قبل أسابيع قليلة من الانتخابات البريطانية الفاصلة التي تسعى فيها الحكومة اليمينية لتوطيد قبضتها على المجتمع البريطاني استناداً إلى المدِّ اليميني الذي أيقظه من قيلولته في وعي الأنكلوساكسون فوز دونالد ترامب، وإلى خطاب تورية الكراهية للأجانب والمهاجرين عموماً والمسلمين خصوصاً الذي شكّل المحرك الأساسي لاستفتاء انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي؛ لم تعد أي وسيلة إعلامية بريطانية تخلو مما يسميه الإعلاميون الغربيون «القصص ذات الأرجل»، والتي تعني تلبيس أي قصة صحافية لبوساً درامياً، بالإضافة إلى تقديمه للمتلقي على حلقات بحيث لا يمر يوم إلّا ويتم تذكير المواطن البريطاني به، بحيث لا يمكن أن ينسى حدوثه في سياق طوفان الإعلام الموجه الذي يحيط فيه.
وتلك هي الحالة الطبيعية لأي خبر متعلق بالمسلمين و»إرهابهم» الذي يهدد وجودياً بنيان مملكة «الحرية» في بريطانيا. وهو ما تجلى في إعادة التركيز على رسائل خالد مسعود، المجرم العتيد في خمارات وملاهي بريطانيا الذي حسب الرواية الرسمية قرر القيام بعمل إرهابي بغيض في الشارع أمام البرلمان البريطاني انطلاقاً من «اعتناقه» للإسلام في وقت متأخر من حياته، من دون أن تشير وسائل الإعلام إلّا في الزوايا المعتمة إلى اسمه الحقيقي الذي ولد به «أدريان إلم ابن فيليب وجانيت» وتاريخه الإجرامي حينما كان مسيحياً. لتأتي الآن حكاية رسائله على تطبيق واتس آب الأخيرة قبل جريمته لتحتل مكان الصدارة إعلامياً كما لو أنّ شركة فيسبوك المالكة للتطبيق الأخير لا تمنح وكالات استخبارات رابطة العيون الخمسة «الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، أستراليا، نيوزيلندا» باباً خلفياً مشرعاً يمكن لها أخذ ما تريد من مخدمات شركة فيسبوك المالكة لتطبيق واتس آب، هي الحقيقة التي أكدتها تسريبات إدوارد سنودن، والتي وثّقها بشكل جلي كتاب الصحافي الطليعي غلين غرينولد «لا مكان للاختباء».
واتساقاً مع جريمة خالد مسعود «أدريان إلم سابقاً» لم يفت وسائل الإعلام البريطانية تغطية جريمة «الطفل هارون سيد» الذي أصبح رجلاً الآن بعد ما تم انتظار الشرطة البريطانية ما يقارب السنة عليه لينضج ويبلغ التاسعة عشرة من عمره، ليتم تقديمه للمحاكمة وفق قوانين مكافحة الإرهاب بتهمة «البحث على شبكة الإنترنت لمحاولة شراء مواد متفجرة لاستخدامها في بريطانيا» وهو ما رأته المحكمة بأنّه «جريمة مميتة، سوف يتم النظر في استحقاقها الحبس مدى الحياة» بما يشي «بإنصاف» نظام القضاء البريطاني الذي وصفته رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي مرة بأنّه «أكثر أنظمة القضاء عدالة على وجه الأرض» خاصة عندما يتعلق ذلك الأمر بطفل أو شاب مسلم لم تتح له الظروف الموضوعية من فقر وتهميش فرصة الاندماج في مجتمع تنخره «العنصرية المؤسساتية» عمقاً وسطحاً.
وعلى المقام الأخير نفسه، تأتي الحكاية الأخيرة التي احتلت كل الشاشات الإعلامية في القبض على «مسلم في العشرينات من عمره حاملاً سكيناً لقطع الخبز» وهي نوع من السكاكين التي بالكاد تقطع الخبز الفرنسي وأمثاله، والتي «كان يعد لاستخدامها في عمل إرهابي أمام البرلمان البريطاني»، كما لو أنه حالة فريدة من حاملي السكاكين، والتي هي بحسب إحصائيات مكتبة البرلمان البريطاني بلغت معدلاً سنوياً في بريطانيا قدره «29613 حالة عنف مسجلة باستخدام السكاكين أو أدوات حادة أخرى»؛ ولكن الأمر مختلف حينما يتعلق ذلك الأمر بمسلم «عاقل أو مخبول» – لكي لا ندخل في دهاليز نظريات المؤامرات السياسية لتحريك الشارع البريطاني باتجاه اليمين قبيل الانتخابات البريطانية التي يشي بها اسم ذلك الأخير «محمد خالد عمر علي» والذي لم نعرف لحد الآن إن كان اسمه الحقيقي أم الاسم الفني الذي اختاره لنفسه في سياق تحوله إلى إرهابي خارق للعادة – قرر حمل سكين لقطع الخبز في عاصمة «الحرية» مما اقتضى تجييش الإعلام البريطاني بأسره لتغطية ذلك الحدث الإرهابي الجلل.
وفي حكاية أخرى تمت تغطيتها فقط هامشياً في الإعلام البريطاني، كفقاعة صابون صغيرة تبعثر رذاذها بعيد انبثاقها، قرر شاب وسيم كما تشي الصور المستخدمة له في التعريف عنه إعلامياً، يدعى آرثر كولينز، الهجوم على ملهى ليلي في لندن ورش الموجودين فيه بحامض حارق نتج عنه «إصابة شخصين بالعمى، وتشويه العديد من الأشخاص الآخرين»، ليقوم بعدها القضاء البريطاني «العادل» بتوجيه تهمة «جرح ورمي سائل حارق بهدف الإيذاء الجسدي» لتنتهي القصة إعلامياً في أرضها إذ لا فائدة من تخليق «أرجل» لها حينما تتعلق الحكاية بجريمة سيد أبيض بعيون ملونة في وطنه الذي لم تتراجع فيه المعدلات الشهرية للجرائم العنيفة عن «مئة ألف جريمة شهرياً» بحسب مركز إحصائيات الجرائم في المملكة المتحدة، ولكن تلك التي يصادف أن يقترفها المسلمون وإن «تفكيراً وبحثاً على شبكة الإنترنت» أجدر بالتغطية إعلامياً لتحقيق المصلحة العامة وتوعية «المواطنين الصالحين» وهو الهدف الأسمى لكل وسائل الإعلام البريطانية «الموضوعية المحايدة».
ويكمن أس المعضلة في أن العرب والمسلمين لا صوت فعلياً لهم سواء على المستوى العالمي أو المحلي في بريطانيا، لتحسب له التشكيلات السياسية الذرائعية حساباً، فالحالة السرمدية في إخفاق إعلام العرب والمسلمين في الدفاع عن قضاياهم مرتبط جوهرياً بتحوله من عمل صحافي مدقق رصين إلى عمل استسهالي على طريقة الوجبات السريعة، حتى أصبحت الحالة الطبيعية في وسائل الإعلام العربية والإسلامية عندما يتعلق بتغطية أي حدث «إرهابي مهول» هو النقل عما تورده وكالات الأنباء العالمية الكبرى، والانخراط المنفصل في تغطية الحدث ببغائياً بما يتم تلقينه لها من تلك الوكالات تباعاً على طريقة القصة «ذات الأرجل»، دون البحث الاستقصائي فيها، الذي قد يكون لقلة الموارد فيها إن لم يكن استمراءً، وفي أحسن الأحوال تكون التغطية مبنية على منهج استبطان القصة كما أوردها المصدر في نسق دفاعي تبريري يسلم ضمنياً بأن الإرهاب مرادف للعرب والمُسلمين كنتيجة موضوعية للواقع والتاريخ، وأنّ أولئك الأخيرين هم ضحية أو مغرر بهم في أحسن الأحوال، دون حفر معرفي لازم لتفنيد الأساس الموضوعي لتلك الأطروحة الغربية الملفقة، والتي تخالف المعطيات الرقمية للواقع العياني المشخص الذي يشي ودون تعقيد كبير في أنّ الإرهاب كفعل عنيف يمارسه الفرد ضد المجتمع بهدف تحقيق هدف فكري أو سياسي أو عقائدي، هو جزء بنيوي من العقلية الغربية وخاصة تلك الإنكلوساكسونية التي قامت في جوهر تكوينها كمدنية على أساس «الإبادة الجماعية والاستيطان الحلولي» باستعارة توصيف المفكر نعوم تشومسكي لمجتمعات تغطي قارات بأسرها استناداً إلى أدلجة عرقية متأصلة لم ولن تفلح التزويقات الرغائية الإعلامية والسياسية في إخفاء وجهها الدموي العنيف الذي دونه لكانت الفاشية والنازية التاريخيتان واستنساخاتهما المعاصرة في غير موضع أوروبي وليدتي الفراغ، وهو ما يخالف أبسط قواعد منطق التاريخ والسببية الموضوعية.
هو الواقع المرُّ يشي بأن هناك إرهاباً يقوم به سيد أبيض بعينين ملونتين لا بدّ من النظر إليه بأنه خطيئة يحق له التوبة منها فمقولة السيد المسيح «من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر» صالحة لكل زمان ومكان، ولكن إذا تعلق الأمر بعبد عربي أو مسلم مقهور فهو إرهاب دنيءٌ لا خيار في عقابه سوى الويل والثبور، ولا بديل عن رجم مقترفه وكل من لف لفه في مملكة «الحرية» وما وراء البحار بكل ما يمت بصلة إلى الحديد والنار.
كاتب سوري مقيم في لندن
د. مصعب قاسم عزاوي