عام 2007 نشرت لي مجلّة «الكرمل» بإدارة الراحل محمود درويش حوالي عشرين صفحة من الشعر أو أقلّ بقليل؛ صدّرتها بهذا البيت:
وقفنا ببابِ القيروانِ كأنّنا / قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
على أنّي أعيش في هذه المدينة منذ أكثر من ستّين سنة ـ إذ قضّيت طفولتي الأولى في ريفها ـ أجدها وهي الأولى التي بناها العرب الفاتحون في الشمال الإفريقي، مستغلقة أبدا كأكثر هذه المدن التي كانت يوما سرّة العالم؛ ثمّ طالها الخراب أو الفساد أو النسيان. ولا أجد خيرا من هذا المشهد المسرحي القرطبي أنطونيو غالا، مفتاحا لأبواب القيروان: مشهد من مسرحيّته «عدن الخضراء»، حيث تجري الأحداث في مقبرة، يمكن أن نعتبرها ـ وإن على شطط ـ صورة من مقبرة الجناح الأخضر في القيروان، أو مقبرة قريش كما تسمّى أيضا. الأبطال:رئيس البلديّة وخوان والحارس (وأنا أنقل هنا عن نصّ مترجم بشيء من التصرّف).
ـ رئيس البلديّة (لخوان): إلى أين تمضي؟ منذ أكثر من نصف ساعة، وأنا ألاحظ أنّك لم تتحرّك من مكانك.هذا يجعلني أفكّر في أسوأ الأمور. إلى أين تمضي؟
ـ خوان: ليس لي جهة أمضي إليها.إنّني أراقب العشب وهو ينمو.
ـ رئيس البلديّة: إذن أظنّ أنّك لن تبقى هنا، تحت هذه الشّجرة.. طوال حياتك، وأنت تضيع وقتك عبثا.
ـ خوان: الوقت ليس هو الحياة كلّها. ثمّة أشياء أخرى، مثل أن يدرك الإنسان أنّه مهمّ جدا.
ـ رئيس البلديّة: ما سأقوله لك فعلا مهمّ جدّا، فأنا رئيس بلديّة المدينة. وأسألك عمّا إذا كنت ستبقى هنا هادئا ثابتا إلى الأبد، لأنّه لا يعجبني الكسالى أبدا. ما يعجبني هو التضامن.. التعاون.. الحسّ الاجتماعي.. هل ستبقى هكذا جمادا بلا حراك، بعد هذا؟
ـ خوان: قد أبقى هكذا أيّها السيّد.. أطلب إليك ـ إن كان هذا لا يزعجك ـ أن تدعني أفـكـّـر؟
ـ رئيس البلديّة: تريد أن تفكـّـر؟ يا للسّخافة.. أيّها الحارس؟ أنت أيّها الحارس؟!
ثمّ يدور، بعد ذلك، حديث بين خوان وحارس المقبرة:
ـ خوان: لقد جئت إلى هنا، لكي أبقى إلى الأبد. قضّيت سنوات كثيرة، وأنا أسير عبر الحقول، وأقطع أزقّة المدينة، فلم أتفاهم مع أحد؛ فجئت هنا لكي أستريح… وبما أنّني ورثت عن جدّي، حفرة التّراب هذه، فقد قرّرت أن آتي لكي أحيا معه.
ـ الحارس: لكن، يا عبدالله، ألا تدري بأنّ هذا ممنوع؟ لا يمكن أن يمكث هنا إلاّ الدّفناء الميّتون. وهم هنا يرتاحون في سلام. ولكي يأتي المرء إلى هذا المكان ليستريح، فعليه أن يموت أوّل الأمر.
كثيرا ما يدير القيروانيّون،على ألسنتهم هذه العبارة بالغة الدّلالة: «القيروان مدفن وليست مسكنا» وبما أنّني مدفون في هذه المدينة «الأعجوبة» بعبارة الرسّام بول كلي الذي زارها عام 1914، فأظنّ أنّه ليس أقدر من ميّت مثلي يدرّس لغة الضاد ويكتب بها، على أن يحدّثكم عن مدينة الموتى هذه، مدّ الله في أنفاس موتاها. وكان المخرج التونسي هشام الجربي دعاني عام 1996 إلى مشاركته في إنجاز شريط سينمائي قصير (16مم)، توثيقي وخيالي، عن القيروان؛ كتابة وتمثيلا، اتخذنا له أساسا باقتراح منه، نصّا شعريّا لي هو «عند أبواب القيروان»(من كتابي «من البحر تأتي الجبال») وهو عنوان لوحة شهيرة لبول كلي. ووزّع الفيلم توزيعا جيّدا لا في تونس، وإن بثّته القناة الوطنيّة أكثر من مرّة؛ وإنّما خارجها، وخاصّة في ألمانيا، وحصل على جائزة فضيّة في مهرجان الأفلام القصيرة في الإسكندريّة.
والقيروان لمن لا يعرف قيروانان: القيروان القائمة داخل السور، وأبعد قليلا إلى حدود الفسقية (بركة الأغالبة) ومقام أبي زمعة البلوي، والقيروان «الحديثة» السائبة المنساحة، تلك التي تشمل الفيلات والمحلاّت الجديدة، مثلما تشمل الأحياء البائسة المعجونة بالقمامة والعتمة.
أقول دائما لأصدقائي العرب والأجانب كلّما زاروا القيروان، لن أرافقكم أبعد من الأسوار، والدولة نفسها منذ العهد السابق، لا تغامر بالزحف بعيدا فيها، فقد لا تعود سالمة، وقد لا تعود أصلا، وقد تصيبها عدوى مرض خبيث، تخشى أن يستفحل وينتشر داخل المدينة. ونحن لا نرجم بالغيب ولكنّنا نستقرئ ما نرى فتدخّلات الدولة انحصرت دائما في محيط المدينة الضيّق لا تبرحه. وليس في ذلك عيب، فالقيروان في نظرهم هي تلك الرقعة الضيّقة من الأرض، وأمّا ما عداها من أحياء كالمنشية والوادي المالح، وحومة علي باي، وحيّ عقبة.. فهي دمامل نبتت على لحم المدينة. ولكنّهم لو فكّروا قليلا، كما فكّر خوان في المشهد المسرحي، لبادروا بضمّ هذه الأحياء إلى»تمبكتو» وهما توأمان؛ وليس أدلّ من مقابرها ولا أبلغ، على»إسلاميّة» القيروان وثقافتها: القيروان قيروانان كما ذكرت، مثل كلّ البلاد الإسلاميّة التي تنتهي بـ»آن». هي أيضا هذه الأحياء الكثيرة خارج الأسوار. هي هذه المسالك ببناياتها القبيحة التعيسة وزبالتها التي لا ترفع إلاّ لماما، وعتمتها التي لا تغيب. هي هذه الأنهج والأرصفة والبطاحي التي لا تكنسها إلا الرياح، ولا تغتسل إلا بمياه الأمطار على ندرتها. هي هذه البنايات الخراب التي توشك أن تسقط فلا هي سقطت ولا هي رمّمت(حتّى أنّني خلت للحظة أنّ ت. س. أليوت استوحى قصيدته الشّهيرة «الأرض الخراب» من القيروان). هي مربّعات الأرض التي كانت في وقت ما حدائق صغيرة، فإذا هي قد زالت وغمرتها الحشائش والأتربة. هي أيضا وقبل كل شيء وبعد كل شيء هذه الوجوه الحزينة التي تطالعك هنا وهناك، وبعضها فجرا أو ليلا؛ يبحث مع القطط السائبة، في القمامات عن شيء ما.
أما عن العواصم في بلادنا فحدّث ولا حرج، فكلّ مدننا عواصم، من عاصمة الجنوب إلى عاصمة الشمال إلى عاصمة السّباسب إلى عاصمة الفاطميّين إلى عاصمة الأغالبة إلى عاصمة المعلومات الرقميّة إلى عاصمة الكرد (بفتح الكاف) وهو يسمّى في تونس الهندي، أي التين الشوكي سلطان الغلال وطعام الفقراء وفاكهة الأغنياء من شهر يونيو/حزيران حتى أواخر سبتمبر/أيلول، وعاصمته مدينة «العلاء» التي تقع على تخوم القيروان. وقد كان في ما مضى طعاما مجانا يفوز به عابر السبيل في حلّه وترحاله. وهل لله أن يطعم عبدا ويجوّع عبدا؟ حاشا الله أن يذكر عبدا وينسى عبدا. ولسنا ندري لماذا يذكّرنا الكرد بالعُصمة «الحصرة» ويقال عَصَم الرجل الشيء أي حفظه ومنعه؛ كأن يمنع برازه من الخروج. وفي قضية الحال يمتنع عن الخروج. ويقال حصِر الرجل في الكلام أي لم يقدر على الكلام، وفي قضيّة الحال لم يقدر على إخراج برازه. ومسكين هذا الذي لا يقدر على إخراج صوته ولا إخراج وسخه. ويقال حصر الرجل السّلطات، أي انفرد بها. وهذا باب لا نحب أن ندخله، فقد يوصد خلفنا فنحصر حصرا لا نستطيع منه فكاكا. وخلاصة القول إنّ عقد العواصم قد تزيّن منذ حوالي عشر سنوات، بلؤلؤة مكنونة هي عاصمة الأغالبة تجمع الألقاب والمجد من أطرافه، فعاشت الأسماء وعاشت الألقاب. وأمّا الثقافة وهي كما يعرّفونها مجموع ما توصلت إليه أمّة أو بلاد في حقول الأدب والفكر والعلم والفنّ والصّناعة ونحوها، فلا نجادل في شأنها، فالقيروان تعجّ اليوم بالنّوادي الثقافية والمسارح وقاعات السّينما، والمطابع والمكتبات، وأضواء علمها ساطعة متلألئة ليل نهار، والنّاس هناك يأكلون ثقافة ويشربون ثقافة ويلبسون ثقافة ويتنفّسون ثقافـة، ولا حاجة لهم بطعام أو شراب أو لباس غيرها.
يبدو أنّني شردتُ مرّة أخرى بخيالي أو هو شرد بي؛ لذلك أسحب الفقرة السابقة من سياق الحكاية.
وأمّا الاستعدادات على قدم وساق لهذا الحدث العظيم الجلل»مكافحة الفساد»، فيستدعي وقفة لغويّة. من ذلك أنّ السّوق (جمع ساق) أنواع فهناك ساق الشجرة. وهناك الساق العارشة، وهي الساق النّباتية التي لا تقوى على الانتصاب (إلاّ بفياغرا، والفياغرا نبتة هي أيضا) فتتسلّق غيرها وترتكز عليه. وأخشى أن تكون الساق المقصودة في المقال ساقا عارشة أو ساقا أرضيّة، أي تلك التي تنمو تحت التراب. وهذه لا يراها إلا من أوتي علما عظيما. ولا أدري ماذا للواحد منا أن يفعل بساق واحدة وهو لا يقدر أن ينتصب على ساقين اثنتين. وأمّا على ذكر القدَم، فأنا أتمنى ـ ولا أقول أرجو ـ ألاّ تزلّ القدم بمن أوكل إليهم شأن هذا العرس فيسقطوا، فلا ينهضُوا بعدها؛ خصوصا أنّهم يرقصون على قدم واحدة. وللرقص ميزان يصعب على ذوي السّاقين فما بالك بذوي السّاق الواحدة؟
والقدم أيضا هي وحدة قياس توازي ثلث ياردة أو 30,47 سم، وأخشى ألا يتقدّم أصحاب الشأن بهذا الحدث، إلا قدَما واحدة بعد أن حشدوا له العدد والعدّة. وقد يتأخرون أقداما. وبعد هذا كلّه ما دخلنا نحن، فنحــن لم نوضع على قدم المساواة مع المدن السياحيّة القريبة، ولسنا أصحاب شأن، ولسنا ضيوفا على عرسهم، أعاده الله على تونس باليمن والبركة، وأطال أفراحـــــهم ومسرّاتهم إلى أن تبزغ الشمس عام3017م.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي