■ لم يعد حديث الفضاء الإلكتروني أمراً عابراً أو نشاطاً ثانوياً محصوراً على «الأولاد»، كما صنفهم أحد الرؤساء العرب المعزولين. فالجميع بات الـــيوم من سكان الجمهورية الثانـــية في العالم، من حيث عدد السكان وبفارقٍ عددي بسيط بين سكان الفيسبوك وبين الصين الشعبية.
جمهورية الفيسبوك هذه تستقطب الجميع الـــيوم من كل الأعـــمار والمشارب، وفيها يلتقـــي الأمير والسفير، والغفير والقدير، والشرير والكبير والصغير وما بينهم ممن يرون في صفحاتهم ممــالك إلكترونية اعتبارية، تجعلهم يطلقون مشاعرهم ومواقفهم وأفكارهم وخواطرهم وشجونهم وأتراحهم وأفراحهم بعيدا عن الاكتراث بالرقابة التقليدية وحواجز الجغرافيا.
وقد صاحبت هذه الثورة «الفيسبوكية» في حياة الفلسطينيين، وعبر السنوات الأخيرة، جسارة وطرافة غير مسبوقتين، بحيـــث بتنـــا نشهد وعبر هذه المنصة الوليدة محاكم افتراضية للسياسين والمسؤولين وصناع القرار، سواء على مستوى القرى أو البلديات أو صالونات الدبلوماسية أو مطابخ القرار أو حتى مجالس المحتجين ومسيراتهم.
ومع سطوع نجم المصالحة الفلسطينية الأخيرة وتحديداً بعد الإعلان عن حكومة الوفاق وتجاوز مراحل التشكيك والتشكك بخصوص تلك الحكومة، عاد رواد الجمهورية الثانية إلى تشديد رقابتهم اللصيقة لمجريات الامور وتطورات الأوضاع، الأمر الذي أدى إلى ولادة «عدّاد» المصالحة الافتراضي الذي يتابع دقائق المواقف والقرارات والتصريحات.
هذه الرقابة وبهذا الشكل، وإن لم ترق للبعض، تشكل نقلة نوعية من عالم التقليد إلى عالم التغيير باستفادة كبيرة من وسائل التقانة الحديثة التي باتت بدورها تشكل وبصورة لا إرادية منظماً عصرياً للأداء الوطني ومجهراً اعتبارياً مهماً.
لكن المنّظم الجديد يحتاج في ما يحتاجه إلى تجنب غلبة الإحباط والسلبية على مجرياته، تحقيقاً لرغبة الشارع في انتصار المصالحة على الانقسام. لذا وجب التنبه لمساعي البعض ممن تقهر المصالحة عروشهم أن يستغلوا هذا المنبر لتأجيج الخلافات وبث روح الفرقة، من خلال أخبارٍ وآراءٍ ملفقة هدفها إحباط المصالحة وفرصها في العيش.
تنظيم المُنّظِم الجديد ليست أمراً سهلاً، وربما يجب ألا يكون الأولوية.. إعمال العقل والحكمة في إدارة ورفد هذا العداد الجديد هو اليوم رأس القدرة على انتصار المصالحة.. فإن انهزمت.. انهزمت فلسطين.
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم