رجل مثل المتنبي لو كان للمرأة سلطان عليه لترك في كل مدينة زوجة وأطفالاً، على عادة التجار المتجولين، فأين نساء المتنبي؟ بل أين أم محسّد المرأة الوحيدة التي تزوجها، ما شكلها؟ هل أحبها قبل الزواج؟ من أي بلدة هي؟ وهي هذه المرأة (الحلال) في حياة المتنبي الذي جانب الخطايا على حد قول علي بن حمزة: (بلوت من أبي الطيب ثلاث خلال محمودة وذلك أنه ما كذب ولا زنى ولا لاط). طموح المتنبي للوصول بالشعر قمةً لم ولن يصلها غيره جعله متفرغاً للشعر وحده لا لهو ولا تضييع وقت سعياً وراء النساء. وثمة شيء آخر منع المتنبي من اللهو غير الطموح الكبير، ذلك هو أخلاق المتنبي، ومُثلُه الفلسفية وقيمهِ المثالية ونجدها في قوله:
عواذل ذاتٍ الخال فيَّ حواسدُ وإنَّ ضجيعَ الخَودِ منّي لماجدُ
يردُّ يدأ عن ثوبها وهو قادرٌ ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
حتى وهو نائم لا يحلم بما ليس يأتيه مستيقظاً، أي أن عقله مبرمج على العفاف، كما هو مبرمج على الشعر، يقول:
متى يشتفي من لاعج الشوق في الحشى مُحبٌّ لها في قربــه متباعدُ
إذا كنت تخشى العار في كلّ خلوةٍ فلِم تتصباك الحسانُ الخرائد؟
وفي القصيدة بيته المأثور:
مررت على دار الحبيب فحمحمت جوادي، وهل تشجي الجيادَ المعاهدُ
وهو الذي يقول:
وليس حياءُ الوجهِ في الذئب شيمةٌ ولكنه من شيمة الأسد الوَردِ
وقوله:
إني على شغفيِ بما في خُمرِها لأعِفُّ عمًا فــي سـرابيلاتها
وترى المروءةَ والفتوة والأبوةَ فـي كلُّ مليحةٍ ضرّاتها
هنَّ الثلاثُ المانعاتي لذاتي فـي خلوتي، لا الخوف من تبعتها
كلُ امرأة مليحة ترى المروءة والفتوة والأبوة فيّ كأنهن ضرّات لها يزاحمنها علي، ويبعدنها عني. ويقول المتنبي:
وأشنبِ معسول الثنيات واضحٍ سترتُ فمي عنه فقبّل مفرقي
وأجيادِ غزلانٍ كجيدكِ زرنني فلم أتبين عاطلاً عن مطوق
وما كلُّ من يهوى يعفُّ إذا خلا عفافي ويُرضي الحُبَّ والخيلُ تلتقي
سقى الله أيام الصبا ما يسرُّها ويفعلُ فعلَ البابلي المعتق
إذا ما لبستَ الدهر مستمتعاً به تخرّقتَ والملبوس لم يتخرق
وقوله:
لنا مذهبُ العبّادِ في ترك غيره وإتيانه نبغي الرغائب بالزهد
وقوله:
وقد استفدتُ من الهوى وأذقتهُ من عفّتي ما ذقتُ من بلباله
وقوله:
كم حبيب لاعذر للوم فيه لك فيه من التقى لَوّامُ
رفعت قدرَك النزاهةُ عنه وثنت قلبك المساعي الجسام
واضحة حياة المتنبي وسيرته بقدر غموض ماضيه المتعلق بأصله ونسبه وانتمائه، لقد شطب كل شيء خلفه وبدأ من الحاضر صعوداً إلى المستقبل عن طريق الشعر وحده.
تعجب به وإن لم يكن في القصيدة (أو المقطع من القصيدة) ما يلائم مشاعرك وتجربتك الخاصة، الفن وحده في شعره هو الذي يفرض علينا الإعجاب به، وإلا فما علاقتنا بشِعب بوّان… لماذا نحب هذه القصيدة؟ ما يعجبنا في وصفه الملاريا، لماذا نعجب بوصفه الحمى؟ ما علاقتنا بجدته لماذا نردد رثاءه لها بتأثير؟ ما علاقتنا بالأسد وما رأيناه إلا في حديقة الحيوان؟ ما علاقتنا بالقاضي الخصيبي قاضي أنطاكية ونحن نتعوذ بالله من الحاكم والحكيم، ولكننا نحب ونعجب بقاضي أنطاكية الذي يقول فيه المتنبي:
قاضٍ إذا التبس الأمران، عَنَّ له رأيٌ يخلّص بين الماء واللبن
غضّ الشباب، بعيدٌ فجرُ ليلته مُجانبِ العينِ للفحشاء، والوسن
شرابُهُ النشحُ، لا للرِيّ يطلبه وطُعمُه، لقوام الجسم لا السمَن
القائلُ الصدق، فيه ما يضرُّ به والواحد الحالتين: السرِّ والعلنِ
الفاصلُ الحكم عيَّ الأولون به والمظهرُ الحقَ للساهي على الذهن
أفعالهُ نسبٌ لو لم يقل معها جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
لقد أحببنا هذا القاضي وأحببنا ما قاله المتنبي فيه فقد فرض علينا الحب فرضاً بقوة البيان.
أديبة عراقية ـ كاليفورنيا
لميعة عباس عمارة