نواكشوط – «القدس العربي» بين مغريات الحياة يعيش إنسان اليوم محاطا ببهارج الدنيا من كل جانب، وتتقد بداخله شهوات حيوانية مركبة ومعقدة لا انفكاك منها.
ولمواجهة هذه الأغراض التي تتوسع بتوسع المغريات، يجد إنسان اليوم نفسه مضطرا لكسب المال بأي طريقة لإشباع نزوات لا حدود لها ولتلبية شهوات ضاغطة.
وبينما يتعامل الإنسان في المجتمعات الغربية مع الحياة بما يعرف بـ»مصروف الجيب» الدال على البخل أو الترشيد، يعيش الإنسان في المجتمعات العربية في عالم آخر هو عالم الكرم والعطاء والتبذير والإسراف.
وهكذا يعيش الإنسان في دوامة تتنازعه فيها مسلكيات الكرم والتبذير وطباع البخل والسخاء.
وللكرم حضوره الكبير في الثقافة العربية وله حضوره الكبير في دواوين الشعر العربي القديم، وقد حفظ التاريخ العربي أسماء مشاهير يضرب بهم الأمثال في الكرم يتقدمهم حاتم الطائي ومعن الشيباني، وإلى جانبهم مشاهير في البخل بينهم الخليفة العباسي أبو جعفر منصور ومادر وبينهم أبو حباحب وهو رجل من العرب كان لبخله يوقد نارا ضعيفة، فإذا أبصرها مستضيء أطفأها.
والكرم لا يتعلق بغني أو ذي مال وفير، فهو غريزة في الإنسان وله دوافع تدفع للقيام بتقديم أكل أو شرب أو مال لمن يرى المتفضل أنه مستحق له أو لمنع ضرر.
وتفاوتت المواقع التي احتلتها المجتمعات العربية على مؤشر العطاء والكرم العالمي لسنة 2016 حسب تقرير أصدرته للتو مؤسسة «تشاريتيز إيند فوندايشن» الدولية.
ويعتبر هذا المقياس، المؤشر العالمي الوحيد الذي يقيس ويصنف الدول حسب كرم أفرادها وعطائهم، ويتم إنتاجه بالتعاون مع بعض المؤسسات الدولية، مثل منظمة «غالوب».
واحتلت موريتانيا المركز 88 عالمياً من أصل 140 دولة بينما حسب التقرير نفسه المرتبة العاشرة عربيا متفوقة على مصر (112 عالميًا)، وعلى تونس (122 عالميًا)، وعلى المغرب (123 عالميًا)، وعلى اليمن (138 عالميًا)، وعلى فلسطين (139 عالميًا).
وتزخر الدراسات وكتب علم النفس والاجتماع بتفسيرات تشخيصية لهذه المسلكيات.
وترجع دراسات عديدة طباع الإسراف والبخل لعدة أسباب بينها نشأة الفرد في أسرة حالها الإسراف والبذخ، ومن هذه الأسباب السعة بعد الضيق أو اليسر بعد العسر، ذلك أن كثيراً من الناس قد يعيشون في ضيق أو حرمان أو شدة أو عسر، فإذا هم صابرون محتسبون، وقد يحدث أن تتبدل الأحوال فتكون السعة بعد الضيق، أو اليسر بعد العسر، وحينئذ يصعب على هذا الصنف من الناس التوسط أو الاعتدال فينقلب على النقيض تماماً، فيكون الإسراف والتبذير.
وقد يكون السبب في الإسراف صحبة المسرفين ومخالطتهم ومنها حب الظهور والتباهي، ومنها كذلك المحاكاة والتقليد.
ومن التبذير إنفاق المال على الدخان والمخدرات والمسكرات، وإنفاقه في فضول الطعام والشراب بل ورمي الطعام والشراب في القمامة من صور الإسراف والتبذير، والعجيب أن بعض الدول العربية تبلغ نسبة فضلات الأطعمة الملقاة في القمامة فيها 45% في المئة.
ومن صور الإسراف والتبذير اليوم متابعة الموضة والانشغال بجنون الأزياء والاستجابة لضغوط الحملات الإعلامية الصاخبة التي تحمل كثيرا من متابعيها على شراء ما لا يحتاجون.
ويواجه المبتلون بالإسراف مشاكل كثيرة تقودهم غالبا للإفلاس وما له من تبعات وانعكاسات سيئة على الفرد والأسرة.
وتقوم دور الإرشاد الاجتماعي بنشر الكثير من النصائح لفائدة الأسر لمساعدتها على التغلب على مستلزمات المصروف العائلي أوقات الأزمة التي قد يسببها الإسراف.
ومن النصائح الأكثر تداولا، بيع الأغراض المنزلية غير المرغوب بها، وتجميع العملة النقدية الناتجة عن الصرافة، والشراء من متاجر البضائع المحلية، ومنها تدريب الأطفال على توفير الطاقة بإطفاء الإنارة والمكيفات الهوائية عند عدم الحاجة لها.
ومن الإرشادات المنشورة في هذا الصدد، نصح الأسر المبذرة بالترشيد عبر وضع ميزانية عائلية تساعد على تحديد المصاريف وتحديد وجهتها واختصار المصاريف الزائدة.
وينصح المرشدون الاجتماعيون كذلك باستخدام المواصلات العامة وحصول جميع أفراد العائلة على تأمين صحي.
كل هذه الإرشادات وغيرها من النصائح لا يمكن أن تنقذ إنسان اليوم المأسور بالشهوات والرغبات والمحاط بطباع الكرم والتبذير والمكبل بمسلكيات البخل والترشيد.