نطرح تساؤلا عما يبقى من ماركس اليوم فكرا وتيّارا سياسيّا ونظرية اقتصادية هزّت عروش العالم، خاصّة أنّ الثّورات الكبرى التي هزّت روسيا وأوروبا الشرقية وشطرا من أفريقيا وأمريكا الجنوبية، اندلعت باسم الماركسية التي بشّرت بإقامة علم جديد على أنقاض المثاليّة المطلقة الهيغليّة والمادّية المطلقة الفيورباخيّة.
وفي المنطقة العربية لا يمكن فهم الطّروحات النقديّة الاشتراكية من دون فهم التأثير الكبير للاتّحاد السّوفييتي على فكر ومفاهيم الكثير من مثقّفي اليسار في العالم الثّالث، خاصّة أولئك الذين انخرطُوا في صفوف الأحزاب الشيوعيّة.
وفي هذا السّياق عُدّت الماركسية التي كان يُنتجها ما كان يُعرف بقلعة الاشتراكية مرجعا يصعب التّشكيك فيه. ولكن المؤسف حقّا بقاء هذا المرجع على الطّريقة الستالينية تُردّده عديد الألسن وتعتمده بعض الأحزاب التي تدّعي الاشتراكية كنظام تسيير وفكر وممارسة، والكلّ يُغفلُ النظر عن تلك السّجالات الحادّة التي اشتهرت في الثلاثينيات بين عمالقة النقد الماركسيين أمثال تيودرأدورنو وجورج لوكاش ووالتر بنيامين وبروتولد برخت وأرنست بلوك… وهي بعيدة كل البعد عن فترة الظّلام التي فرضتها الستالينية .
يكمن جوهر القانون الأساسي الاشتراكي في السّعي لإشباع الحاجات المتنامية لأفراد المجتمع الاشتراكي، وهذا القانون الأساسي الذي يحلّ محلّ قانون السعي وراء الرّبح (قانون النظام الرأسمالي) هو الذي يحدّد خصائص المجتمع الاشتراكي. وهو فهم يدفع بنا إلى الاعتقاد أنّه على الفكر الاشتراكي العربي اليوم أن يتخلّص من المثالية الطوباوية، لكي يكون فكرا تقدّميا قادرا على طرح مشروع مُجتمعي واضح الملامح في إطار لعبة الديمقراطية وحوار الفُسحة التّنويرية، ينطلق من واقع الشعب قبل كلّ شيء وليس من نظريّات قد لا تستقيم بعيدا عن استقراء الواقع الاجتماعي، فماركس نفسه تحدّث عن الاشتراكية العلمية كبناء يقتضي النّظر واستقراء الظّروف وحيثيات الواقع، ولم يتحدّث عن بناء وفق عالم فكري مثالي أبعد ما يكون عن المُعطيات الموضوعية، يُفرض على الواقع الكياني لدولة ما، ومن شأنه حينئذ أن يساهم في تدعيم الأوليغارشية والنظام الاقطاعي تحت غطاء الاشتراكية العلمية كيوتوبيا تمثُّل لا براكسيس .
وإلى الآن نجد بعض القوى الرّجعية والانتكاسيّة تطرح أفكارا مضطربة وتؤكّد إخلاصها لأفكارها «النبيلة» ونواياها الحسنة، إلّا أنّ الطريق إلى الجحيم معبّدة بالنّوايا الحسنة، فلا تنفع هاته النّوايا عندما يُبنى المنهج العملي على أساس تغييب الإنسان وقمعه أمام كهنوت الحزب الواحد. واليوم على مؤسّسات المجتمع السياسي في دول الربيع العربي أن تعمل على خلق ديناميكية ضمن هياكلها السياسية، فمُجرّد إنتفاء عملية تداول رئاسة حزب ما والتمسّك بالشخص الواحد على مدى سنين كرأسمال رمزي في صورة هلامية تُضخّم من قبل الفئة التّابعة، تجعلُ التشدّق بالديمقراطية محلّ شُبهات لدى هؤلاء. وفي الحقيقة الأحزاب التي اِتخذت هذا المسار لا يُرجى منها صياغة مشهد ديمقراطي في أي قطر عربي إذا ما تقلّدت مناصب سياديّة ضمن الحُكم، باعتبارها لم تتمثّل الدّيمقراطية «كبراكسيس»، بل تشدّقت بأفكار ليس أكثر- إنّه انهيار فكرة قبل تشكّل المُمارسة المرجّحة بدورها للانهيار في نطاق جدلي يحمل بذور السّلب مُنذ البداية .
يبدُو أنّ عبقري الألفيّة الثّانية بالإجماع يأبى الأُفول، فالماركسية كفلسفة لاتزال أحد أهمّ الطّروحات الفكريّة، خاصّة في إطار نقدها للرأسمالية; فالكثير والكثير بإمكان الأجيال المتعاقبة تعلّمه من ماركس ولينين وتروتسكي، وغيرهم من عظماء المفكّرين، لكنّ لا يمكن أن نُنكر أن الشيوعية كحركة سياسية ومشروع مجتمعي انتهت بعض جوانبها. ولا يستطيع أيّ كان أن يتحدّث اليوم عن «ديكتاتورية البروليتاريا»- الفكرة التي أوغل فيها ماركس- ويُؤخذ على محمل الجدّ. وبالنظر إلى المشهد الاشتراكي العالمي، على المشروع الاشتراكي العربي اليوم أن يتواصل قدر الإمكان مع الحركة البوليفارية ويستفيد من تجربتها في النهضة والتنمية، من دون أن ننسى تجربة تشافيز في فنزويلا: ذاك الذي طبق تجربة اشتراكية لا تبتعد كثيرا عن المبادئ التي طرحها الاشتراكيون العرب (لكل أمّة تجربتها الخاصّة)، وهو يصرّح بناصريّته مع أنّه أنجح من عبد الناصر في طرحه لتجربة اشتراكية نجح خلالها في الموازنة بين الاشتراكية والديمقراطية كلُعبة تشمل الكلّ ولا ترضخ لأيديولوجيا منفردة، من دون أن ننسى الصّين ذاك التنّين المقبل من الشرق الأقصى، وهي التجربة الماركسية الوحيدة التي استطاعت أن تستمرّ وتتقدّم، ولم تختصر على الطروحات الماوية، بل أضافت إليها الكثير وطبّقت رأسمالية وطنية في ظلّ نظامها الاشتراكي جعل منها قوّة اقتصادية متقدّمة على السّاحة الدولية لا تتسوّل اليوم صكّ اعتبار من أحد . يبقى أمل انطلاق حركة اشتراكية عالمية جديدة مرتبطا بعدم اجترار تجارب الماضي، بل بتملّك واستبطان الرافد الأساسي، وهو الأساس الإنساني الديمقراطي والتعدّدي. واليوم كثيرون يعيشون على أيقونات أصبحت جزءا من متاحف التاريخ، ويواصلون التمسّك بمواقعهم الرديئة في صُلب توجّه ظلامي يأبى أن يُبصر واقع المتغيّرات على السّاحة العالمية، ومُوازنات النظام الدّولي الجديد، بل على العكس من ذلك يتشبّث بأيديولوجيا الهزيمة وهي الطامّة الكبرى وأزمة الفكر العربي في أحلك مظاهرها .
إن الواقعية تفترض النظر المنطقي للأمور ومحاولة التّقريب بين الطّرح النظري والممارسة، والتأكيد على أنّ البديل للاستبداد هو الديمقراطية وليس الاستبداد بطرق أخرى ـ أمّا النوستالجيا وشعور البعض بأنّه لم يتحرّر من هذا الفكر فسيرتدّ إلى سلبيات، لأنّ الثقافة الديمقراطية ضرورية لعملية الانتقال الديمقراطي، خاصّة وسؤال مصير الدولة القطرية الرّاهنة يُطرح علينا بقوّة، في ضوء معطيات التحوّلات الكونية وتغيّر الموازنات الدولية والعالمية، وهو سؤال ملحّ في ظلّ سجال يبدو أزليّا بين مختلف التيارات يُعقّده تمسّك بعضها بشعارات كانت في فترة ما محلّ تعقيد والتباس ضمن نسقها الأيديولوجي .
تبدو الحاجة دافعة في إطار الأيديولوجيات الوثوقيّة إلى ضرورة مخاطبة العقل، وليس البحث عن تعبوية من منطلق وجداني مازال يعتقد في نزعات زعامة قديمة بقيت بلا جمهور ونرجسيات أخرى لم تعد الحالة العربية لتسمح بها. فالمواطن العربي أصبحت لديه القدرة على النظر العقلاني للأمور، واعتبر كثيرا من التّجارب الماضية في ما يبدو. والانصياع إلى القائد والزعيم والميل إلى تحويل الحزب إلى جماعة أهليّة تُشبه الطائفة أو العائلة الموسّعة أمور أصبحت سوقها نافقة.
وهو فهم يفرض التمتّع بروح النقد الذاتي والمراجعة الدّائمة والاعتراف بالأخطاء غاية الاستمرار ما يُحيل دراية أنّ الصّدام السّائد بين الشيوعيين والقوميين والإسلاميين إنّما هو مُصادرة على المطلوب وإبحار في الاستقطاب المعطّل لإمكانيات الحلّ، فلا بديل عن قبول الاختلاف والتعدّدية، فهو المشروع العربي الثقافي والإنساني والحضاري غير المجهول أو الغريب عن منظومة الثقافة العربية والإسلامية عموما. فقد كان راسخا فيها منذ القدم وبقدر إدراك هذه الحقيقة كان المشروع الحضاري العربي والإسلامي يتقدّم وبقدر إغفالها كان المشروع يتعثر، وتاريخ العثرات لمن أراد أن يتتبّع ذلك في السّياق التاريخي للأمّة هو تاريخ إغفال حقيقة الاختلاف وقبول الآخر … فذكّر.. فكلّ حزب بما لديهم فرحون…
٭ كاتب تونسي وباحث في الحضارة
لطفي العبيدي