الفيفا… الحياة تراجعات

حجم الخط
0

الآن وقد هدأت النفوس واستوت الرؤوس وعادت الى أغمادها السيوف.. وتلاشت اتهامات الخيانة التي امتلأت بها التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، التي كان لجبريل الرجوب رئيس اتحاد الكرة الفلسطيني، نصيب الأسد منها..
وبعد ان خف تأثير الصدمة النفسية الشديدة شعبيا والآلام القاسية الناجمة عما أسميه «خازوق الفيفا» الأخير، الذي لن يكون الآخِر.. نعود للحديث عما شاهدناه على «مسرح الفيفا» يوم الجمعة الموافق 28 أيار/مايو الماضي.
ذاك المشهد الذي لا أتمناه لحبيب أو صديق ولا أحسد عليه الرجوب، الذي وضعه منصبه في «بوز المدفع»… يجعلنا نتساءل: كيف وقعت الخطيئة، أو كما يسميها آخرون الجريمة، وتسميات أخرى ما انزل الله بها من سلطان؟ ومن هو المسؤول عنها؟.. هل هو شخص وهو في هذه المناسبة جبريل الرجوب.. أم أشخاص أم فريق عمل كان يفترض أن يكون قد شكل لقيادة دفة المشاورات والمناورات والاتصالات والمفاوضات، التي تمرس فيها الفلسطينيون على مدى قرابة ربع قرن، من دون ان يحققوا ولو إنجازا بسيطا يرسم البسمة على وجوه أبناء هذا الشعب؟ وظلوا طوال هذه السنوات رايحين جايين.. مرة علانية وعشرات المرات سرا، والنتيجة كما يقول المثل «تيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي»
ولكن قبل أن نخوض في التفاصيل، أقول إن النتائج في مؤتمر الفيفا في زيوريخ ما كان يمكن ان يخرج الفلسطينيون بأفضل منها، بيد أن تسويقها للشارع الفلسطيني كان فيه نوع من الاستهتار والاستخفاف بمشاعر الجمهور، الذي هُيج وعبئ ليتوقع قرارا لا يقل عن طرد إسرائيل من الفيفا، وليس فقط تعليق عضويتها في الاتحاد الكروي الدولي، كما كان منصوصا عليه في مشروع الطلب الفلسطيني. وهذا الاستخفاف ليس بالجديد، بل تكرار لمناسبات اخرى عديدة على منابر دولية مختلفة، تسببت في خيبات أمل كبيرة لا تعد ولا تحصى على مر السنين.
في رأيي المتواضع والمتواضع جدا، أرى أن ما حصل في مؤتمر الفيفا لم يكن خطأ فرد ولم يكن مسؤولية شخص بعينه، ولم يكن قرار اللحظة الاخيرة، أو هكذا يفترض، وإن كان فهذه مصيبة كبرى.. وما كان ليصح أن يترك أمر مثل هذا القرار المهم جدا، الذي يمس بسمعة مؤسسة السلطة برمتها لفرد مهما رفع شأنه وعظم قدره.
وهذا يقودنا إلى القول إن هذا القرار لا يتحمل مسؤوليته جبريل الرجوب، وإن كان يتحمل الجزء الأكبر منه، لانه كان القائد الميداني المسؤول عن المعركة على أرضها… ومن يتحمل المسؤولية عن هذه الخطيئة هو فريق العمل والصف الاول في القيادة الفلسطينية والرجوب منها، التي كان يفترض ان تكون معركة الفيفا إحدى المعارك العديدة التي يفترض أيضا أنها تعد العدة لخوضها في المنابر الدولية، سواء في محكمة الجنايات أو في مجلس الامن الدولي مجددا، أو في أوروبا التي تحاول إقناعها بالاعتراف بدولة فلسطين.
كان يفترض ان تكون هناك خطة «أ» وخطط بديلة في حال فشلت الخطة «أ»، لمواجهة أي احتمالات ومفاجآت. فالتجارب يفترض ان تكون قد علمت المسؤولين أن لا ثوابت في السياسة، و»الفيفا» سياسة ولا شيء مضمون فيها.. والمصالح هي التي تحكم.. والمصالح متبدلة وفقا للظروف، وانت فيها كمن يسير فوق رمال متحركة.
كل ما تقدم مبني على أساس أن التوجه كان بالفعل نحو طرح المشروع الفلسطيني على التصويت. ولكن في الواقع لم يكن هذا هو مخطط الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر الفيفا». وهنا مكمن خطأ الرجوب الذي لا يختلف اثنان حول الخدمات الجليلة التي قدمها للرياضة الفلسطينية، لا سيما كرة القدم، منذ توليه رئاسة الاتحاد.
