الفلسطينيون ليسوا قطعان أغنام والمشاركة بجنازة بيريز خطأ مؤلم

حجم الخط
3

الشعب الفلسطيني لا كان ولن يكون يوما قطعانا من الأغنام أيها السادة.. إنه شعب ثائر مناضل مقاتل لا يحتاج لأوصياء من الخارج كي يفرضوا عليه زعيما أو قائدا، فقد حاولت إسرائيل أكثر من مرة من قبل، وفشلت في أواسط السبعينيات والثمانينيات، في فرض صنيعتها «روابط القرى» كبديل لمنظمة التحرير الفلسطينية. وها نحن اليوم نسمع عن تسريبات لفرض قائد أو رئيس خلفا لأبو مازن.
ويبدو أن «الرباعية العربية» وتضم الامارات والسعودية ومصر والاردن، لم تتعلم الدرس من المرة الأولى عندما جربت أن تضغط وتهدد في محاولة لفرض عودة عدد من القيادات المفصولة من حركة فتح، يتقدمهم عضو اللجنة المركزية محمد دحلان ليخلف ابو مازن، ونحن مع عودتهم بالطرق القانونية لا الفرض، بل انتهت بما لا تشتهي سفنها بردة فعل غير معهودة من الرئيس عباس وخروجه عن دبلوماسيته. وها هي الرباعية، تحاول مجددا التدخل في الشأن الفلسطيني.
وحسبما تسرب من أخبار نقلتها القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي وهي مصدر التسريبات الاول نفسه. فإن انظمة هذه الدول أوفدت مبعوثين منها إلى فلسطين للقاء الرئيس عباس ونقلوا له طلباً بإجراء انتخابات رئاسية تجنباً لحدوث أي فوضى أو حالة من الفراغ في فلسطين في حالة غيابه عن الساحة. وتزعم القناة الثانية في تقريرها أن هناك حالة من عدم الرضى في بعض الدول العربية من أداء الرئيس عباس وبالتالي جار التحضير لخليفة له، وهذه المرة طرح اسم ناصر القدوة وزير الخارجية الفلسطيني السابق وابن شقيقة الرئيس الراحل ياسر عرفات، بعد أن توصلت الإمارات تحديداً لقناعة بأن دحلان لن يكون بمقدوره أن يكون خليفة لأبو مازن، ولكن سيكون له دور يلعبه في المرحلة المقبلة.
هذه المحاولات تثير الشكوك حول أهدافها، لكن من معرفتي بالأخ ناصر القدوة وهي معرفة بدأت في احضان الاتحاد العام لطلبة فلسطين عندما كنا زملاء في مجلسه الاداري في السبعينيات، فهو رجل حر ولن يقبل بان يكون ورقة في يد احد. وكما أفشل عباس المحاولة الاولى، اتوقع من ناصر أن يفشل المحاولة الجديدة ويعمل على وأدها في مهدها بتصريح واضح ينأى بنفسه عنها.
أعود وأكرر بصفتي أحد ابناء هذا الشعب أن لا حق لهذه الانظمة وغيرها التدخل في الشؤون الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني ربما يكون الاكثر تأهيلا لاختيار قيادته ورئيسه وربما يكون الشعب الوحيد في المنطقة الذي يمكنه أن يتفاخر بديمقراطيته.
قد تختلف الاراء في أبو مازن ولكنه وخلافا للاخرين جاء عبر صناديق الاقتراع في انتخابات يشهد بنزاهتها العالم… وأشرف عليها مراقبون دوليون من بينهم الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر وكذلك وزير الخارجية الامريكي جون كيري ومنظمات دولية اخرى.
والأهم من ذلك أن الشعب الفلسطيني خاض مرتين تجربة الانتخابات التشريعية. وفي الثانية عام 2006 تمت رغم المعارضة الامريكية والاسرائيلية خوفا من سيطرة حركة حماس.. وفازت حماس وانتقلت السلطة اليها بسلاسة فاقت توقعات الجميع. وباختصار فإن الشعب الفلسطيني الذي يعاني من حساسية النظام العربي الرسمي الذي لم ير منه سوى الخذلان، كان يتوقع منه أن يمد له يد العون للتخلص من الاحتلال لا أن يعطي لنفسه حقا لا يعطيه لغيره بالتدخل في شؤونه الداخلية.. والشعب الفلسطيني كما في تجارب سابقة لن يسمح له بذلك؟

********
قيل ويقال الكثير عن «جهود شمعون بيريز من اجل السلام» وقد يتحمس البعض من امثال يحيى رباح لكتابة معلقات عما قدم بيريز للسلام وحب الشعب الفلسطيني «الحثالة» له، لكن النهايات تقاس بالنتائج والافعال لا الاقوال.. فاقوال بيريز ربما كانت كثيرة جدا، أما افعاله إن وجدت فهي غير ملموسة على ارض الواقع.. وما نعيشه الان بعد 23 عاما على اتفاق اوسلو خير دليل.
اكرر ما قلت في المقال الماضي فإن قرار مشاركة ابو مازن في جنازة بيريز، هو اجتهاد وهو برأيي الشخصي اجتهاد خاطئ جدا ومؤلم. صحيح أن القيادة في لحظة ما قد تضطر لاتخاذ قرارات صعبة تغضب جمهورها لتصل إلى الهدف الاسمى المرجو. ولكن ومنذ مشاركة الرئيس في جنازة بيريز يوم الجمعة الماضي وانا ابحث عن مبرر مقنع لهذه المشاركة فلم اجد.. ولم ينجح اي من المبررين في اقناعي. فوصفت مفوضية التعبئة والتنظيم في حركة فتح قرار المشاركة بـ «جزء من مسؤوليات موقع رئيس الدولة تجاه التفات العالم أجمع لحدث الجنازة، وعملية قطع للطريق على حكومة نتنياهو في مشروع الترهيب الذي يُمارس ضد السلطة الفلسطينية ومحاولات إسرائيل لإقناع العالم بأننا في جبهة لا تؤمن إلا بالعنف والسلاح».
صدقا لم أفهم شيئا من هذا التبرير ولعل في الفقرة الثانية من بيان المفوضية ما يشرح الاولى «اننا أمام أهمية سياسية في حضور الرئيس ومشاركته للجنازة تُوجب علينا كفلسطينيين إدراكها على صعيد ما يقف خلف هذه المشاركة من أبعاد ورسالة سلام فلسطينية قوية للعالم، تحديداً في هذه اللحظات التي يراقب فيها المجتمع الدولي بكل أهمية موقف دولة فلسطين المسؤول». تبريرات واهية فلا الرئيس عباس ولا الشعب الفلسطيني من ورائه كان بحاجة للمشاركة بالجنازة حتى يلتقي زعماء العالم.. ولا بحاجة لمثل هذه المشاركة لكي يثبت نيته للسلام.. والفلسطينيون ليسوا بحاجة لكي يثبتوا ذلك لاحد.. فهو الشعب المحتل.. وهو الطرف الذي يسعى للاستقلال وحق تقرير المصير.. وهم ليسوا المحتلين ولا القتلة وهم ليسوا المستوطنين ولا الرافضين للسلام. وساعات في جنازة «ابو الاستيطان» والمروج لروابط القرى، لن تغير من رأي من حضر من قادة العالم وهم العارفون والعالمون ببواطن الامور، وهم الذين يرفضون ويصرون على رفض اتخاذ خطوات عملية لوضع حد ونهاية لابشع احتلال واستيطان في التاريخ.
نحن لسنا بحاجة لكي نرضي الطرف الآخر أو نقنعه برغبتنا في السلام.. ولسنا الطرف الذي يمنح الامن للطرف الاخر، فهم من يمكن أن يوفر الامن والاستقرار والسلام لانفسهم قبل الشعب الفلسطيني إن توفرت النية.. والفلسطينيون ليسوا الطرف الذي يمتلك الطائرات والدبابات والصواريخ المدمرة والقنابل زنة طن والسلاح النووي.
والحقيقة التي يجب الاعتراف بها، أن قرار المشاركة لم يحقق شيئا على أي صعيد وانما عكس استخفافا بمشاعر الشعب الفلسطيني المكلوم وترك مذاقا مرا، لاسيما عند أولئك الذين لا تزال جراحهم طرية بفقدان فلذات اكبادهم في الاشهر الاخيرة.. وأولئك الذين لا تزال جراحهم مفتوحة بوجود جثامين اولادهم في ثلاجات العدو.
من حق المواطن أن يعبر عن رفضه لما يرى فيه خطأ وضررا بالمصلحة العامة، سواء بمظاهرات أو أي وسائل سلمية اخرى بعيدا عن التجريح والتخوين، فليس من حق أحد إلقاء تهم الخيانة جزافا، لاغراض في نفس يعقوب. ومرفوض بالثلاثة أن تصل الامور إلى حد الاعتداء على المتظاهرين المعارضين بالضرب، كما حصل في رام الله في الاسبوع الماضي، ومرفوض أيضا أن تمارس الاجهزة الامنية الفلسطينية القمع ضد من يقف في الطرف الاخر من المعادلة السياسية.. فهذا الشعب ليس بحاجة إلى من يقمعه، بل لمن يحميه ويرد له الاعتبار، وتكفيه اعمال القمع والقتل والمعاناة التي يذوقها على ايدي قوات الاحتلال وقطعان مستوطني الاحتلال صباح مساء.
وهذا الشعب سيلفظ من يصفه بالحثالة ممن صعدوا على اكتافه، أيا كانت الاسباب وايا كانت الاستفزازات. هنا يفترض أن يكون القادة المسؤولون عرضة دوما للمساءلة والانتقادات وأن يتحلوا بضبط الاعصاب والقدرة على امتصاص غضب الجماهير لا الهابها بالشتيمة والتطاول… فهذا الشعب فوق أي مسؤول وكل مسؤول ولا يحق لأحد التطاول عليه مهما علا شأنه.
وختاما لم يحضر رئيس اسرائيل جنازة عرفات الذي كان شريكا لهم في السلام.. ولم تبعث الحكومة الاسرائيلية حتى من باب «يقتل القتيل ويمشي بجنازته» ولم ترسل وفدا على أي مستوى.. ولم يحاول «رجل السلام بيريز» المشاركة في الجنازة أو حتى ارسال برقية تعزية.. ليس هذا فحسب فانه رغم كل محاولات القيادة استرضاء المجتمع اليهودي وكسبه على حساب مشاعر الشعب الفلسطيني يزداد هذا المجتمع تطرفا وعنصرية ورفضا للسلام. وآخر نتائج استطلاع للرأي تؤكد أن غالبية الاسرائيليين ترى استحالة تحقيق السلام في المستقبل المنظور.
كاتب فلسطيني من «أسرة القدس العربي»

الفلسطينيون ليسوا قطعان أغنام والمشاركة بجنازة بيريز خطأ مؤلم

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية