من كان يتصوّر ذلك الفتى مارك وهو أمام شاشة الكمبيوتر بحجرته بمساكن الطلبة بجامعة هارفارد الامريكية؛ يصمّم موقعا خاصّا بشبكة الأنترنت، يجمعه بزملائه؛ حيث يتبادلون يوميّهم ومعيشهم، صوتا وصورة؟ مؤسّس موقع التواصل الاجتماعي»فيسبوك» مارك زوكربيرغ نبيّ العصر، في أمريكا هذا الإله الوضعي الجديد؛ في كوننا الأحدب، خلق عالما جديدا لتبادل المعلومات هو عالم افتراضيّ ولكنّه حقيقيّ واقعيّ. ولقد غيّر حياتنا كلّها حتى فنوننا وآدابنا؛ فنحن اليوم كائنات فيسبوكيّة في عوالم الانترنيت واليوتوب والفيديوهات والهواتف الذكيّة… وكلّنا عرضة للتنصّت والرقابة والمراقبة. عالم أشبه بصورة الملاكين في المخيال الإسلامي، على اليمين وعلى الشمال؛ يقيّدان أعمالنا، ويحصيان علينا أنفاسنا. بل هو هذا المخيال العجيب، الذي لم يعرف كتّابنا كيف يفيدون منه، ويتمثّلونه في قصصهم ورواياتهم، وربّما افتتحوا به مداخل سرديّة في استنطاق النصوص والاحتكام إلى الوشائج الصامتة التي تشدّ بعضها إلى بعض.. حيث الانسان في الإسلام رقيب نفسه، وجسده يشهد عليه وهي استعارة عجيبة: « يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ « النور 24 . شهادة الجسد على صاحبه: اللسان الذي به ينطق، واليد التي بها يشير، والرجل التي بها يسعى… يصمت هو، وتتكلّم هي. روى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك أنّهم كانوا عند النبي «فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون ممّ أضحك؟ من مجادلة العبد ربّه يوم القيامة، يقول : يا رب، ألم تُجِرني من الظلم؟ فيقول: بلى . فيقول: لا أجيز عليّ شاهدا إلاّ من نفسي. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا… فيختم على فيه، ويُقال لأركانه (الأعضاء): انطقي فتنطق بعمله. ثم يخلي بينه وبين الكلام ، فيقول (لأعضائه): بُعدا لكنّ وسحقا ، فعنكنّ كنت أناضل»، أي أحامي وأجادل وأدافع.
على أنّ ما يعنيني في السياق الذي أنا به، هو هذه الكتابة الفايسبوكيّة «الهجينة» التي تزحمنا لا في فضائها الافتراضي فحسب، وإنّما أيضا في رسائل جامعيّة (ماجستير ودكتوراه) غير قليلة، تتخذ «الأدب الرقمي» أو «الفيسبوكي» مدوّنة لها. وهي كتابة تنطوي على كثير من المفارقات التي تجعل من منهج البحث فيها معضلة لابدّ من فحصها ومدارستها. وأقدّر أنّها تقوم في كل نصّ فيسبوكي مقروء مرئيّ مسموع، يشتغل داخل نظام»سيميولوجي» أو هو «الدّرجة الصّفر في السّيميوطيقا». ومردّ ذلك إلى كونه يقوم دائما في «اللّغة الواصفة» أو الخطاب الواصف. و لكنّ هذا النصّ، وهذا وجه من وجوه مفارقاته؛ لا يفصح عن نفسه إلاّ باللغة وفي اللغة. غير أنّها لغة لا تنقل من «الجسماني» سوى تمثّلات خاصّة به، وأداتها في هذه العمليّة عمليّة النقل، إمّا الصوت وحده في أنماط من هذه الكتابة حيث يُخفي الفايسبوكي وجهه، أو حضور الصوت والجسد معا.
وكأنّ الصوت هو «العين التي تلتقط هيئة الجسد أو الجسم الحسيّة والروحيّة، وتستحضرها فتصف سماتها وملامحها، وتستجلي دوافعها وحوافزها، حتّى ليمكن القول إنّ الصوت يوضع خارج الجسد اللامرئي في النصّ الشعري الذي نسمعه في هذا الفضاء. وأقدّر أنّ هذه صورة من عالم الراديو حيث الكلمة المسموعة تغني عن الكلمة المطبوعة.
النص مسموعا إذن، هو الذي يستنطق هذا الكيان الأخرس الذي هو الجسد بأساليب فنيّة تمليها تجربة الشاعر الفيسبوكي وثقافته؛ دون أن يعني ذلك بالضرورة تحويل الجسد إلى موضوع. ففي كثير من هذه القصائد المسموعة، يستبدل النص بالجسد (وهذا هو التركيب السليم في العربيّة حيث «الباء» في»استبدل بـ…» للترك). أي يحلّ النصّ محلّ الجسد، ويغدو محض استعارة تتداخل فيها تلك الخيوط التي تربط بين المدركات الحسيّة والإحساسات النفسيّة، ولا يدرك إلا من حيث هو أثر لغياب ما، ولا يستحضر إلا بوساطة تمثّلات تحلّ محلّه وتعلن في الآن نفسه ـ و هذه مفارقة أخرى من مفارقات الجسد الفيسبوكي ـ عن فقدانه. وإذا كان ذلك كذلك، فإنّ الجسد والكتابة، إنّما يصدران في الظاهر، عن معدن واحد، وإليه يرتدّان. وربّما وقع في الظنّ، بأثر من ذلك، أنّنا إزاء أدب «لقيط». وهذا نعت نسوقه بالمعنى الإيجابي للكلمة، فالمبدع الحقيقي هو كالمثقّف الحقيقي لقيط، مجهول النسب، متّهم الأصل. هو كما كتب الشاعر البرتغالي فالتر هوغو ماي: «الشعر يبحث عن جمال لم تأت السماء به. إنّ البيت الشعري هو دائما خيانة، تمرّد العبد على سيّده. فالشعر ينال من وظيفة الألوهة. وهو بهذا المعنى التفاحة وشجرة التفّاح. وهذا ما يجعل من الشاعر خصيم السماء».
أو كما كتبت أنا في نصّ عن محمود درويش: «ولمّا كان هو الذي ينشئ ]محمود] هذا الذي أنشأ وما زال بعد، فهو الشّاعر، من جهة نسبه إلى شعره، ومن جهة نسب شعره إليه؛ ولمّا كان كلّ منهما لا ينفصل عن الآخر فإنّ تأويلا يغريني بالقول إنّه جهة من جهات المفهوم. لكنّها جهة تنبض بالحياة بعد، فعندما ألتقي درويش في تونس أو القاهرة أو الرّباط أو فلسطين، إنّما ألتقي المفهوم وأجالسه وأحتسي معه القهوة. الشّعراء الحقيقيّون مفاهيم للشّعر كما الرّسّامون الحقيقيّون مفاهيم للرّسم كما الفلاسفة الحقيقيّون مفاهيم للفلسفة منهم من قضى نحبه فهو المفهوم أثراً ومجرّداً، ومنهم من لا يزال على قيد الحياة فهو المفهوم حضوراً ومجسّداً».
نحن اليوم في الطّرف الآخر؛ في طرف الأستيطيقا بما هي تعني ـ في ما تعنيه ـ فعل التّذوّق؛ وهي الدّلالة التي حملها مصطلح الأستيطيقا على يد بومغارتن. وحتّى هذه «النّحن» التي صرنا؛ قد لا تكون أكثر من شهادة الافتراضي على الواقعي، أو شهادة هذا لذاك، حيث نحن سكوت.. وصورنا.. وأجسادنا.. وأعضاؤنا.. وجوارحنا.. وملامحنا.. هي التي تنوب عنّا، وتتكلّم.
هل يعني ذلك أنّ النصّ هو «جسم الجسد»، وأنّ هذا الجسم/النصّ لا يمكن أن يعاين إلاّ من كوّة الاستعارة الفيسبوكيّة؟ فأمّا القول إنّ النص هو»جسم الجسد» فقول ينهض لـه في الشعر سند قويّ، و خاصّة في الشعر العربي قديمه و حديثه . فهذا الشعر نشأ على ما نرجّح بسبب من العربيّة الفصحى التي هي لغة كتابيّة، ملفوظا مكتوبا أو مسموعا مقروءا؛ ويمكن مقاربته من حيث هو «جسم « أو إيقاع جسديّ». هو مكتوب في ذاكرة الشاعر، وملفوظ أي هو في علاقة حميمة بين الشّاعر و صوته، بين الشاعر وجسده، وهو مسموع أي في علاقة حميمة بين صوت الشاعر و أذن الآخر ، بين جسد الشّاعر و جسد الآخر.
أمّا القول إنّ العربيّة لغة «كتابيّة» فموضوع يحتاج إلى فضل إبانة. وكان الجاحظ يسخر من الذين يتكلّمون «الفصحى» خارج مجالس العلم المغلقة؛ ولا مسوّغ لذلك سوى كونها لغة كتابيّة أو أدبيّة تجري على أنساق وأوزان»ثابتة» تكاد لا تتغيّر معالمها ولا تخلق أبنيتها.
على أنّ هذه السّمات «الهجينة» أو بعضها يمكن أن تُعزى اليوم في هذه العوالم الافتراضيّة، إلى»لغة العامّة» أو»اللغة المحكية» أو إلى أسباب نطقيّة خالصة؛ أو إلى مؤثّرات اللغات الأجنبيّة، وكانت العربيّة قديما بمنأى عنها، إلاّ ما تعلّق بالأزجال والموشّحات، أو كلمات دخيلة تفد من هنا وهناك، وتتشرّبها اللغة كما الإسفنجة.
إنّ الصوت في القصيد الملفوظ فيسبوكيّا، ليس معزولا عن الجسد كما هو الشأن في القصيد المقروء في صحيفة أو كتاب. والشاعر العربي القديم لم يكن ينشد الشعر بلسانه فحسب، وإنّما بجسده أيضا؛ وقد كان لإنشاد الشعر تقاليد تدلّ على أن الشعر في المجتمع العربي القديم كان احتفالا جماعيا وطقسا حميما؛ يتحقّق فيه اللقاء بين فعل الصوت وفعل الجسد، بين فعل الكلمة و فعل الحركة.
ومع ذلك فالجسد ـ في هذه النصوص المقروءة المسموعة المرئيّة ـ غائب في هذا العالم الافتراضي. هو»الجسد الفيسبوكي»، وأقدّر أنّ هذه صورة من عالم التلفزيون حيث الصورة المرئيّة تغني عن الصورة الحقيقيّة. وهو ليس «الجسد الاجتماعي» الذي ينتظمه عقد اجتماعيّ مخصوص. والجسد من وجهة نظر سوسيولوجيّة «مؤسّسة « معقدة تتقاطع فيها السلطات التي تحكم المجتمع، إلى حدّ يتعذّر فيه الحديث إلاّ عن «جسد طبقي»، وليس عن جسد عامّ، ذلك أنّ «المعيش الجسدي» يختلف من طبقة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، وهو موسوم بعلاقات الإنتاج مثلما هو موسوم بجهاز الدولة ومؤسّساتها؛ حتى أنّه لا يدرك إلاّ من خلال البنية التي تقنّن علاقات الملكيّة والتملّك. وهذا العالم الافتراضي يصنع لنا، على ما أرجّح، جسدا فيسبوكيّا «هجينا» مثلما يصنع لنا أدبا فيسبوكيّا «هجينا»؛ لا تزال أدواتنا النقديّة على حداثتها، تقف مدفوعة مصدودة دونه.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي