كل ما قاله المتنبي رائع سواء مسَّ وترأ حساساً من عواطفنا أو كان بعيداً لا علاقة لنا به، ذاك لأن الرجل قادر على وضع المعاني في كلمات بانسجام معجز كما ينزّل الصائغ الماهر الجواهر على الذهب، ولذلك كان المتنبي الشاعر الأكثر أهمية في تاريخ الشعر العربي كله.
لو جمعنا كل مقدمات المتنبي الغزلية لخرجنا بديوان، وقد نسميه ديوان الشاعر العاشق، ولو لمِ يكن عنده غير هذه القطع لكفت.
ومنها:
أرقٌ على أرقٍ، ومثليَ يأرقُ وجوىً يزيدُ وعبرةٌ تترقرقُ
جُهدُ الصبابة أن تكون كما أُرى عينٌ مُسهَّدةٌ… وقلب ٌيخفق
ما لاح برقٌ… أو ترنَّم طائرٌ إلا أنثنيتُ ولي فؤادٌ شيِّق
وعذلتُ أهلَ العشق حتى ذقتُهُ فعجبت كيف يموت من لا يعشق
وعذرتُهم ، وعرفت ذنبي أنني عيَّرتُهم… فلقيتُ منه ما لقوا
وقوله:
فليت هوى الأحبة كان عدلاً فحمَّلَ كلَّ قلب ما أطاقا
وقوله:
لعينيكِ ما يلقى الفؤادُ وما لقيِ وللحبِّ ما لم يبق منيِ وما بقي
وما كنت ممن يدخل العشقُ قلبِه ولكنّ من يُبصر جفونك يعشقِ
وهو القائل:
وجائزةٌ دعوى المحبة والهوى وإن كان لا يخفى كلام المنافق
الخطاب يبدو كأنه لمحبوبة، ولكنه خطاب موجه إلى الممدوح فهو صادق الحب حين يكون المحبوب سيف الدولة والمنافقين الشعراء عدا المتنبي، ولو طبقنا بيته هذا على غزل المتنبي لجاء بنتيجة أخرى. وللمتنبي مزاج في الحب، يستهويه الصعب، ويلذ له العذاب في الحب يقول:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربُه وفي الهجر فهو الدهرَ يرجو ويتقي
وقوله:
يا أخت معتنقِ الفوارس في الوغى لأخوكِ ثمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ
وهذا هو البيت الذي شُجّع على الاعتقاد بأن المقصودة به هي خولة أخت سيف الدولة، بينما هو وصف للمرأة العزيزة يصلح لخولة الممنعة ويصلح لمزاج المتنبي الذي يهيم بالصعب الممتنع. ويبلغ الذروة في صناعة الغزل في:
لياليَّ بعد الضاعنين شكولُ طوالٌ، وليلُ العاشقين طويلُ
يُبنَّ ليَ البدرَ الذي لا أريده ويُخفين بدراً ما إليه وصول
وما عشت من بعد الأحبة سلوةً ولكنني للنائبات حَمــــــــول
ألم ير هذا الليلُ عينيك رؤيتي فتظهرَ فيه رقّــــــةٌ ونحول؟
وحين يجاهر المتنبي أنه قبَّل امرأةً قبلة عابرة نستبشر بالخير، ولكن الحكاية لا تطول وقد تكون من نسج الخيال أيضاً:
قبّلتها ودموعي مزجُ أدمعها وقبّلتني على خوف فماً لفـــمِ
أبديتِ مثلَ الذي أبديتُ من جَزَعٍ ولم تُجِنّي الذي أجننتُ من ألم
وقوله:
نسيتُ وما أنسى عِتاباً على الصدِ ولا خفراً زادت به حمرةُ الخد
ولا ليلةً قصّرتها بقصيرةٍ أطالت يدي في جيدها صحبة العقد
ومن أجمل ما قال في الحب ونكاد نراه حباً حقيقياً لامرأة:
ما لنا كلُّنا جوٍ يا رسولُ أنا أهوى وقلبُك المتبـولُ
صَحبتني على الفلاة فتاةٌ عادةُ اللون عندها التبديلُ
نحن أدرى وقد سألنا بنجد أطويلٌ طريقنا أم يطـول
وكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ وكثيرٌ من رَدّهِ تعليـــــل
والحقيقة أن هذه القصيدة قيلت حينما جاءه رسول سيف الدولة من حلب إلى الكوفة محملاً بالهدايا ليبلغه أن سيف الدولة أشتاق إليه فالشوق هنا لسيف الدولة.
ويبلغ المتنبي ذروة الرقة في قوله:
ممثلةٌ حتى كأن لم تفارقي وحتى كأن اليأسَ من وصلك الوعدُ
وحتى تكادي تمسحين مدامعي ويعبق في ثوبيَّ من ريحك الندُ
ولكنه بعد هذا الكلام الرقيق مباشرة ينقلب إلى النقد القاسي للمرأة:
إذا غدرت حسناءُ وفّت بعهدها فمن عهدها ألا يدوم لها عهـــدُ
وإن عشقت كانت أشدَّ صبابة وإن فرِكت فاذهب فما فركها قصد
وإن حقدت لم يبق في قلبها رضى وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
كذلك أخلاقُ النساء وربما يضلُّ بها الهادي ويخفى بها الرشد
ولأن أخلاق النساء هكذا يرى المتنبي أن الحب يجب أن يكون للممدوح فيتخلص إلى المدح.
أديبة عراقية ـ كاليفورنيا
لميعة عباس عمارة