القوات تتقدم في «استديو لميس» وإسرائيل تبيض دولة إسلامية!

قبل «موقعة الخازوق»، أصدر القذافي أطرف بيان أخضر عرفه التاريخ، هدد فيه كل من تسول له نفسه بحرق جسده على طريقة البوعزيزي بالتعذيب والسجن حتى الموت، وهو أشبه بموقف جحا الذي تراهن مع زوجته على الصمت، فمن نطق منهما أولا يقوم ببل الخبز اليابس ليتمكنا من مضغه، غادرت زوجته المنزل وهي مطبقة فمها، وزاره صاحبه فالتهم خبزه وراح، ثم عادت الزوجة وهو لم يزل مطبقا فمه متصلبا في مكانه، مما أقلقها فسألته عن حاله، ليقفز مبتهجا بكسب الرهان، ولكن بعدما طار الخبز عن المائدة!
من سخرية القدر أن الطرفة تعيد نفسها، بعد مجزرة «الداعشيين» الأخيرة، التي راح ضحيتها واحد وعشرون قبطيا مصريا، كانوا أصلا رهائن عند التنظيم الإجرامي، الذي أعلن اختطافهم في إحدى إصداراته المنشورة باللغة الإنكليزية قبل أيام من الجريمة. فأين الطرفة في الوحشية المصورة؟
إنها في الهرولة المتأخرة نحو الحرب، فهل كان يعلم السيسي بموعد الجريمة حتى يدمر مخازنا للذخيرة خلال ساعات ويقصف المواقع العسكرية بهذه الدقة؟ أين كانت هذه الدقة من تحديد مكان رعاياه المختطفين؟ هل كان ينتظر الجريمة؟ أم أن الجريمة هي التي كانت تنتظره؟ كأنه كان يخبئ طائرات (رافال) تحت سريره، ليباغت العدو من غرفة نومه دون أن يضطر لخلع (البيجاما) وارتداء الزي العسكري! فوق هذا وذاك هناك الإسعافات الإعلامية المتأهبة لاستقبال القرارات الطارئة على مدار البث وبجهوزية مسبقة على طريقة المثل الشعبي: «اكنس بيتك ورشه ما تعرف مين يخشه»! فما هو التسريب الذي سننتظره إذن؟
لم يتبق علينا سوى انتظار تسريب لمكالمة تلفونية من العالم الافتراضي بين البغدادي والسيسي، وهما يتفقان على قضاء عطلة «شم النسيم» في الهرم، وأكل الفسيخ في درنة!

القوات تتقدم!

انهمك طاقم سيارة الإسعاف الإعلامية، في استحضار الأغاني الوطنية من الأرشيف الناصري، وفي غمرة انهماكه دخل في غيبوبة تاريخية هيأت له أن السيسي هو جمال عبد الناصر، فبدأ من جهة باستنهاض الهمم وإذكاء الروح النضالية، كما عبّر الأبراشي على «دريم»، ومن جهة أخرى بإيغار الصدور على فصائل المقاومة الفلسطينية وهي المهمة التي تولتها لميس الحديدي على الـ»سي بي سي»، وتستحق عليها وسام الدم الذي أهداه هتلر للراهبة «إليانور باور»، وقد تخلت عن مهمة الرحمة وانضمت لجبهة الدسيسة، بعد تدشين الوصايا التسع لنضال العمال في الحقبة الهتلرية: «احملي إناء ومكنسة وتزوجي رجلا»!
لسنا بصدد تحقير النسوان في الإعلام المصري، ولكننا لا بد أن نخاف حين تتحول الشاشة إلى ناقة، يراق لها دم القبائل والجيوش، ويذهب فرسانها ضحية فتنة بسوسية لشمطاء تتوسل البطولة في كواليس الدم والغرف الخلفية للتاريخ!
الجبهة الحقيقية للاحتراب هي الجبهة الإعلامية، فـ «الجزيرة» تفرغت لعرض تناقضات الإعلام المصري، والإعلام المصري تفرغ لعرض تناقضات «الجزيرة»، وبدت حرب النكايات شائطة ومتفحمة بينهما، خاصة وأن الأبراشي اتهم «الجزيرة» بعرض صور ضحايا وهميين لم يسقطوا بعد الغارة المصرية على مواقع داعش شرق بنغازي، بينما أكد ضيفه المستشار الليبي «رمزي الرميح» أن القوات الليبية التي رافقت الطيارين المصريين هي المسؤولة عن قتل هؤلاء، ليبدو المشهد غوغائيا مرتبكا، وفضائحيا، يبحث فيه الإعلام عن قاتل يغطي به جريمة جهله بالجريمة!
لم يعد أمامك كمشاهد سوى الخروج من الاستديو، الذي لن يستوعب سوى المانشيتات العسكرية، وطوابير الصف الخامس التي تقود المعركة إلى جبهات عربية شقيقة، وتضع العدو الحقيقي في الكوشة!
(نيّال اسرائيل يا عمّي)، لا نلومها، لأنها بذلت المستحيل لتظل عدوة لنا لكننا رفضنا عداوتها، واعتبرناها شريكا نزيها في حربنا على سلة بيضها الداعشية، فلم يكن أمامها سوى توفير عدو بديل من رحمنا يقوم بمهمتها، فأي عار يليق بنا يا الله!
القوات تتقدم نحو فلسطين وليبيا، وما خفي أعظم، ما دام إسلامنا هو العدو الأخير الذي تبقى لنا بعد أن صالحنا أعداءنا، وقمنا بواجب الضيافة معهم على أكمل وجه، فعقرنا لهم خيولنا، وأهديناهم سيوفنا، وأدخلناهم مخادعنا، وزوجناهم نساءنا بعقد نكاح إمتاعي على يد مأذون حاخامي!

عض متبادل

هل وقع السيسي في الفخ؟ إن كان لا بد من خوض هذه الحرب التي أجبر عليها الجيش المصري، فالأولى أن يخوضها من أشعلها!
ولكن من أشعلها؟ هل هو الإعلام؟ هل هي المؤامرة؟ أم أنها الخيانة! كل ما يهمنا في هذه الزاوية هو الإعلام، لذلك سنضعها في رقبته ونتكل على الله.
في هذه الجولة الإعلامية يصل الطرفان إلى حالة «البات» يعني تعادل الشطرنج، فإصرار مذيعة «الجزيرة» في التغطية الإخبارية ليلة الثلاثاء، على ربط الانتقام العسكري من الإرهاب الخارجي بفشل الجيش بالتصدي للإرهاب البوليسي الداخلي، أثار حنق ضيفها الباحث الاستيراتيجي الذي رفض سؤالها، لأن النحر جريمة كبرى ضد الإنسانية تقودها وتمولها جهات معادية لمصر، لا يمكن أن تقارن برجال شرطة أخفقوا بأداء واجبهم الأمني، ولا بد من محاسبتهم، وكونهم لم يحاسبوا بعد لا يعطي الحق بالمقارنة بين موقف الجيش من الجريميتن.
سؤال المذيعة لم يكن في وقته أبدا، كان استفزازيا، محابيا بين ضحية وضحية، في ذات الوقت الذي كانت تنتقد فيه المحاباة العسكرية! السؤال الحقيقي هو: هل حقا سيكون من دواعي سرور الإعلام المضاد أن يحاسب السيسي رجال الأمن الذين تسببوا بقتل شيماء الصباغ مثلا؟
آه، أيها الإعلام أين كنت في حرب العراق؟ لماذا لم تتصد للخروقات المرعبة التي قام بها حلف الناتو في ليبيا بحجة تحريرها من الديكتاتور الأخضر!
كل صحن فضائي له أنيابه التي تنقض على الصحن الفضائي في الجبهة المعادية، فعرب تأكل عربا، ولا مناص من حفلات العض المتبادل بين الأطباق الطيارة، في كل الأحوال لن تكون هذه عضة حب، على طريقة الممارسات الجنسية اللاهبة، المهم ألا ينوبك أيها المشاهد من هذا العض نصيب!
أقول قولي هذا وأستغر الله لي ولكم عما يرد من مشاهد ساخنة في هذه المقالة!

الجرجير ضحية المحرمات الإعلامية

يختلف الأمر تماما حين يتعلق بالجيوش الأوروبية أو الأمريكية، فبوش الابن أسقط حزبه الجمهوري الذي واجه هجوما إعلاميا بسبب قراراته الحربية الطائشة والتي كبدت الجيش الأمريكي خسائر فادحة، ساقت إلى فتح جبهة إعلامية نقدية على الحاكم دون التعرض لهيبة الجيش أو إهانته أو المطالبة بالثورة أو الانقلاب عليه!
أما توني بلير الذي فاز بثلاث ولايات متوالية، فقد رجمه الشعب الذي انتخبه بالطماطم، فأجبره على تقديم استقالته عام 2007، وتعرضه للمساءلة القانونية بعد أن ورط الجيش بأكاذيبه كي يتمكن من غزو العراق، لم يحدث في تاريخ شعوب الأرض أن تسقط دول وجيوش من أجل شرعية انتخابية لحزب ما، مهما بلغت شعبيته!
حققت الشرطة البريطانية مع رئيس تحرير «ديلي ميرور» السابق بيرس مورغان في قضية التنصت على الهواتف أثناء عمله في الصحيفة، لا بل إن الصحيفة قامت بـ «كبه» يعني إلقاءه خارجها – حسب تعبير أحد الصحافيين البريطانيين – بعد خمسة عشر عاما من الخدمة لما فضح انتهاكات الفرقة الملكية البريطانية «لانكشاير» في البصرة، واكتفى الإعلام بالمطالبة بمحاسبة المسؤولين دون التعرض لكرامة الجيش!
بين هذه المحرمات الإعلامية، وبين التغـول الإعلامي على جيوشـنا العـربية لم يبق لي سوى التعاطف مع مرسـي الذي يـذهب ضحيـة حزبه، ولم يكن في حسبانه سوى تطهير الاتحادية من الفلول، وفتح معبر رفح، وزراعـة الجـرجير!

أديبة فلسطينية تقيم في لندن

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية