القوة الغاشمة سبب الأزمة وتغليب روح التسامح والحكمة السياسية ومصلحة الوطن المجردة هي الحل

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: انتخابات رئيس وأعضاء مجلس إدارة الأهلي ومذبحة مسجد الروضة تسيطران على اهتمامات الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 28 نوفمبر/تشرين الثاني.
لا تزال المذبحة المروعة التي ارتكبها تنظيم «داعش» يوم الجمعة ضد المصلين في مسجد الروضة في منطقة بئر العبد، وقتلت أكثر من ثلاثمئة من المصلين، بينهم سبعة وعشرون طفلا وحولت نساء القرية إلى أرامل، تهز مشاعر الأغلبية الساحقة وتثير اشمئزازهم وغضبهم، وتدفعهم لمطالبة النظام بالتوقف عن محاكمة الإرهابيين أمام محاكم مدنية، وإحالتهم إلى محاكم عسكرية، للتسريع في إصدار أحكام الإعدام ضدهم وتنفيذها فورا، وكذلك تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة من المحاكم المدنية بسرعة، للانتهاء من القضايا المرفوعة أمام محاكم النقض.
كما أدت الحادثة إلى نشوب معارك أخرى، إذ هاجم البعض الأزهر لرفضه إصدار حكم بتكفير الدواعش والإرهابيين، بينما دافع آخرون عن موقفه، حتى لا يكفر المسلمون بعضهم بعضا.
واتهامات للنظام بالتراخي في مواجهة الإرهابيين والتغطية على أخطائه باتهام المخابرات التركية والقطرية. ووزارة الأوقاف تشرع بتركيب كاميرات داخل المساجد ومطالبات بتوفير المساعدات للنساء الأرامل. كما أن البعض طالب باتخاذ إجراءات صارمة ضد القبائل التي تتستر على الإرهابيين ولا تبلغ عنهم، وإنزال العقاب بهم أو تهجيرهم إلى داخل البلاد. واتهامات لأمريكا وروسيا وإسرائيل بعدم إمداد مصر بالمعلومات التي يعرفونها عن تحركات الدواعش.
كما ركزت الصحف على انتخابات رئيس وأعضاء مجلس إدارة النادي الأهلي، التي ستتم غدا الخميس، وامتلأت صفحات جميع الصحف بالاعلانات المدفوعة من قائمة رئيس النادي الحالي محمود طاهر ومنافسه محمود الخطيب وقائمته، وأبدى النظام ارتياحا كبيرا بسبب حادثين الاول حضور سفير إثيوبيا في القاهرة اجتماع مجلس النواب وجلوسه في الشرفة، وأكد للمجلس أن رئيس الوزراء ميرياح ديسالين سوف يزور مصر الشهر المقبل، ويلقي كلمة أمام المجلس، ما يعني أن مشكلة سد النهضة تم حلها، تأكيدا لإعلان الرئيس السيسي منذ حوالي عشرين يوما بأنه لا مخاوف من تأثر حصة مصر من مياه النيل، والحادث الثاني زيادة معدل النمو الاقتصادي باكثر من توقعات الحكومة. وإلى ما عندنا من أخبار متنوعة..

