المجلات الثقافية الورقية ذاكرة السؤال الأدبي

حجم الخط
0

يعرف المشهد الثقافي والإبداعي العربي منذ السنوات القليلة الأخيرة، رحيل مجموعة من الأسماء التي شكلت النخبة الثقافية، التي أسست السؤال المعرفي، أو ساهمت في تأصيله، وصياغته وتطويره.
عندما نتأمل طبيعة حضور هذه الأسماء/الأصوات في المشهد، وفاعليتها التاريخية، ونوعية الأسئلة التي حملتها في الكتابة الإبداعية والفكرية- النقدية والفلسفية، وفي مختلف تجليات التعبير الرمزي، سنلاحظ أن الأمر لم يكن يتعلق بأسماء تكتب وتنشر، ثم تُراكم، فتُقرأ، كما لم يكن الأمر يتلخص في الانشغال بتسوية الوضعية الاعتبارية للكاتب، من خلال إيجاد موقع اجتماعي، أو ثقافي، بقدر ما كان الاسم/الصوت يختصر أشكالا من الحضور التاريخي- السياسي، والثقافي- الأدبي، أولا من خلال القدرة على عقد التواصل المنهجي مع التراث، من خلال جعله خطابا حاضرا لتعزيز رؤية الحاضر، عبر محاورته ومجادلته، ونلمس ذلك في شكل الخطاب الأدبي الذي كان يتشكل من هذا التواصل – غير المُصرح به – بين التراث وما اعتبر آنذاك حداثة، ثم من خلال الإيمان بتأسيس السؤال المعرفي، بناء على مُحاورة السابق. وحتى نستعيد عناصر تحقق ذلك المشهد الذي نرى أصحابه يرحلون، في غفلة منا، نقترح الاقتراب بالملاحظة والتفكير معا في بعض مظاهر هذه التجربة، من أجل تمثل منطق اشتغالها.
نشير هنا إلى تجربة المجلات الثقافية، التي لم تكن مُكملة لخطاب أو ظاهرة معرفية، أو عبارة عن تجميع لمقالات، إنما كانت حاملة للسؤال، ومُدافعة عنه، لأنها كانت مُؤسسة لمشروع تاريخي مجتمعي عبر الفكر والإبداع. كما أنها لم تكن تُفاضِل في صياغتها لهذا المشروع بين الإبداعي والفكري. كانت مشروعا نضاليا بامتياز.
كثيرة هي المجلات العربية التي شكلت ملتقى حوار الأفكار، ومن صفحاتها تشكلت الرؤى والتصورات، ومن هذه التصورات، صيغت مواقف سياسية، أدخلت البعض إلى المعتقلات، ورمت بالبعض الآخر إلى المنافي. أقف فقط عند نموذج واحد، وغيره كثير عربيا ومغربيا، ومحاولة تتبع موقع الأدب في تصورها الفكري، يتعلق الأمر بمجلة «أقلام» التي تأسست في 2 مارس/آذار 1964 من طرف عبد الرحمن بن عمرو وأحمد السطاتي وإبراهيم بوعلو. أول ما نلاحظه في العدد الأول من سنة 1979، هو طبيعة المواد وصيغة ترتيبها، وكيفية بناء خطابها. توزعت المواد بين الفكر والفلسفة والنقد الأدبي والنص القصصي والشعري والمسرحي. في عدد واحد تلتقي المعرفة الفلسفية بالمعرفة الأدبية بدون حاجز معرفي. نقرأ في افتتاحية المجلة مقالة لعبد السلام بنعبد العالي تحت عنوان «التعدد، الاختلاف، والمنظارية»، عبارة عن تحديد منهجي للمفاهيم، بطريقة حوارية، تعتمد تسجيل الاستنتاجات»، لا يلغي الاختلاف الأصل المركز فحسب، بل إنه يقضي كذلك على تراتب الوجود وتدرجه، حسب المقولات التي يقول بها منطق الذاتية». ننتقل مباشرة من منطق المفاهيم، إلى قراءة أدبية للمجموعة القصصية «ظلال» للكاتب إدريس الخوري تحت عنوان «الواقعية في الذاتية» لتوفيق الشاهد. ما يُلاحظ على هذه القراءة أنها تأتي في علاقة بما هو أيديولوجي-سياسي، من خلال الوقوف عند القضايا الأيديولوجية التي تطرحها «ظلال» من أجل فهم الأدبي للتناقض السياسي. تتأسس هذه القراءة الأدبية، على تصور نقدي، كان يشتغل وفق مفهوم للأدب، يجعل منه امتدادا للحياة السياسية والاجتماعية والتاريخية، ليس باعتباره مُستهلكا لمنطقها، وداعما لأفقها، ومنتصرا لنظامها، إنما باعتباره خطابا مُفارقا لها في اللغة وتصريفها، ومن ثمة، مختلفا عنها في منطق الاشتغال وفي الوظيفة. يُصبح الأدب بهذا التصور، إمكانية لتحليل الأيديولوجي والسياسي، وفضح تناقضاته التاريخية. ومن طريقة تحليل المجموعة القصصية، ونوعية الأسئلة التي يطرحها الناقد على إدريس الخوري وظلاله، نستطيع أن نُحدد مفهوم النقد بالنسبة لكاتب المقالة، والتصور الذي يحمله عن الأدب. يقول صاحب المقالة كان الخوري قد استصعب على القصة الجواب عن «الأسئلة الثقافية السياسية المطروحة في الساحة اليوم»، ويظهر من الأسئلة التي يقترحها الناقد على إدريس الخوري ومفهومه للقصة القصيرة، وكتابته لها، أن تصورا قائما في المشهد الثقافي حول علاقة الإبداع بالسياسة، وانعكاس تلك العلاقة على مفهوم النقد، وخطاب اشتغاله. ولهذا، فترتيب هذه الدراسة بعد خطاب المفاهيم الفلسفية، يُحدث تعاقدا وظيفيا بين الفكر- الفلسفة والأدب- القصة، من أجل هدف مُشترك، هو تحقيق التغيير السياسي بفهم الوضع الاجتماعي، وتحليل الأيديولوجي والسياسي.
بعد الإبداع ونقده، تعود المفاهيم من جديد، من خلال مقالة للمفكر الراحل سالم يفوت حول «من منظور العقلانية المُعاصرة: العقل والعقلانية». جاءت الدراسة عبارة عن إبراز للخطوات العامة للموقف العقلاني المعاصر. يعود سؤال الإبداع، بمقالة نقدية تأتي مباشرة مع التفكير الفلسفي في المفاهيم، وهذه المرة نلتقي مع تحليل الرواية، ومقالة محمد بودويك في تحليل رواية عز الدين التازي، «أبراج المدينة نموذج البرجوازي الصغير المحيط والمحاصر». وهي قراءة تعتمد –بدورها – على مفهوم ربط الأدب بالحياة العامة سياسيا وفكريا واجتماعيا. يقول الناقد «إن أبراج المدينة (….) عمل يأتي في ظروف صعبة أقل ما يقال عنها ظروف الخيبة والبلبلة والانتكاس وانتعاش المد الرجعي». ثم تنفتح المجلة بعد هذا التناوب الوظيفي بين الفكر الفلسفي والفكر النقدي للقصة والرواية، على التجارب الإبداعية، من شعر وقصة قصيرة وأقصوصة ومسرحية. وهي نصوص لا تخرج عن الأفق المشترك في خطابات التفكير، من حيث انتمائها لأسئلة الواقع الاجتماعي، ومُقاومتها لتناقض السياسي بفضحه وتعريته. وقفة سريعة في طبيعة عدد واحد من مجلة واحدة، تجعلنا نتبين عناصر تشكيل النخبة الثقافية التي حملت السؤال هما، وتحليله مسؤولية، والإيمان به قضية. وهو وضع لا يخص فقط «أقلام»، إنما كل المجلات المغربية والعربية التي أرَخت لزمن تشكل النخبة وأسئلتها. ويكفي أن نتذكر مجلة « الآداب» (1953) وسهيل إدريس حتى نقف عند الدور التاريخي للمجلات الثقافية في خلق ثقافة التعاقد بين الفكري والأدبي والسياسي. من أهم الملاحظات التي يمكن تسجيلها في هذا الصدد، من أجل الوعي بتركيبة السؤال المعرفي، ومن خلاله سؤال الأدب، أولا أن الوعي الثقافي لم يكن مُجزءا، يحكمه التخصص في النظرة والاشتغال، إنما كان شموليا. الذهاب إلى الأدب لن يتحقق إبداعا وقراءة /تفكيرا بدون المرور من الخطاب الفلسفي- الفكري الذي لن يستقيم – بدوره- في غياب الوعي بالأدب باعتباره منطقة رمزية يتجلى فيها الصراع السياسي والاجتماعي، ويُنتج إدراكا فلسفيا. وتصب هذه الشراكة بين هذه الحقول في مُقاومة تناقض السياسي والنضال من أجل تغييره، في سبيل حياة اجتماعية كريمة. ثانيا، أنتج هذا التوافق شبه تعاقد ضمني بين كل المشتغلين في حقل التفكير الفلسفي والرمزي/الإبداع، مما انعكس على ما يمكن أن يُسمى بـ»الأفق الفكري المشترك»، أو «رؤيا العالم»، أو « المشروع المجتمعي- الفكري»، الذي وإن تعددت تجلياته، فإنه نجح في خلق نخبة تلتقي حول السؤال، وتمتلك القدرة على حمل السؤال في خطابها، بدون إقصاء الخطابات الأخرى. لهذا، كان الثقافي يُربك السياسة، والأدبي يُخلخل الأيديولوجي، وكان المثقف/الأديب صوتا حاملا للمعنى.
عندما ترحل أصوات هذا الزمن الثقافي، فإن الرحيل لا يعني الأشخاص، لأن الموت قدر وجودي، إنما الخوف من رحيل أسئلة، أو عدم الانتباه إليها، وهي تتوقف مع عدم إضاءتها، أو حسن التصرف فيها، من خلال استثمار منطقها، والخوف من تجاهل مقومات خطاب زمن ثقافي استطاع أصحابه أن يشكلوا نخبة انشغلت بصياغة السؤال أكثر من الوضع الاعتباري للمثقف. لهذا، أحيانا نطرح بعض التساؤلات، عن السر الذي يكمن وراء حضور تلك الأسماء بقوة في الذاكرة الثقافية، مع العلم أنها لم تُنتج التراكم في الكتب أو النصوص أو الدراسة، والموضوعية المعرفية تُؤكد على ضرورة الاحتكام إلى متن، يكون عبارة عن نصوص من خلالها يستطيع الباحث /الكاتب أن يبني تصوره عن الاسم وفكره وإبداعه، ولعل الجواب يكمن في طبيعة هذا التعاقد الضمني الذي يجعل كل مثقف أو مبدع يعمل في إطار مبدأ الاستمرار والتكامل والشراكة. لم يكن الهاجس فرديا وذاتيا، إنما تاريخيا وجماعيا. كل زمن تُحدده أسئلته الخاصة، لكن تلك الأسئلة قد تتلاشى، ولا تفعل في حياة الزمن، إذا لم يُرافقها مشروع تكون له القدرة على تمثل السابق، وعقد التواصل معه، وحمل رهان الاستمرار بصيغ جديدة للأسئلة.

روائية وناقدة مغربية

زهور كرام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية