل الأولى في فلسطينيي دول الخليج، الذين يجدون فرصة للاندماج في مجتمعات جديدة مع تمسكهم بعلاقات جذرية مع فلسطينيي الضفة ودول الطوق، والكتلة الثانية تمثل من استفادوا من حمل جنسيات أوروبية وأمريكية تتيح لهم فرصة تجاوز عوائق التنقل ولو جزئياً، وكل هذه الكتل ما زالت تتفق على الخريطة الفلسطينية الانتدابية التقليدية، التي حجزت مكانها على جدران المنازل والقلادات المدلاة على الصدور. أما عرب 48 فإنهم يعايشون مشكلة أن مزاياهم التي تعفيهم إلى حد بعيد عن مشاركة خبز المعاناة اليومية للفلسطيني في أي مكان في العالم تنتج أساساً عن تمتعهم بالجنسية الاسرائيلية المناقضة جوهرياً وجذرياً لكل ما ينتمي له أي فلسطيني في أي مكان آخر في العالم.
قضية الأذان الأخيرة تتقصد اسرائيل من خلالها، أو ربما الأمر كله صدفة تخدم اسرائيل كالعادة، أن تحول عرب 48 إلى موضوع ضمن دولة (اسرائيل) وتظهرهم بأنهم مكون طبيعي في مجتمع مختلف بالضرورة في ظروفه وفي مصيره عن بقية الفلسطينيين في أي مكان في العالم، وحيث يتمسك عرب 48 بهويتهم الدينية وحرية العبادة، فإنهم يقدمون على ذلك بوصفهم مواطنين في دولة (اسرائيل) قبل أن يكونوا مواطنين فلسطينيين سلبت أرضهم وهويتهم، فالطيبي وغيره يدينون عنصرية اسرائيل تجاه مواطنيها في هوية أخرى غير الهوية الوطنية، وهي الهوية الدينية، والأصل أن يدينوا أصلاً الاحتلال الإسرائيلي بكل تجلياته وأن يندمجوا في فعل المقاومة السلبية على الأقل بتقنيات عليهم أن يختلقوها لتتناسب مع ظروفهم ورؤاهم، ومع ذلك فإنه من الصعب أن تنتفي صفة الفعل المقاوم عن المبادرات التي ستنطلق في المدن ذات الغالبية العربية الفلسطينية في الأراضي المحتلة 1948 مثل النداء للصلاة من سطوح المنازل ومن الكنائس كذلك.
المؤسسة الثقافية العربية، بمفهومها الواسع الذي يشتمل الدولة وأدواتها والشعب وفعالياته عليها أن تدرك أن صراعاً على الهوية يخوضه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة 1948، وأنهم بحاجة لكل مساندة من أجل منحهم البدائل التي تحتكرها (اسرائيل)، فعلى الرغم من نقد تغيب عنه استراتيجية المقاومة واضطرابها وتشتتها، في ظل المفارقة المنطقية التي تقوم على أنقاضها المشاركة لفلسطينيي 48 في الحياة السياسية الاسرائيلية، إلا أنه من المزاودة أن يتواصل النقد دون وجود استراتيجية أخرى لاحتضانهم وبناء التواصل الفعلي معهم، كما كان الأمر حتى السبعينيات، والتقصير في هذه الجزئية لن يفوت فرصة من أجل خلق حالة مواجهة مع اسرائيل فقط، ولكنه سينسحب ليجعل اسرائيل في وضعية التوسع والتمدد، فالعرب مطالبون بالمواجهة على أساس مصالحهم الوجودية وبمنتهى البراغماتية قبل أن يكون دافعهم لذلك هو الالتزام الوطني أو القومي أو الأخلاقي.
كاتب أردني
سامح المحاريق