المذبحة

ونبدأ بأبرز ردود الأفعال على المذبحة وقول الدكتور عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»:
«لعل السؤال الأول: كيف تحرَّك 30 إرهابيا مجرما بهذه السهولة على عربات دفع رباعي ودخلوا قرية آمنة، ونفَّذوا عملياتهم الدنيئة ثم هربوا، بدون أن يرصدهم أو يشتبك معهم مرتكز أمني واحد؟ ولماذا ـ وبشكل متكرر ـ تدكُّ قواتنا مواقع الإرهابيين ومعداتهم وتعلن قتل عدد منهم عقب كل عملية إرهابية وليس قبلها؟ لماذا لا نستهدفهم قبل الجريمة ما دمنا ننجح في رصد أماكن اختبائهم؟ سيقول قائل: أنتم تنظرون من وراء مكاتبكم وتتحدثون عن التقصير، في وقت يدفع فيه رجال الجيش والشرطة الثمن من دمائهم. والحقيقة أن القضية ليس لها علاقة بتضحيات رجال الجيش والشرطة، فهي مؤكَّدة وكبيرة، إنما في الشفافية الغائبة والخطاب الإعلامي الموجَّه، الذي يؤكِّد فقط أن التنمية والإنجازات الاقتصادية مستمرة، رغم الإرهاب، أو أن المؤامرة الدولية هي سبب الإرهاب، وأن المخابرات التركية والقطرية هي التي تقف وراءه، في حين أن المطلوب هو الحديث عن الصعوبات التي جعلتنا نخسر معركتنا ضد الإرهاب، ونعجز عن محاصرته وتحجيم جرائمه، حتى صارت مصر من أكثر بلدان المنطقة تعرضا لعمليات إرهابية. العملية الأخيرة تقول إن سهولة تحرُّك القتلة المجرمين تعني عدم وجود سيطرة أمنية داخل المدن السيناوية وخارجها، ولأسباب يجب أن يعرفها الشعب ويتم تحديد الواقع الحقيقي في سيناء وحجم التحدي ومخاطر انزلاقها نحو اقتتال أهلي، وإن القول إن الإرهاب يلفظ أنفاسه الأخيرة خداع للنفس أفلا تعقلون؟».

إرهاب فاق الحدود

و«في المصري اليوم» أيضا قال الدكتور محمد أبو الغار وهو غير مصدق: «ما حدث في سيناء وفي هذه القرية الصغيرة التي يساند أهلها الجيش والشرطة في حربهما ضد الإرهاب كارثة كبرى، من جهة حجم الخسائر الرهيب. والطريقة التي تم بها الحادث تنم عن وحشية غير مسبوقة في ضرب مدنيين مسالمين بمدافع مضادة للدبابات وبالرشاشات والقنابل. والهجوم على الضحايا أثناء صلاة الجمعة حدث على مسلمين، والمهاجمون مسلمون.. هل هي أحداث مشابهة لما يحدث في العراق بين السنة والشيعة، وكلاهما مسلمان، وهل وصل الأمر في مصر إلى أن الصوفية أصبحوا مستهدفين من جناح السلفية الجهادية، مثلهم مثل المسيحيين؟ أم أن الأمر ليس له علاقة بالدين، وأن الاعتداء على القبيلة التي استهدفها الجناة كان لأسباب سياسية؟ أم أن السبب الأساسي هو إضعاف مصر؟ أم هو بدء جديد لنشاط «داعش» وغيره من الجماعات الإرهابية التي فقدت موقعها في سوريا؟ الأمر خطير وعلينا الحذر، استخدام القوة أمر ضروري، ولكنه لن يحل المشكلة وحده. كيف تدخل كل هذه المعدات الحربية لهذه القرية بدون علم ومعرفة السلطة المصرية ولا الأقمار الصناعية الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية وكلهم الآن حلفاء لنا؟ أبناء الصحراء يعرفون كل تحرك قريب منهم فكيف لم يبلغ أحد من أبناء القرية السلطات المصرية؟ هناك غموض وهناك تراخٍ في المساعدة من الذين يُفترض أنهم حلفاء من الخارج والداخل هناك فشل واضح في السياسة الإعلامية، فهناك تشجيع في وسائل الإعلام لغلاة المتشددين وتمرير قوانين مثل، ازدراء الأديان، قد أديا إلى ترك الفرصة للمتشددين في سيطرتهم على عقول المصريين، والحديث عن قانون جديد لمنع مناقشة بعض الرموز التاريخية المصرية سوف يؤدي في النهاية إلى خلق مجموعة من المحرمات، تؤدي إلى قفل باب التطور تماما».

توزيع الإدانات

وإلى «الأهرام» التي قال فيها فاروق جويدة: «جاءت مذبحة مسجد الروضة في سيناء لكشف جوانب كثيرة من القصور في طريقة التفكير واتخاذ المواقف وبدلا من أن تكون الدعوة لجمع الصف وتوحيد الكلمة في مواجهة حشود الإرهاب، بدأت فرق الانقسامات في توزيع الإدانات وعلى من تقع المسؤولية في ما حدث، وكأننا نتعرض لهزيمة في إحدى مباريات كرة القدم! كان الخلاف واضحا بين الفضائيات المصرية وجميعها الآن ملك للدولة، ولكن الكل كان يتحدث على هواه ويشعل الفتن على طريقته، ما بين اتهام الأزهر في مسؤولية ما حدث، أو إلقاء التهم هنا وهناك. كنت أتصور أن ينتقل كل هذا الإعلام إلى عواصم العالم ينقل صور ما حدث وكيف حدث ويقدم نماذج إنسانية عن أطفال صغار قتلتهم يد الإرهاب، كنت أتخيل أن نقدم للعالم قصة طفل ماتت كل أسرته أو طفل آخر ارتمى على جثمان والده الملطخ بالدماء، أو حشود الإرهاب وهي تطارد الناجين من المذبحة في عربات الإسعاف، كان ينبغي أن يكون هذا حديثنا مع عالم لا يصدق اننا نخوض حربا حقيقية ضد أعداء الحياة. لقد فتحت الفضائيات المصرية النيران على بعضها بعضا، هناك من يدين الأزهر ويطالب بقرار حاسم بتكفير «داعش». وهناك من يرى أن الأزهر يتحمل الجريمة كلها وانقسم المصريون على الشاشات».

كيف نحمي المجتمع؟

بينما قال زميله أحمد عبد التواب في «الأهرام» أيضا: «هل يمكن حقا للتنمية التي يختصرونها في مجرد توفير فرص عمل أن توئد الإرهاب في مهده، وأن تقى الأجيال الجديدة من الانخراط في الفكر المتطرف، وأن تحمي المجتمع من تخريب المتطرفين الذين سيختفون تماما، كما يرى من ينادون بأن هذه التنمية هي الحل؟ ولكن الدول الغربية التي أنجزت أكبر قدر من التنمية عرفه التاريخ لم تَسْلَم حتى الآن من الإرهابيين من أبناء بلادهم، ومن الأجانب المقيمين لديهم الذين يستخدمون كل الأسلحة الإرهابية، فإذا تعذر السلاح عليهم استخدموا طائرات الركاب في الارتطام بالمنشآت ثم السيارات المدنية الخالية من أي سلاح في دهس المارة. وتقول الأخبار إن معظم هؤلاء الإرهابيين في الغرب نالوا تعليما راقيا، وإن كثيرا منهم يحظون بوظائف مرموقة، وإن أسرهم متيسرة وإنهم من أبناء مدن أوروبية جميلة تنعم بأفضل مرافق، إلخ. ولماذا نبتعد إلى أوروبا، فإن بن لادن شخصيا كان من أنجح وأثرى رجال الأعمال، وأسرته كلها ناجحة في مجالات البيزنس المختلفة، وهذا يعنى أن الفكر المتطرف يمكنه أن يضرب الجميع الفقراء ومتوسطي الحال والأثرياء، ويمكنه أن ينتعش في مجتمعات متقدمة، هذا لا يعني أن ندع التنمية جانبا، بل يجب العمل الجاد على الالتزام بها لأسباب ومطالب كثيرة، منها أنها شرط من شروط تحقيق قوة الدولة والحياة الكريمة للمواطنين، ولكن مع الانتباه إلى أن الأجدى من التعلق بفكرة التنمية كمعجزة في حل مشكلات التطرف والإرهاب، أن يتوجه العمل إلى المنابع إلى الكتب المدرسية التي لا تزال حتى هذه اللحظة مقررة على التلاميذ الصغار تسمم أدمغتهم بأفكار الجهاد ضد الكفار، وبتكفير فئات من المواطنين وزرع الكراهية في وجدانهم الغضّ ضد الأجانب، وإيهامهم بأن الدين وقف على العبادات وعلى شكليات الحجاب والنقاب والإسدال واللحية والجلباب والمسواك.. إلخ».

سماحة الأديان وقبول الآخر

ومن «الأهرام» إلى «الجمهورية» التي قال فيها علاء معتمد: «هذه الجريمة توقعها المتابعون لهزيمة «داعش» و«القاعدة» في العراق وسوريا، وخروج نحو 45 ألفا من أتباعهم يحملون فكرهم وسلاحهم متوجهين إلى منطقة اخرى ينشرون فيها هذا الفكر الفاسد، ويوجهون سلاحهم لأهالي تلك الدولة، ويحاولون تجنيد المزيد من شبابها لينضموا لصفوفهم. إذن فهؤلاء يحملون فكرا قبل أن يحملوا سلاحا، ويتتلمذون على أيدي فقهاء يفتون لهم بإباحة فعلهم، قبل أن يتدربوا على كيفية استخدام هذا السلاح، لذلك فإن كل محاولات مواجهة هؤلاء الخوارج بالسلاح لن تفلح، إن لم تسبقها مواجهة فكرهم بفكر مضاد، ولن يتمكن الجيش والشرطة وحدهما من القضاء على هؤلاء الإرهابيين، إن لم نتكاتف جميعا وأن يقوم كل منا بدوره ويتحمل مسؤوليته، وأن نبدأ من المدرسة بإعداد طفل سليم العقل يتعلم سماحة الأديان وقبول الآخر وحرية العقيدة، التي نص الله تعالى عليها في القرآن الكريم، حين أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أن يقول للكافرين «لكم دينكم ولي دين». وقال «ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» وجعل سبحانه حساب المؤمن والكافر يوم القيامة».
المهم أن وزارة الأوقاف سارعت بتركيب كاميرات في المساجد خوفا من تكرار داعش للعملية فيها.

أبو جرير والسواركة

أما بالنسبة لاتباع الطريقة الجريرية في قرية الروضة فقد نشرت جريدة «عقيدتي» تحقيقا لإسلام أبو العطا تحت عنوان «عيد أبو جرير المؤسس الأول للصوفية في سيناء» جاء فيه:
«رغم وجود أكثر من 12 طريقة صوفية في سيناء منها التيجانية والعلوية الدرقوية الشاذلية والأحمدية، إلا أن دور «الجريرية» في سيناء كبير ووقوفها بجانب الدولة في مواقف شتى، بداية من العدوان الثلاثي حتى الآن. بدأت جذور الصوفية في سيناء بشكل علني حينما انتقل الشيخ الصوفي أبو أحمد الغزاوي من غزة إلى سيناء، وحلّ في جوار صديقه وتلميذه عيد أبو جرير شيخ عشيرة الجرارات من قبيلة السواركة، فشهد عام 1954 نشأة أول مقر للطريقة العلوية الدارقوية الشاذلية المقبلة بدورها من فلسطين. وحمل أبوجرير رسالة أستاذه فعمل على نشر زوايا الطريقة في منطقة الجورة في الشيخ زويد والعريش، حتى بلغ قرية الروضة بين العريش وبئر العبد واستقر فيها، وهو ما جعل الإرهابيين ينظرون إلى قرية «الروضة» على أنها ملجأ لمن يصفوهم بـ«بمبتدعة الصوفية» ويتهمونهم بنشر الفكر الشركي، وحسب دراسة نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في يناير/كانون الثاني 2014 تحت عنوان «الحرب في سيناء: مكافحة إرهاب أم تحولات استراتيجية في التعاون والعداء» فإن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 أثمر علاقة قوية بين الجيش المصري ومخابراته الحربية، و«جريرية سيناء» بقيادة الشيخ عيد أبوجرير مؤسس الطريقة. ولد الشيخ عيد أبوجرير عام 1910 في حي آل جرير في العريش لأبوين من عشيرة الجريرات إحدى عشائر قبيلة السواركة المعروفة في سيناء، وسعى إلى نشر فكره الصوفي. بعد نكسة عام 1967 انتقل الشيخ عيد أبوجرير إلى قرية جزيرة سعود في مركز الحسينية في محافظة الشرقية واستقر فيها وبنى هناك مسجدا كبيرا إلى أن وافته المنية في التاسع من سبتمبر/أيلول عام 1971. وتعتبر الشرقية المحافظة الثانية التي تضم عددا كبيرا من مريدي الطريقة الجريرية بعد سيناء، وللطريقة الجريرية الصوفية المسجلة بالقانون 118 لسنة 76 ثلاث زوايا رئيسية هي، زاوية العرب في الإسماعيلية وزاوية سعود في الشرقية والزاوية الأساسية في قرية «الروضة» في مركز بئر العبد، وتتبعها زوايا كثيرة كزوايا حي أبو جرير والطويل وصباح. والطريقة الجريرية الأحمدية تتبع حاليا الشيخ مسعد حامد الجريري، الذي عُين شيخا للطريقة بعد وفاة شيخها السابق الشيخ نصير سلمى نصير الخليفة الرابع للشيخ عيد أبوجرير مؤسس الطريقة الجريرية الأحمدية المتصوفة في نوفمبر/تشرين الثاني2011 وتولى مشيخة الطريقة عام 2003 خلفا للشيخ عبدالله خويطر عبد الله أبوجرير».

شاهد عيان

أما مجلة «آخر ساعة» فنشرت تحقيقا عن القرية ومن داخلها قام به محمد مخلوف وجاء فيه:
«سكان القرية وفقا للجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء في يوليو/تموز 2016 ألفان و111 شخصا منهم 1068 ذكورا، القرية تبعد عن مدينة العريش 23 كيلومترا وتقع على طريق العريش القنطرة الدولي، وهي قرية صحراوية صغيرة تحيطها الصحراء من كل جانب. أغلب سكانها من عائلة الجريرات أحد أفرع قبيلة السواركة، مع سكان من محافظات أخرى معظمهم مدرسون وعمال. في القرية مسجدان أحدهما كبير وهو مسجد الروضة الذي شهد الحادث ومسجد الحصيني، الطريقة الجريرية الصوفية تتنافر مع الفكر التكفيري وتساند الجيش والشرطة ضد الإرهاب، وقد خطف تنظيم «داعش» كبير الطريقة الصوفية الشيخ سلامة أبو حراز وأعدموه ذبحا في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2016. رائحة الدماء تنبعث فور دخولنا المسجد وقد تحولت إلى طبقات تناثرت في كل الأرجاء من سجاجيد وحيطان ونوافذ وأعمدة اخترقتها رصاصات الغدر، وكرسي متحرك لمعاق وعصا لشيخ مسن وحذاء لطفل وأدوية لمرضى جميعها مخضبة بالدماء. اقتربنا من حامد عيد 50 عاما قال لنا فقدت أربعة من أهلي، شقيقيّ حسين وعبد السلام وابنيهما محمد ومسعود، وكنت أول من جاء للمسجد عقب سماع أصوات الرصاص ورفعت جثامين 250 شهيدا لوضعهم في عربات الأسعاف. وتابع قائلا إن هناك 5 سيارات دفع رباعي بها 22 ارهابيا مسلحا وقفوا خارج المسجد وأطلقوا النار من خارجه، ثم دخلوه وأطلقوا النار عشوائيا على الإمام والمؤذن ثم المصلين وأصر الإرهابيون على قتل الجميع فكل من حاول الهرب طاردوه وقتلوه في الشارع، ومن كان قادما للمسجد قتلوه بل وسيدة خرجت على صوت الرصاص تصرخ بحثا عن ابنها فقتلوها وفي النهاية أطلقوا عبوتين بدائيتي الصنع داخل المسجد. وأضاف، بعض الإرهابيين هربوا لقرية الجفجافة على بعد 150 كيلومترا وطريقها كثبان رملية في جبال وسط سيناء، ومنها يمكنهم العودة لمدينة الشيخ زويد وقد اختاروا هذا الطريق لتضاريسه الوعرة وسهولة اختبائهم وسط الكثبان بدون أن ترصدهم القوات المسلحة».