إن ما يؤخذ على الرجوب وفريقه، أنهم كانوا على دراية بأن الفوز بقرار تعليق عضوية إسرائيل كان أمرا صعبا، إن لم يكن مستحيلا، وعلمت ذلك لاحقا من الرجوب نفسه، ومن مسؤول آخر في اتحاد الكرة الفلسطيني، رغم ان الرجوب وقبل ذلك بأسابيع قال لي وآخرين خلال زيارة إلى لندن، إن التصويت على مشروع القرار الفلسطيني مضمون جدا وإن نجاحه مضمون جدا، رغم الضغوط الشديدة التي يتعرض لها الجانب الفلسطيني.
وتغيرت هذه القناعة بعد سحب المشروع، وقيل عندئذ إنه حتى لو نجحوا في طرح مشروع القرار على التصويت ما كان بالإمكان في ظل المعطيات الحصول على ثلثي الأصوات، أي حوالي 153 من أصل 205.
وأكد لي مسؤول آخر في اتحاد الكرة لم يشارك في المعمعة أن «نظام الفيفا يرفض طلب تعليق عضوية اتحاد اخر، ولم يحصل ذلك في تاريخ الفيفا الا مرتين مع جنوب أفريقيا العنصرية ومع يوغسلافيا». ولهذا المسؤول نقول إنه إذا حصل مرتين فيمكن أن يحصل ثلاث مرات، فالوضع في فلسطين أسوأ منه في يوغسلافيا إن لم يكن في جنوب افريقيا وهذا ليس تقليلا من التمييز العنصري في ذاك البلد، ولا في ما ارتكبه النظام في بلغراد من مجازر ضد القوميات الاخرى.. لا لشيء بل لأن في الأمر احتلال.. وعلى ذلك يرد «أنت هنا تتحدث عن اسرائيل وما ادراك ما اسرائيل».
ويضيف المسؤول «ما كان بالإمكان أفضل مما كان.. بمعنى أن ما حصلنا عليه كان أقصى ما كان يمكن، في ظل الظروف والتحزبات داخل الفيفا». ولكن القناعة عند عامة الناس هي انهم لو قدموا المشروع للتصويت وفشلوا، لاختلف الموقف، وما كان الوفد سيلام لانه «جربنا وفشلنا».
لكنهم لم يجربوا وأنهم سحبوا الطلب في أول فرصة تحت ضغوط اسرائيلية وغيرها. وزاد الطين بلة المصافحة بين الرجوب ورئيس الاتحاد الاسرائيلي. ولكن اذا كانت هذه هي قناعة المسؤولين وانهم كانوا يعرفون ذلك مسبقا ويعرفون ايضا أن ليس في نيتهم طرح مشروع القرار على التصويت أصلا، فلما اذا رفعوا سقف التوقعات في الشارع وعملوا على تهييجه، الى حد دفع الجمهور الفلسطيني المتعطش لإنتصار كروي كان أو غيره في ظل شحة الانتصارات، أو بالاحرى غيابها، رجالا ونساء.. شيوخا وأطفالا، الى الشوارع «فارعين دارعين» كما يقولون، في اليوم الذي كان يفترض ان يجري فيه التصويت، وهم يلوحون بالبطاقات الحمراء في وجوه جنود الاحتلال، مخاطرين بأرواحهم ثمنا للحظة الانتصار التي كانوا مقتنعين بانها قاب قوسين او أدنى.
ولكن هيهات هيهات ان يجد هذا الشعب من يرأف بحاله.. وكأنه كتب عليه ان يبقى محروما من لذة الانتصار. وحتى لو افترضنا جدلا وجود تراجع في مؤتمر الفيفا فما الغريب في ذلك؟ فكم من مرة رفعت فيها أسقف التوقعات في غير مناسبة.. وهل يمكن ان يُنسى تقرير ريتشارد غولدستون القاضي اليهودي الجنوب افريقي حول جرائم اسرائيل في حرب 2008-2009 الذي سحب من جــدول اعمال مجلس حقوق الإنسان في جنيف وألقي باللائمة على الضغوط العربية والغربية؟ وهل يمكن ان يُنسى قرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في اجتماعه الأخير في رام الله، «وقف التنسيق الامني مع اسرائيل»، الذي اصبح نسيا منسيا بسبب ضغوط امريكية وأوروبية؟.
ألم تعد القيادة الفلسطينية بإلغاء أول على الأقل تعديل اتفاق باريس الاقتصادي الظالم والمجحف بحق الشعب الفلسطيني، ولم ينفذ هذا الوعد؟ وهل يمكن ان يُنسى وعد عدم العودة للمفاوضات في ظل المستوطنات.. وعدنا اليها صاغرين أكثر من مرة؟.. ألم يكن هناك وعد بحل السلطة إن لم ينجح المشروع الفلسطيني لإنهاء الاحتلال في مجلس الامن الدولي، وأين نحن من هذا الوعد؟
مسلسل من الانتكاسات له بداية وليس له نهاية.. فهل أصبحت الحياة تراجعات.

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية