أن تطلق العربية السعودية لوبياً في الولايات المتحدة خبر يفتقد للإثارة، والتحليل المفترض طرحه حول الخبر يتعلق بتوقيت اللوبي ومدى فعاليته أصلاً، في هذه المرحلة.
فاللوبي ليس كياناً تنظيمياً أو جمعية ترتبط أعمالها بالترخيص الممنوح لها من الجهات المعنية، واللوبي في مفهومه العام هو جماعة ضغط غير رسمية، وهذه الجماعات منتشرة بوفرة في الولايات المتحدة وغيرها، فاللوبي وصف لحركة سياسية اجتماعية وفكرية تؤثر في القرار السياسي بطرق غير مباشرة، ويحدث أحياناً أن يعبر اللوبي عن نفسه ببعض الأدوات التنظيمية ومنها، المؤسسات والجمعيات، كما هي الحال مع اللوبي الصهيوني، وهيئة الشؤون العامة الأمريكية ـ الإسرائيلية (الأيباك) التي تمثل الذراع الطويلة والفاعلة في تحقيق أهداف اللوبي الصهيوني
الحديث عن لوبيات عربية في واشنطن قديم، ويخالطه العديد من المغالطات والأوهام والأساطير، فاللوبي هو تعبير عن مجموعات من أصحاب المصالح الذين يمكنهم الضغط على صانع القرار السياسي، من خلال وزنهم في التصويت أو قدرتهم على الفعل السياسي ضمن الأطر القانونية، وبالطبع لم تكن الجاليات العربية مؤهلة لتصنع لوبياً خاصاً، أو حتى تمتلك الرغبة في ذلك، وأصل نفوذ اللوبي الصهيوني يرجع أساساً للدور الاقتصادي والاجتماعي الذي قدمته الحركة الصهيونية للمجتمعات اليهودية الناشئة في الولايات المتحدة، فكانت تضطلع بمساعدة اليهود على الحصول على الأعمال، وتدعم أصحاب رؤوس الأموال منهم، وتقوم بتنظيم المجتمع اليهودي الذي أصبح يدين للصهيونية المؤسسية بأكثر من أي توجه يهودي آخر، وكانت الإمكانيات التنسيقية والقدرة على الحشد والتنظيم داخل الوكالة الصهيونية تجعل هذه المجتمعات تتحول إلى كتلة تصويتية محترمة في الداخل الأمريكي، وجدت فرصة ذهبية لتدخل على خط الأحداث بعد الحرب العالمية الثانية، وتجعل البيت الأبيض متحيزاُ لإسرائيل، ومفضلا التحالف معها على الحلفاء المحتملين من بين الدول العربية مثل السعودية ومصر. شهد اللوبي الصهيوني تطوراً كبيراُ خلال سنوات قليلة، وتمكن في السبعينيات من الدخول في العصر الذهبي، وكانت أزمة النفط 1973 فرصة لأصدقاء إسرائيل من أجل إقناع الأمريكيين بأن حلفاءهم في تل أبيب يمكنهم أن يشكلوا قاعدة متقدمة للمصالح الأمريكية، وأن إسرائيل القوية ستجبر العرب على السلام، وستقوم بقيادة العالم العربي بأسره، وتزايدت أهمية التحالف مع إسرائيل بعد سقوط شاه إيران لتصبح تقريباً الحليف الوحيد المتاح في المنطقة، في مفارقة مستعصية على التأمل البسيط أو التحليل السياسي، فما الذي يمكن أن تحتاجه الولايات المتحدة من اسرائيل وهي تحظى بعلاقات مزدهرة مع دول عربية مركزية مثل مصر والسعودية؟ والإجابة تكمن في تصور ذهني أمريكي يقدم اسرائيل بوصفها جزءاً من الحضارة والثقافة الغربية، في مواجهة مجتمعات متخلفة وغير مستقرة ولا يمكن التنبوء بسلوكها الذي يتغير من النقيض إلى النقيض، كما كانت مصر مثلاً بين عصر فاروق وناصر والسادات، فهذه المجتمعات من وجهة نظر الأمريكيين غير ناضجة إن لم تكن من المنظور الاستعماري الحديث غير متحضرة أصلاً، على العكس من اليهود الذين اشتركوا في مسيرة التنوير الأوروبي وكانت لهم اسهامات عميقة في الفكر الفلسفي والعلمي في أوروبا.
الجاليات العربية هاجرت إلى الولايات المتحدة ومعظمها يعاني من وجود اضطراب في الهوية الجمعية، وكان أفرادها يحتفظون بعلاقات غير طيبة مع بلدانهم الأصلية، فالأجيال الأولى هاجرت من الشام ولبنان بعد تصاعد الطائفية، وكانت الهجرة هروباً من العنف والاقصاء، بينما كان قوام الجيل الثاني من المهاجرين الذين حلموا بحياة أفضل، وكانت الحرية تمثل لهم العنصر الجاذب وراء الأطلسي، والأجيال التالية تراوحت أسبابها بين البحث عن فرصة لائقة للعيش، والحصول على قليل من الثروة والاستقرار المادي، بالإضافة إلى نخبة محبطة لم يكن من الوارد أن تغفر لمجتمعاتها العربية النبذ والتهميش لمصلحة نخب أقل كفاءة وموهبة، من أجل خلفياتها الاجتماعية أو علاقاتها مع السلطة، وفي جميع الحالات السابقة، فإن تجميع الجاليات العربية للتحرك بوصفها فاعلاً سياسياً مؤثراً كان مستبعداً لافتقادها للانسجام وعدم وجود القضية التي تجمع المهاجرين العرب، وفوق ذلك عدم وجود الخبرة والحنكة التنظيمية أو الحاضنة المؤسسية التي يمكن أن تمهد الأرضية من أجل اللوبي العربي، وإذا كان الحديث عن لوبي عربي أمراً متعذراُ فالحديث عن لوبي سعودي يعتبر إلى حد ما أمراً من الصعب تصوره، فعلى الرغم من وجود أعداد كبيرة من المبتعثين السعوديين في الولايات المتحدة، ووجود أصدقاء أو وكلاء أمريكيين تربطهم علاقات متميزة بالسعودية، إلا أن ذلك لا يمكن أي لوبي محتمل من الحصول على فرصة التأثير، لأن اللوبيات تعبر عن عناصر أساسية ومندمجة في المجتمع، ولا يمكنها أن تدير عملية تحسين علاقات تقع ضمن التصنيف الدبلوماسي، وبذلك فإنه من الصعب الحديث اليوم ، عن نجاح لوبي سعودي أو عربي في الولايات المتحدة لأسباب كثيرة وجوهرية.
الرياض المتصالحة مع منهجها الداخلي والخارجي، كانت تحتفظ بهذه العلاقات لفترات طويلة، ولكن تغيرات جوهرية حدثت خلال السنوات الأخيرة جعلت الأمريكيين يبحثون عن مزيد من الحلفاء الذين يستطيعون الوقوف في إطار مشروعات أكثر طموحا، فإيران اليوم تمثل جبهة متقدمة في آسيا التي تحتضن الخصوم المستقبليين للولايات المتحدة، وهي تبدو على الرغم من كل شيء أقدر وأكثر خبرة من باكستان في أداء أدوار ضمن المحيط الآسيوي، وتركيا تبقى دائماً عضواً في الناتو والشوكة في خاصرة روسيا وأوروبا الشرقية، أما الخليج العربي فواقعه السكاني لا يضعه في مكانة منافسة في خريطة التحالفات المقبلة، فالنفط وإن يكن عاملاُ مهماُ في صناعة الوزن الاستراتيجي للخليج، ولكنه لم يعد حالياُ العامل الوحيد، وكثير من العوامل الأخرى دخلت في صياغة معادلات وتوازنات القوى في المنطقة.
بعد سبتمبر 2001 استثمر العديد من الجهات الأمريكية رغبة السعودية في تحسين صورتها أمام المجتمع الأمريكي، وكانت الجامعات ومراكز الدراسات تحصل على تمويلات سخية، بصورة رسمية، أو من خلال مبادرة بعض الشخصيات الخليجية من أجل افتتاح المراكز المتخصصة في الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية، ولكن ذلك كان يحقق منافع لفئات معينة من التكنوقراطيين الأمريكيين، بدون أن يحقق الأثر المطلوب على مراكز صنع القرار التي احتفظت بوتيرة العلاقات، بحسب ما تقتضي مصالحها، وكانت بالطبع تعبيرات مثل الصداقة والشراكة مجرد تصريحات دبلوماسية وبروتوكولية لا تعني بالضرورة واقعاً على الأرض، وربما كان اللوبي الجديد استنزافاً إضافياً للسعودية لمصلحة الوجوه الإعلامية والأكاديمية نفسها، بدون أن يحقق شيئاً ملموساً.
الأمريكيون ربما لا يفكرون في الانسحاب من المنطقة، ولكن المنقطة لم تعد تشكل أولوية أمريكية، والأمريكيون اليوم يبحثون عن الحلفاء الأقوى من الناحية السكانية، بما يشكلونه من إمكانيات إنتاجية واستهلاكية أيضاً، والمصلحة السعودية والخليجية بشكل عام ربما تحتاج اليوم إلى تعديلات جوهرية في رؤيتها لتوسعة مجلس التعاون الخليجي، والاستثمار المنهجي والمدروس في مصر والقرن الأفريقي، بدلاً من التحالفات القديمة التي لم تخضع للتحديث أو المراجعة الجدية منذ مرحلة حرب الخليج الثانية، وما زالت تعيش واقع الحرب الباردة ومواجهة أفغانستان.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق