تونس ـ «القدس العربي»: بين الثامن والعشرين تشرين الأول/أكتوبر افتتحت الفنانة التونسية زينب تليلي معرضها الفني الثالث في قاعة «رواق الفنون» في مدينة سيدي بو سعيد تحت عنوان «سيمفونية تصويرية» يضم خمسين لوحة ذات أحجام وتوجهات ومدارس مختلفة. ومدينة بو سعيد معروفة باحتضانها الفن وانتشار دور العرض ومدارس الموسيقى والمتاحف. إنها درة المدن التونسية ذات الموقع السياحي والتاريخي المتميز قرب قصر قرطاج الرئاسي، حيث يعانق الجبل البحر وتختلط ألوان البيوت الزرقاء والبيضاء بزرقة البحر وخضرة الشجر. ولا غرابة في قرار منظمة التربية والعلم والثقافة «يونيسكو» بوضع سيدي بو سعيد ضمن المواقع التراثية العالمية للمحافظة على طابعها المميز.
دعت الفنانة زينب تليلي «القدس العربي» للاطلاع على المعرض بعد أن التقت الصحيفة بها على هامش معرضها الثاني مع مجموعة من الفنانات التونسيات في مقر الأمم المتحدة في اذار/مارس من العام نفسه بمناسبة اليوم العالمي للمرأة.
الفنانة زينب تليلي صيدلانية من حيث المهنة، ودخلت عالم الرسم متأخرة ولكنهت تفرغت تقريبا للرسم.
في المعرض الذي افتتح من قبل المسؤولين في البلدية وجهمور من المواطنين والمدعوين، عديد من اللوحات التي تظهر جمال المرأة التونسية والأفريقية بشكل عام. إذ إنها ترى في جمال المرأة مادة غــنية للفنان كي ينقل هذا الجمال من الشخص نفسه إلى لوحة فنية تتحول إلى لغة عالمية توصل رسالة الجمال بكل سهولة وتقبل واستحسان.
«أركز على العيون والوجه لأنهما ينقلان المشاعر والأحاسيس. كل لوحة تعبر عن مشاعر وأحاسيس أمام جمال الوجه والعنق والحلي والحناء والوشم والملابس وخاصة التقليدية» قالت معلقة على لوحتين جميلتين لوجهين تونسيين. الأصالة والحداثة تجدهما يمتزجان معا في هذه اللوحة المسماة «الأمومة الحاضنة» والتي فازت بالجائزة التقديرية الأولى في معرض الأمم المتحدة في اذار/مارس الماضي. «إنها حكاية فتاة حقيقية صورها الفرنسيون عام 1900 وهي تخدم معهم وأعطوها بعض النقود مقابل الصورة وكانت في الصورة الأصلية مكسورة العيون من الخجل».
يضم المعرض عددا من اللوحات الفنية لنساء افريقيات للتعبير على أن جمال الإنسان ليس له علاقة بلون البشرة كما تؤكد تليلي. الإنسان عبارة عن مشاعر وتناسق وإبداع. أما غزارة الألوان فتعبر عن الفرح والتنوع والأمل وخاصة اللون الأزرق الذي يتكرر في لوحات زينب بسبب التأثر بألوان بيوت تونس المشهورة بهذا اللون وخاصة في مدينة سيدي بو سعيد. وتقول تليلي إنها درست الألوان وتنوعها وقدرتها على التعبير على يد أستاذ وفنان تونسي شهير إسمه طارق فخفاخ، الذي زرع فيها حب تنوع الألوان في الأعمال الفنية. «لقد كنت مولعة بالألوان منذ الصغر ودائما أقارن بينها وأحاول أن أفهم معاني كل لون وكيفية استعماله. يبدو أن لديّ ميولا فنية لاستخدام الألوان حتى قبل أن أبدأ أمارس الرسم».
يضم المعرض تشيكلة كبيرة من لوحات زينب الجديدة والقديمة. والتنوع في اللوحات واضح. ففي المعرض لوحتان للكعبة المشرفة ساعة الغروب والطواف حولها «فقد عشت تجربة الحج بنفسي وأثر فيّ هذا المنظر وأحببت أن أنقله للمشاهدين عن طريق الألوان». وهناك عدد آخر من اللوحات التراثية التونسية كالأسواق والمقامات والملابس التقليدية والعادات ومن بين اللوحات الملفتة للنظر لوحة لإمرأة تونسية تطلق زغرودة إبتهاجا لعرس أو مناسبة سعيدة. كما توجد لوحة مميزة ضخمة للأمير عبد القادر الجزائري الذي ثار ضد الفرنسيين نحو 17 سنة عند احتلال الجزائر عام 1830. وإلى جانبها لوحة لحصان أصيل يكاد الشموخ والأنفة والكبرياء تتحول إلى لغة ناطقة في تعابيره.
تضم اللوحات الخمسون تنوعا قلما تجده عند فنان واحد. ولو دخل المعرض شخص لا يعرف زينب لظن أن هذه اللوحات المنوعة لعدد من الفنانين. فهناك من يرى أن اللوحات الفنية لرموز ومقدسات دينية لا علاقة لها بلوحات تظهر جمال المرأة ليس فقط في الوجه بل والظهر العاري. ثم تنتقل لترى عددا من اللوحات للورود فالأحصنة الجامحة فالمناظر الطبيعية التي تجمع جمال البحر إلى جمال الجبل. وتقف متأملا في لوحة «الأمومة الحاضنة» وكيف استطاعت هذه اللوحة أن ترد على قهر المستعمر الفرنسي الذي استغل حاجة فتاة ريفية فقيرة ليشغلها خادمة ويطلب منها مكرهة أن ترتمي على الأرض لالتقاط صورة لها. انتشرت الصورة الأصلية كثيرا وثبتت في الذاكرة الجمعية للشعب التونسي رمزا للقهر والاستغلال إلى أن وصلت لتليلي فأعادت رسمها بأبعاد جديدة. فبدل العيون المكسورة منحتها عيون التحدي ثم وضعت بين يديها طفلا لتكسب عطف الناس جميعا على إمرأة مرضعة حاول الفرنسيون أن يحطوا من قيمتها الإنسانية. «لقد أعدت إنتاج الصورة كلوحة فنية وأعطيت الفتاة قيمة فنية عالية بوضع الطفل الرضيع بين يديها ومضيفة إلى عيونها نظرات الحشمة والعفة والبراءة. إنظر إلى عيونها كم تعبر عن الحنان والمحبة لطفلها. كل أم تنظر لصغيرها بحنان طافح. وهذ اللوحة تجعل كل مرضعة في العالم تشعر أنها هي التي في اللوحة».
عبد الحميد صيام