نواكشوط ـ «القدس العربي»: قديمة هي آفة الكذب قدم الإنسان. إنها الظاهرة الاجتماعية المعقدة التي لا انفكاك منها لأنها تتعايش مع نقيضها الصدق في تجاويف حياتنا حتى لا نكاد نفرق بينهما.
فكم هو عدد الأكاذيب التي يكذبها كل واحد منا، متعودا أو مضطرا، في يومه داخل أسرته ومع أصدقائه ومع رؤسائه في العمل؟ وكم كذبة تكذب عليه وعنه هنا وهناك؟
وما هي الأسباب التي تدفع الإنسان للكذب ولتغيير الواقع ولطمس الحقيقة، وما هي الأسباب التي تجعل الإنسان عاجزا عن ذلك؟
وما هي علاقة الكذب بالذكاء والبلادة ؟
يتواصل أفراد المعمورة كل لحظة عبر ملايين الخطوط التي تضاعفت سرعتها وبواباتها تبعا لتطورات الشبكة العنكبوتية، وهناك ملايين الرسائل والتقارير التي تكتب وتتبادلها الحكومات والهيئات عبر العالم، وثمة ملايين الرسائل القصيرة والتدوينات والتغريدات التي تعج بها مواقع التواصل وتغص بها أروقة واتساب والمسنجر وغيرها.
فما هي، يا ترى، نسبة الصدق وما هو معدل الكذب في هذا الكم الهائل من المعلومات المتبادلة ؟
لا شك أن الكذب هو الآفة في عالم اليوم: فكم من تقرير مكذوب أوقد حربا بين بلدين، وكم برقية مشفرة مخاطة على كذبة صغيرة جدا، قطعت علاقات بين بلدين وزرعت شقاقا بين جارين!!
نعم، لقد تصدرت ظاهرة الكذب والصدق اهتمامات علماء الاجتماع منذ أول الدهر واستمر الاهتمام بها في دهاليز كليات ومعاهد علم الاجتماع وفي زوايا التصوف وتكايا التزكية والتربية.
وتختلف تصنيفات الصدق والكذب فهناك من يقول أن الصدق عبارة عن مطابقة القول، أي ظاهر القول للواقع والأمر نفسه، وهناك من يرى أن الصدق والكذب عبارة عن مطابقة أو عدم مطابقة القول للاعتقاد أي لاعتقاد المخبر.
ويرى آخرون أن الصدق عبارة عن مطابقة القول للاعتقاد والواقع معا، فان طابقهما فصدق وإن خالفهما فكذب وان لم يطابق أحدهما فقط فهو أمر آخر سماه الجاحظ «الجنة».
ويقول بعضهم «إن الكذب ملح الرجال وسكر النساء الذي لا يستغنى عنه أبداً، ويقال أن بعض الرجال يضطرون أحيانا لاختلاق أكاذيب مختلفة يطلقون عليها (الكذب الأبيض) لاستمرار الحياة الزوجية، أما المرأة فيقال إنها تكذب لإخفاء جوانب من شخصيتها؛ ومهما تعددت الأسباب وتلون الكذب ليلبس اللون الأبيض فهو في النهاية آفة اجتماعية مؤذية لكلا الطرفين».
ويصنف بعضهم الكذب إلى عدة أقسام؛ فمنه الكذب الخيالي والادعائي والالتباسي والفرضي والوقائي والانتقامي، ودلت أغلب الدراسات التي أجريت على كذب الأطفال أن أكثر الأسباب شيوعاً هو الكذب الوقائي ويمثل 70٪ ثم الكذب الالتباسي ويمثل 10٪ فيما يمثل الغش والخداع والكراهية، نسبة 20 في المئة.
ويرى مهتمون بتعقب ظاهرة الكذب «أن المرأة قد تكذب وهذا الكذب هو أحد أسلحتها لرفض القهر الذي يفرضه عليها المجتمع، أو إذا وجدت أن الرجل لا يصدقها، أو لتحقيق نوع من المكاسب والتغلب على مشاكل تواجهها، أما الرجل فلديه اعتقاد أنه البطل الذي يجب ألا يسقط فيتعلم الكذب خشية السقوط ومن هنا جاءت مقولة «الكذب ملح الرجال».
وكشفت دراسة في أحد المراكز المتخصصة في الولايات المتحدة الأمريكية أن الرجال أكثر شطارة من النساء في خلق الأكاذيب، وربطت الدراسة بين مستويي الذكاء والكذب، فكلما ارتفع مستوى الذكاء قلت الرغبة في الكذب، وكلما قل مستوى الذكاء ارتفعت الرغبة والمقدرة على الكذب.
ويرتبط الكذب بعمر الرجل، فمع تقدمه في العمر تنخفض قدرته على الكذب حتى لو بقيت رغبته في الكذب قائمة، وذكرت الدراسة أن من بين كل 4 رجال يكذبون يوجد رجل واحد فقط لا يتقن الكذب، ومن بين كل 6 رجال تتكشف كذبة رجل واحد في النهاية.
وفي المقابل، أبانت دراسات أخرى أنه أثناء التواصل بين المرأة والرجل وجهاً لوجه، فالمرأة تستطيع من خلال جهازها الحسي تحديد الأكاذيب ولو على بعد ميل، وهذا ما يفسر الصعوبة التي يجدها الرجل في الكذب على المرأة وجهاً لوجه، ولا بد من الإشارة إلى أن تفوق الرجل على المرأة في الكذب يحدث كثيراً في العلاقات الزوجية، ومن المؤكد أن الرجل يساهم بشكل غير مباشر أيضاً في لجوء المرأة للكذب للحفاظ على حياتها الزوجية.
ويمكن القول في النهاية أن الكذب ظاهرة سيئة وسلوك بشري قديم مارسه الإنسان في مختلف العصور سواء كان رجلاً أو امرأة، وهو سلوك يتنافى مع القيم الدينية، ومع النزاهة الفكرية.
فهل عالمنا هذا مكذوب أم صادق، أم بينهما؟ وأيهما، الصدق أم الكذب، الأكثر تداولا في حياتنا أفرادا ومجتمعات؟
عبد الله مولود