أبدى الشعب التونسي في ثورته كثيرا من النضج الثوري والتحضّر القيمي في مستوى التظاهر السلمي، ما يجعلها بحق ثورة بعيدة عن كل النظريات السوسيولوجية الثورية من تنظيم ووعي ثوريين.
هي ثورة فريدة من نوعها بحق لم تشهدها لا أمريكا اللاتينية ولا أوروبا الشرقية موطن الأحزاب الشيوعية. وها هم أحرار القصرين يواصلون مسارها وصيرورتها، نظرا للتفقير الممنهج للجهة موطن الثورات عبر تاريخ تونس منذ القرن التاسع عشر، زمن البايات، إلى هذا اليوم زمن البارونات. تتحرك هذه الجهة العصيّة على الطغاة ضد الإقصاء والتهميش المتواصلين، شعورا بالضّيم والحيف من الحكومات المتعاقبة، التي لا همّ لها سوى جمع الأموال والثروة بأساليب النهب والسلب، والسهر على تحصيل الرفاهية والبذخ والعمل على تفقير الجهات الداخلية من ثرواته التي تراها كل يوم تستنزف أمام أعينها بدون أن ينوبها منها شيء.
لكنّ الثورة التونسية تضعنا اليوم أمام سؤال محوري، هل تتحقق الديمقراطية عربيا؟ هل من بوادر للانتقال الديمقراطي؟
في اعتقادي أن الوضع يبقى مرجّحا للتعايش الفعلي مع حياة ديمقراطية تسودها العدالة الاجتماعية، لكن الأفق الديمقراطي يتطلب أرضية صلبة تدار عليها قواعد اللعبة، فمن الضروري أن توجد مؤسسات دولة فعلية تضمن الانتقال الديمقراطي، كما هو الحال في الغرب، لكي لا يحصل الارتباك بين مرحة حُكميّة وأخرى. في السياق نفسه يبقى النظام البرلماني الحقيقي لا الزائف الممثّل عمليا للفئات الشعبية أعمق في تجسيد الفعل الديمقراطي من النظام الرئاسي، الذي يعمّق الهوّة بين الحاكم والمحكوم، ولا ينظّم عنف الغاب ولا يحمي من الخوف بتعبير توماس هوبس.
كما لا يغيب في هذا الإطار دور السلطة الموازية، التي تضم قوى سياسية وثقافية واجتماعية، كثيرا ما دلّ الواقع العربي المأزوم على هشاشتها البنيويّة وعلى قصور رؤاها النظرية والعمليّة.
وعلى المفكّرين والمثقفين أن يكون لهم الدّور المؤثر في محيطهم وعليهم العمل على جعل الحريات الشخصية والسياسية والديمقراطية هموما وأولويات الجميع، من مثقفين ومتعلمين وشباب جامعات، وجعلها كذلك من أولويات الفئات الشعبية في المقام الأول، وهي خطوة مهمة لقمع الديكتاتورية ووئدها قبل أن تتشكل من جديد، فالعدالة الاجتماعية تتجاوز الفقر والجوع والغنى، إلى حق الحياة الثقافية وإلى الطموح حاضرا ومستقبلا في الكرامة الإنسانية.
ربّما العقلية العربية غير مؤهّلة في كلّيتها لتمثّل الفعل الديمقراطي، وهي حالة شعوب لم يكتمل نضجها الثقافي، فالواقع العربي المأزوم كثيرا ما عمّق تأزّمه انشطاره إلى قسمين، قسم السلطة ومحابيها وزبانيتها والمدافعين عنها وأبواق دعايتها، وقسم المناضلين الأحرار بمواقفهم وأفكارهم ومساعيهم للتغيير ولمّ شتات الأمّة الذي مزقته الأنظمة الديكتاتورية العربية باستعمارها الداخلي اللعين لشعوبها.
اعتقد أن النّموذج التونسي مؤهّل لحياة ديمقراطية بعد الخطوات الأولى المحورية التي أسقطت صنما من أصنام هاته الأنظمة، وعلى أنقاضه تثبّت مؤسّسات الدولة من جديد، ولكنّها تبقي في حاجة إلى خطوات أخرى لعلّها أهم وأخطر، خاصة أن عالمنا اليوم تفاقم فيه الجشع والطغيان الإمبريالي الذي لا يحترم إرادة الشعوب المتطلّعة إلى الديمقراطية، وخطاباته تبقى زائفة مناورة « وسوقها نافقة» تخفي تشدّدا وتصلّبا في المصالح لا محيد عنه.
من المؤكد أن الأنظمة العربية تجد نفسها اليوم بين خيارين، إمّا إصلاحات جذرية لصالح شعوبها هي بمثابة حقوق مكتسبة وليست منّة ولا مكرمة أو تنتظر هبّة شعبية في أيّ لحظة، لأنّ الكرامة لا ترتهن للخارج، كما أن الاستحواذ على السلطة المطلقة إضافة إلى أملاك الدولة وحق الشعب بات مفضوحا لجميعهم وثقيل الحجم صراحة.
بعد ثورة تونس كان أحرى لهاته الأنظمة أن تستوعب الدّرس، فلن ترضى الشعوب التي تحكمها جمهوريات بغير تنازلات جذرية وعميقة من قبلها، لعل أهمها تداول السلطة في إطار تناوبي ديمقراطي يقطع بشكل نهائي مع فريضة التوريث أو التمديد المطروحة في سجلاّتها والجلوس على الكرسي لعقود متتالية تحت غطاء قدسي وإلهي، وكأنّنا نعيش ظلاميات القرون الوسطى، وفي السياق نفسه لا تستثنى الملكيّات أيضا، إذ من الضروري أن تصبح ملكيات دستورية في خدمة الشعب له تمثيليته الفاعلة في خضمّها.
قد تكون الشعوب العربية غير متجذرة في التعايش مع المشهد الديمقراطي وليست لها تقاليد ديمقراطية، لأن الطائفية مزّقتها وحلّت محل هويتها القومية إضافة إلى جور الأنظمة التي راهنت تحت توجيه خارجي على الاستبداد لمنع أي توجه ديمقراطي. لكن تبقى الحالة التونسية مرجحة للديمقراطية الفعلية خاصة أنّه لا مكان للطائفية ولا للقبلية، فالشعب موحّد عرقيا ولغويا ودينيا باستثناء نفس جهوي جذّره النظام السّابق نتيجة لفشله الذريع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، والتونسيون جديرون بتجاوز أهدابه الفاسدة، فقدرة الإنسان على العدالة تجعل الديمقراطية ممكنة، أما قدرته على الظلم فتجعلها ضرورية بتعبير، ريموند نيبور.
لقد كان للثورة الفرنسية الأثر المهم في أوروبا بأكملها والأكيد أن الثورة التونسية سوف يستمر تأثيرها لعقود في بقية الشعوب العربية «فلا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ربك».
٭ باحث في الحضارة من تونس
لطفي العبيدي