تكفير الدواعش

أما «الأخبار» فنشرت حديثين الاول مع الدكتور عبد الحليم منصور عميد كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر فرع المنصورة أجراه معه ضياء أبو الصفا قال فيه عن رفض الأزهر تكفير الدواعش: «قضية التكفير قضية في غاية الخطورة لأنها تحكم على ما في قلب الإنسان من إيمان أو كفر، ورد ذلك كله إلى الله سبحانه وتعالى، لذا يرى الأزهر الشريف أنه لا اطلاع لأحد على ما في قلوب البشر، وإنما يمكن الحكم على التصرفات التي تصدر من البشر وتقييمها، وما يصدر عن «داعش» وإخوته من الجماعات الإرهابية من قتل وسفك للدماء هي أعمال كلها ظلم وفسق وفجور، ويستحقون بسببها العقاب الرادع، سواء أكان القتل قصاصا أو حرابة على النحو الوارد في قوله تعالى: «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدينا ولهم في الآخرة عذاب عظيم». فضلا عن أن فتح باب التكفير من شأنه أن يؤدي إلى شر كبير، حيث تكفر طوائف الامة بعضها بعضا، وكل فئة تستبيح دماء الأخرى ويكثر القتل في الناس وهذا ما لا يحبه الأزهر لأبناء وطنه خاصة، وللأمة الإسلامية عامة. الإمام الأكبر شيخ الأزهر لفت مرارا وتكرارا إلى أن «داعش» وغيره من الحركات المسلحة التي تقتل الناس وتمثل بالقتلى، حكم الإسلام فيهم أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض ويكون لهم خزي في الدنيا وفي الآخرة عذاب عظيم. وأوضح أن الإسلام يتصدي لهم باعتبارهم قتلة وليس باعتبارهم كفارا؛ لأنهم لو قوتلوا باعتبارهم كفارا يجب أن يقاتل الكفار جميعا، وهذا ليس من المنطق، فالكفر ليس علة للقتال وإنما العدوان هو علة القتال، ولذلك الإسلام يرى أن غير المسلمين إذا لم يقاتلوك، وإذا لم يخرجوك يحرم قتالهم لأنهم مسالمون، ولو أنت تريد تكفير «داعش»؛ لأنهم قتلوا الناس فعليك أن تحكم على كل قاتل يقدم للمحكمة بالكفر وقبل القصاص منه يُعلن كفره وهذا لا يمكن؟ ومن ثَمَّ فإن المسألة ليست مسألة كفر ومسألة إيمان ولا تقدم ولا تؤخر في الواقع، مؤكدا أن قتل الآخرين جريمة أو نعتبره كبيرة، فهل الكبيرة تُخرج صاحب الكبيرة من الإيمان أو لا تخرجه؟ لو قلنا بخروج «داعش» من الإيمان بسبب الكبيرة التي ارتكبوها وهي القتل، فإنه يجب علينا أن نُخرج كل من يرتكب كبيرة من الإيمان ونحكم عليهم بالكفر وتدور ماكينة التكفير وهذا ليس من الإسلام الذي يعمل العقل والمنطق».

آلات للقتل

وفي «اليوم السابع» قال أكرم القصاص رئيس التحرير التنفيذي: «بعض المحللين أو الكتاب لدينا يتصورون أن مجرد إصدار فتاوى بتكفير «داعش» من الأزهر الشريف سوف يدفع «داعش» إلى ترك سلاحه وإعلان التوبة، وهو تصور يخلو من المنطق. «داعش» وغيره من التنظيمات الإرهابية لا يقرأون ولا ينتظرون صدور فتاوى بتكفيرهم من الأزهر، وأي حوار ديني معهم محكوم عليه بالفشل. الإرهابيون من الثمانينيات وما قبلها كانوا يضعون واجهة دينية للقتل، ولم يتوقفوا عنه ونرى كيف أن كلا منهم يحمل يقينا وآيات بتفسيرات محددة وهم يتحولون إلى آلات قتل، وما نتيجة كل الحوارات والمحاورات مع الإرهابيين طوال عقود؟ النتيجة أن أي دخول على أرضية النصوص تكشف أن الإرهابى يحمل نصوصا تبرر له القتل والتفجير، وهي تفسيرات بتوقيع كبار من يسمون علماء، ويكفي أن نرى كيف تم إرسال عشرات الآلاف من الإرهابيين إلى سوريا والعراق بفتاوى شيوخ، ما زالوا يمارسون دورهم وبعضهم كان يفعل ذلك بأجر، وهم ليسوا من الأزهر لكنهم كانوا ينطقون باسم أسيادهم ومموليهم، وربما يكون الأجدى بدلا من تكفير الإرهابيين كشف علاقات هؤلاء المدعين بممولى الإرهاب».

الخارجية المصرية دخلت في سوق المزايدات

وفي «المصريون» قال رئيس تحريرها جمال سلطان: «لا أفهم لماذا يتصور النظام السياسي الحالي أن أي ملاحظة على أدائه أو رؤيته للحل في مصر المأزومة حاليا هو إهانة له أو تشهير به أو تدخل في شؤون سيادية، على النحو الذي حدث في التعليقات الداخلية والدولية على تصريحات الرئيس السيسي بخصوص مجزرة مسجد الروضة في بئر العبد، التي هزت ضمير العالم كله من وحشيتها، فقد قال الرئيس أنه سيرد «بالقوة الغاشمة» على تلك الجريمة، وهو تعبير لم يكن موفقا، واضطرت رئاسة الجمهورية نفسها لإصدار بيان توضح فيه المقصود وتخفف من وقع العبارة، بما يعني استشعارها الحرج منها، وإدراك الرئيس أن صدى الكلمة كان سلبيا. الخارجية المصرية دخلت في سوق المزايدات فأصدرت بيانا للرد على صحيفة بريطانية نشرت مقالا يقول إن استخدام القوة المفرطة أو الغاشمة في مصر لم ينجح في دحر الإرهاب، وإنما عقد الأمور أكثر، ولم يجف مداد بيان الخارجية المصرية حتى ظهرت تقارير أخرى في صحف وقنوات ألمانية وأمريكية وغيرها تؤكد المعنى نفسه وبالعبارات نفسها تقريبا، فهل ستضطر الخارجية لإصدار بيانات متلاحقة تندد بهذه التقارير؟ أم أن الحكمة تقتضي دراسة هذا الكلام ومراجعة الموقف برمته، فلعل المسار الحالي خاطئ بالفعل ويحتاج إلى تصويب وتعديل. العالم كله متضامن مع مصر ضد الإرهاب، ولكن المعركة مع الإرهاب أصبحت عالمية، وليست محلية أو حتى إقليمية، فما يحدث في القاهرة أو بغداد أو طرابلس يؤثر في عواصم أوروبية وأمريكية، وحتى في استراليا البعيدة، والسيسي نفسه يعيد التأكيد في خطاباته أنه يخوض معركة الإرهاب نيابة عن العالم، وأن المواجهة شراكة، كما أن السلاح والدعم التقني والمعلوماتي والأمني وغيره لمواجهة الإرهاب يأتي لمصر من عواصم العالم المختلفة لهذه الغاية، ووزير الخارجية سامح شكري في حواره مع شبكة «سي أن أن» الأمريكية يوم الاثنين قال إن مصر لا يمكنها خوض المعركة ضد الإرهاب بمفردها، وإنها بحاجة إلى عون الشركاء الدوليين حسب تعبيره، وبالتالي فمن الطبيعي أن يكون لهؤلاء «الشركاء» رأي وتقدير وحتى حق الاختلاف مع السياسات التي تحدث هنا ويرون أنها تأتي بنتائج عكسية في الحرب على الإرهاب. لماذا لا نجرب خيارا آخر لإنقاذ الوطن، لماذا لا نجرب ما ينصحنا به العالم كله، لماذا لا نوقف خيار «القوة الغاشمة»، سياسيا وأمنيا وقانونيا وإداريا، لماذا لا نؤسس لمناخ سياسي حر، وعدالة حقيقية، وسيادة للقانون حقيقية، وديمقراطية حقيقية، وتعددية سياسية حقيقية، ونحمي الأحزاب من التدخل الأمني والحصار الأمني ونطلق نشاطها، لماذا لا نحمي حرية الصحافة وحرية التعبير، لماذا لا نوقف المحاكمات ذات الطابع السياسي، لماذا لا نطلق منظمات المجتمع المدني بكل أطيافها لتضخ حياة جديدة في المجتمع وتحميه من التطرف والإرهاب، لماذا لا يكون هناك عفو عام وشامل لمن لم يثبت بشكل قاطع تورطه في الدم وهم الغالبية العظمى ممن في السجون الآن، لماذا لا نوقف ملاحقة الناشطين والمعارضين، لماذا لا نخفف القيود على التظاهر السلمي لتخفيف الاحتقان وتصريف الغضب في مسارات آمنة، لماذا لا ندعو لمصالحة وطنية شاملة ونصفي ميراث الكراهية والمرارة الذي أنشأته القوة الغاشمة في المرحلة السابقة. لماذا لا نجرب مسارا جديدا، بعد أن ثبت للكافة فشل المسار السابق، لماذا لا نغلب روح التسامح والحكمة السياسية ومصلحة الوطن المجردة على روح القسوة والغضب والقلق على كرسي الحكم، أسأل الله أن يبصر أصحاب القرار برؤية جديدة أكثر صلاحا وعدلا ورشادا، وأسأله أن يهدينا جميعا سواء السبيل».

وجها لوجه مع القبح

«كلنا نجري ..نجري من أشياء تخيفنا، ونجري نحو أشياء نتمنى لو ندركها! كما تقول دينا عبد الكريم في مقالها في «المصري اليوم» وتواصل، الحكمة تصرخ وتنادي في الجميع .. أن يتوقفوا من وقت لآخر وقفة للمراجعة.. علنا نكون قد ضللنا! علنا نهرول في الطريق الخاطئ
فنتغافل عن صوتها ونهرب منها متمسكين بحماقاتنا، يأتينا القدر.. ليجبرنا على التوقف، ولكن هذه المرة لا وقت للتأمل. الوقفات التي يصنعها القدر قاسية.. يواجهنا مع قبحنا وزيفنا ويكشف بقسوة.. تلك الصحراء المقفرة التي نجري نحوها.. فنفيق لاكتشاف أن الطريق كله.. كان خدعة، وأن السعي كله كان باطلا. والعاقل فقط من يحول عينيه وقت الأزمة ويدرك أين يقف وإلى أين سيحول وجهته بعدها. فاجعة مسجد الروضة، جاءت لنا في وقت غير متوقع، جاءت وقت نجاحات كبيرة على المستوى الداخلي للوطن.. بدأنا ندرك أن لدينا مشروعات حقيقية نلتف حولها ولدينا أحلام حقيقية نسعى إليها. لدينا تحديات خارجية وحرب تسعى إلينا.. ونبذل جهودا خرافية في ملف العلاقات الخارجية لندفعها بعيدا عنا.. وكنا وسط كل هذا.. نتصارع على تفاهات أخرى ونتكالب حولها بحماس عجيب.
جاءتنا فاجعة مسجد الروضة لتهز ثوابتنا.. وتزلزل كياننا، هي حادثة مختلفة بكل المقاييس ليس فقط بسبب عدد الشهداء، ولكنها أيضا باغتتنا في ما كنا نظن أنفسنا آمنين. لعلها واحدة من أسرار النجاح في الحياة وهي الخروج من الدوائر المريحة، جاءت هذه الحادثة لتهز (ثوابتنا المريحة)! فقد عشنا بقناعة مرعبة لا نعلنها على الملأ ولكننا ننفذها كل يوم مفادها «طالما لم يطالني الإرهاب فأنا متصالح معه إما بالموافقة عليه أو بتأييد فكره أو بالسكوت عنه!». فعاش البعض شامتين في حوادث الإرهاب التي تطال رجال الجيش والشرطة وملقين باللوم كله على شخص ما في جهة ما. ثم جاءت المئات من حوادث الاعتداء على الكنائس، فظهر التعاطف المبتعد، الذي يحمل لدى البعض مبررا وتفسيرا للإرهاب نيابة عن الإرهابيين أنفسهم، فروجنا لأنفسنا أن هناك (آخر) مختلفا يجب القضاء عليه، ولكننا قد لا نوافق على الطريقة، هذا هو الشكل الأعم لتناول الغالبية العظمى لحوادث الإرهاب. حتى في فاجعة مسجد الروضة، هرولت العقول نفسها في الاتجاه الجاهل نفسه. هناك آخر (الصوفيون) وهناك ثمة مبرر ليفكر الإرهابي في قتله! أي منطق هذا الذي نسمح لأنفسنا بترويجه! إنه ركض في الاتجاه المغلوط وتهيئة للباطل أن يتحول إلى فكرة قابلة للمناقشة.
إن كان خير ما وراء كل مصاب وكل مصيبة، فالخير وراء فاجعة مسجد الروضة.. أن نراجع ثوابتنا العقيــــمة.. أعرف أن مصطلح (مراجعة الثوابت) مرعب بالنسبة للبعض، مرعب لأولئك الذين لا يثقون في ثوابتهم وغير المتيقنين في أن مراجعة الثوابــــت.. ستقويها إن كانت صحيحة وتنقيها إن كانت هشة ومغلوطة، فلنراجـــع مواقفـــنا، تعاطفنا، انتماءنا موقفنا من الوطن. التمييز بين الوطن والحكومة، التمييز بين الاختلاف والخلاف، الاستعداد لبذل بعض المجهود من أجل التغيير».

القوة الغاشمة سبب الأزمة وتغليب روح التسامح والحكمة السياسية ومصلحة الوطن المجردة هي الحل

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية