الماضي الذي ينخر في عظامنا

حجم الخط
4

هناك دوما محطّة ما من ماضينا نتوقف عندها بشكل دائم. فلاش باك ضروري في حياتنا، بعضنا يظل واقفا في محطات الماضي ويتنقل بينها من دون أن يهتدي للقطار الصح لينتقل إلى حاضره.
الماضي بما فيه من شقاوة الطفولة ومغامراتها وسقطاتها وصدماتها وضحكاتها، يبقى الفهرس الحقيقي لباقي حياتنا. شاء من شاء وكره من كره فالماضي له تأثيراته البعيدة في كل سلوكاتنا.، سواء تعلّمنا من دروسه أو لم نتعلّم، سنتصرف وفقا لمنظورنا الشخصي، وتحليلنا الخاص له. قبل الماضي نحن لا شيء، لذلك هو كل ما نملك لنعيش سفرنا الحياتي الغريب. نحمله مثل حقيبة سفر، ونفرده في كل مرة لنرتديه كما نرتدي أثوابنا. لا معنى لحياة شخص فقد ذاكرته فجأة، فالماضي دعامته الوحيدة ليستعيد هويته ويقلع من جديد.
في حالات كثيرة يكون الماضي أثقل من الشخص نفسه، يجره الشخص جرّا، فيتعثّر ويسقط ويعاود الوقوف، ويسقط ثانية وثالثة ورابعة، وحقيبة الماضي تنهكه حتى تقصم ظهره. في أحيان أخرى الحقيبة هي التي تجرُّ الشخص، وتلقي به في أعماق سحيقة لا نور فيها ولا بصيص أمل.
كيف نتعامل مع الماضي؟
الحكمة التي تقول « لا ترد على الماضي لأنه لن يخبرك بشيء جديد» حكمة قوية، ولعلّها الأنسب لكل الذين لا يعرفون أن يخرجوا من دهاليزه، لكنّها أيضا تخالف حكمة أخرى تقول «من ينسى ماضيه يكرره في الغالب بكل أخطائه».
عند البعض الماضي مثل مساحة كبيرة من الآثار العظيمة، وكلما نقّب فيها وحولها وجد كنوزا ثمينة، ذلك ما يجده الكاتب مثلا في ماضيه مهما كان بائسا، ويجده أيضا السينمائي وصانع الدراما وغيرهم من مبدعين.
وخزة الماضي تظلُّ بالنسبة لهم تلك الوخزة التي تعطيهم دفعا جامحا للعطاء. ويبدو جليا أن تشكيل الماضي من طرف المبدعين يجعلهم أكثر حساسية وشفافية، فينتجون دوما ما يدهشنا فعلا. وإن كنت أحفظ لإيليا أبوماضي هذا البيت «إن كنت مكتئبا لعزٍّ قد مضى * هيهات يرجعه إليك النّدم» فإني حفظته حتى لا أتوقف عن عتبة شيء خسرته. فأحيانا الخسارات أعباء تخلّصنا منها لكننا لا ندرك ذلك. في الحب يبدوالماضي دوما شائكا. أحيانا يأخذ أحجاما أكبر من حجمه الحقيقي. نخسر في الحب فنبقى هناك. نحسب ما خسرناه من صدق واهتمام ووقت…
يسرق الحب أعمارنا، لهذا لا نعرف أن ننسى بسهولة، وهذا يعني أن الزمن هو أثمن ما نملك، غير ذلك كل كنوز الدنيا لا تعني لنا شيئا أمام فقداننا لثروة تسمى «العمر».
البكاء على عمر مضى، والبقاء في متاهته يعني بشكل ما «الحياة موتا» لهذا يجدر بنا ربما أن نختار طريقة إيجابية لإنقاذ أنفسنا من مخالب الماضي حين يستشرس ويلتهمنا من دون رحمة. يقول الكاتب الروحاني الكيبيكي ملكي ريش: «ننهار حين نغذي الجانب السلبي فينا، وننجح حين نغذي الجانب الإيجابي فينا، والأمر ليس بالصعب، فالخيار دوما في أيدينا» وهذه هي الأعجوبة الإنسانية الوحيدة التي تظل ملكا للإنسان وحده. والعجيب أن الجميع يمتلكها، لكن البعض يفضل أن يدفنها في أعماقه ليبقى اتكاليا على غيره وينسب فشله دوما لتدخلات غيره في حياته، وهذا يسهّل تبرير فشله أمام الناس، لكنه أمام نفسه يتبين له بوضوح أنه فاشل، مما يعقد الأمور أكثر. وحتى لا نبتعد عن موضوعنا الرئيسي وهو الوقوع في مخالب الماضي وعدم الإفلات منه، دعونا نبحث معا، من منا لم يعش تجارب مريرة في ماضيه؟
كلنا عشناها، لكن هل فعلنا شيئا حيال ذلك، لنشحن أنفسنا بطاقة إيجابية توقف زحف الماضي على حاضرنا وإتلافه، كما يفعل الجراد حين يزحف على مساحات خضراء شاسعة؟
في فيلم «في مهب الرّيح» الذي تعرفه أجيال وأجيال، ونعيد مشاهدته كلما صادفناه على إحدى فضائياتنا، لا نرى معاناة الكاتبة مارغريت ميتشل، التي حوّلت معاناتها إلى رواية والرواية تحوّلت إلى فيلم لا يموت. صحيح أن الرواية روت فظاعات الحرب الأهلية، لكنّها أيضا روت بالتفصيل الممل فظاعات الخيارات السيئة في الحب، من خلال تجربتها الشخصية وكيف يذهب أجمل عمر للإنسان في مهب الريح بسبب خوف عميق من الماضي.
أحبت مارغريت ميتشل شابا ابتلعته الحرب العالمية الأولى فعاد إليها في تابوت شحن من فرنسا، وحين جاءها الحب ثانية وقف أمامها في هيئة رجلين، فاختارت السيئ بينهما، من دون أن تعرف ذلك إلاّ حين حوّل حياتها إلى جحيم، فلجأت للثاني ليبقى إلى جانبها لكن مع كسور في الداخل لم تستطع ترميمها إلاّ حين أفرغت كل تجربتها في روايتها الوحيدة «ذهب مع الرّيح»، كتبتها في عشر سنوات، ثم اعتزلت الكتابة وعاشت في كنف الحبيب الذي رفضته ذات يوم.
الحلو في حياة ميتشل أن هزّات الماضي لم توقفها ولا مرضها الذي ألزمها البقاء في البيت، ظلّت تغذي جانبها الإيجابي في نفسها، وتنظر فقط إلى حيث يدخل النور إلى حياتها، من دون الالتفات إلى الماضي الذي كان مريرا، وخرجت إلى الحياة كما لو أنها فراشة تخرج من شرنقة بعد عذابات وعراقيل كثيرة كادت أن تسحقها، أهمها جائزة بوليترز عام 1937، وبيع أكثر من مليون نسخة من روايتها في طبعتها الأولى في ظرف قياسي، ثم حين تحولت الرواية إلى فيلم حققت أكبر إيراد عرفته هوليوود آنذاك وإلى يومنا هذا، يظل هذا الفيلم من أقوى أفلام السينما الأمريكية.
حياتها الزاخرة وتواضعها ظلاّ علامة فارقة بالنسبة للأمريكيين. أمّا عطاؤها على المستوى الإنساني فلا يمكن أن نختصره. في عمر قصير لم يتجاوز الثامنة والأربعين أنجزت ميتشل ما لم ينجزه غيرها في مئة عام، هذا لأنها لم تتعثّر بماضيها المؤلم أبدا، بقدر ما استثمرت ألمها وحوّلت ذلك الماضي إلى منتج أدبي زينته بكل ما أوتيت من موهبة لتجعله جميلا.
لا بأس في هذه العجالة أن أهمس لكم أن بيت مارغريت ميتشل لا يزال موجودا في أتلانتا، وقد حول إلى متحف منذ سنوات كثيرة، ويمكن زيارته، ورؤية كل شيء فيه كما كان على أيامها، وهذه أيضا وقفة على الماضي ، إذ ليس من الهيّن أن نقف أمام قصّة نجاح عمرها 79 سنة، هي درس حي لكل من يظن أن عثرة حب أو عثرة مرض، أو انتكاسة ما قد تلغينا من الحياة، أو تغيّر مسار حياتنا نحو الانهيار الذي يسبق الموت.
أحببت أن أضفي على مقالتي لمسة لطيفة، تعيدكم لرواية وفيلم أحببتهما كثيرا، وأظن أنّه من حق من لا يعرف حقائق كثيرة عن هذا الفيلم وتوفرت لديه إمكانيات السفر وله ماض يعيقه، أن يحزم حقيبة سفره ويزور روح الكاتبة في بيتها، لا شيء أجمل من السفر حين يكبلنا الماضي لأمكنته وزمانه وبؤسه.

شاعرة وإعلامية من البحرين

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية