تروي أسطورة عربيّة قديمة أنّ أحد ملوك الجان، نصب مرآة كبيرة (عملاقة) على الطريق المفضية إلى قصره. ثمّ جلس في الشرفة، وطفق يراقب السابلة العابرين. أمّا لماذا فعل هذا الملك ما فعل، فلأنّ الأسطورة، وأنا أنقلها عن الكاتب علي أدهم، وهو أحد كتّاب النهضة الذين قرأناهم يافعين، بشيء من التصرّف؛ تقول إنّ الملك عُرف بتواضعه، وكان يكره غرور المزهوّين الكلفين بأنفسهم الذين يدلّون بـ»مواهبهم» وفرط تدلّههم بها، بمناسبة وغير مناسبة؛ وترى أيّا منهم يمشي في الناس مختالا مزهوّا؛ صورة من ذلك المهجوّ:
أقبل يختالُ على ظلّه
يذهبُ في الأدنى وفي الأبعدِ
فأراد الملك بهذا الصنيع أن يختبر هؤلاء. وأعلن في الناس ـ عفوا في الجان، والحقّ أنّني مثل كثيرين، لا أجد فرقا بين إنسيّ وجنّيّ ـ أنّه لن يزوّج ابنته ـ ولا بدّ أنّها كانت حسناء مثل كلّ بنات الملوك في الأساطير القديمة ـ إلاّ من أبعدهم عن الزهو والغرور والخيلاء، وأنّه سيسعد حقّا إذا وجد مثل هذا الشخص، وسيجعله يشاركه عرشه وملْكه. وبدأ الطامعون يتوافدون على القصر، ولا أحد منهم أدرك السرّ في هذه المرآة الكبيرة المنصوبة على الطريق. كان كلّ من يمرّ، يتّجه ببصره إلى المرآة، ويتوقّف أمامها ـ كما يفعل أكثرنا خلسة في شوارع المدن العصريّة، حيث تنهض الواجهات البلّوريّة بوظيفة المرآة. وقد يطيل هذا العابر»الخاطب» الوقوف، وهو يتملّى صورته، ويصلح من هيئته؛ إذ لابدّ أن يكون لمنظره وقع حسن، حتى يحوز ابنة الحسب والنسب. وطال الزمن، والملك جالس في شرفته، ولا أحد من السابلة العابرين أشاح عن المرآة. وملّ الملك، وبدأ اليأس يدبّ إليه. وهمّ ذات صباح بأن يأمر بقلع المرآة، ويحظر ابنته الزواج، فذلك هو نصيبها وقدرها؛ لولا أنّه فطن بغتة إلى شخص عاديّ، في هيئة عاديّة؛ يمرّ بالمرآة، دون أن يلقي عليها ولو نظرة عجلى. كان هذا الرجل ـ والملك يراقبه من علٍ ـ يسير ذاهلا كالغائب عن رشده، مستغرقا في التفكير، لا يحفل بمن حوله ولا يكترث. وفرح الملك، فها هو يظفر أخيرا، بضالّته. وأمر بأن يُحمل إليه الرجل (أو الجنّيّ إذا راعينا منطق الأسطورة). وكان أن أنعم عليه الملك بابنته وعرشه، ووراثة ملكه وجاهه. تقول الأسطورة إنّ هذا الرجل «الجنّي» كان شاعرا، وقد صادف أثناء مروره بالمرآة أنّه كان يدير في ذهنه بيتا من الشعر، استعصت عليه قافيته؛ فشغله ذلك عن النظر إلى المرآة. ولا ندري ما إذا كان رآها، ومرّ بها غير حافل؛ أو هو لم يرها بسبب القافية النابية التي لم تستقرّ في مكانها. وللأسطورة سرّها ومنطقها غير المألوف، وهي فنّ؛ والفنّ لا يعرف الهذيان، كما يقول رولان بارت. وعلى بساطة هذه الأسطورة، فهي ذات سياق مضلّل مراوغ. ومهما يكنْ، فليس لنا إلاّ أن نفترض عليها بعض الافتراضات، حتى لا نظلم شاعرنا المسكين، وليس له أصابعنا ولا ملامس حواسيبنا. أمّا إذا كان قد رأى المرآة، ومرّ بها، دون أن يكترث؛ فهو إمّا أن يكون من عباد الله أو من الجنّ المتواضعين حقّا، أو من الذين يخفون زهوهم، ويتظاهرون بالتواضع؛ أو هو يعرف حقّ المعرفة أنّ صورته قبيحة ـ وهذا افتراض ثالث ـ فكرهها،ولم يعد يحفل بأن يراها؛ بالرغم من أنّ الجمال نسبيّ، خاصّة بعد أن قوّضت السرياليّة والتكعيبيّة مفهومه؛ وصار بوسع أيّ منّا أن يدّعي أنّه وسيم، حتى لو كان يحمل وجه الحطيئة. والفضل في ذلك لبيكاسو ومريديه الذين أعادوا صياغة الجسد الإنساني، فصرنا نرى أنفا مكان العين، وساقا مكان الأذن… وللرسم في أشيائه ومخلوقاته شؤون. بيْد أنّ شاعرنا في هذه الأسطورة التي نحن بها، لا يعرف بيكاسو ولا بروتون وبل شاغال… فلعلّه لم يكترث بالمرآة ـ وهذا افتراض رابع ـ لأنّه وفيّ في نظرته إلى الطبيعة الإنسانيّة، أو هو يدرك أنّ الجسد الذي نحمله أو هو يحملنا، هو أسرع شيء إلى العطب والزوال. ومن ثمّة جاز له أن يتمثّل بقول المعرّي، وكان على جلال قدره وعلمه، في غاية التواضع وخفض الجناح:
ولو كنتُ ملقًى بظهر الطريقِ
لمْ يلتقطْ مثليَ اللاقطُ
أمّا إذا كان شاعرنا قد مرّ بالمرآة، ولم يرها؛ فليس لنا إلاّ أن نصدّق الأسطورة. فلعلّ بيت الشعر الذي كان يديره في ذهنه، والقافية التي كان يقلبها ظهرا لبطن، أو بطنا لظهر؛ ممّا ألهاه عن النظر إلى المرآة. ويعرف الذين يمارسون الكتابة، ويعانون محنة اللفظ، أنّ الكلمة يمكن أن تفلت وتتملّص وتهرب، إذا لم نضعها في مكانها، فنضطرّ إلى البحث عنها؛ وهي تضحك منّا في زاوية ما من النصّ، أو هي ترمقنا بنظرة ساخرة؛ فنمسك بها من ذيلها، ونعيدها إلى موضعها، وقد نغلق عليها بنقطة أو بهلالين أو مزدوجتين. ولكن حذار من الأساطير، فهي ذات سياق مضلّل كما سلفت الإشارة. فلعلّ شاعرنا لم ير المرآة، لأنّه كان مشغولا عنها بمرآة أخرى داخليّة؛ يتملّى فيها خيلاءه المتوارية، أو زهوه المستور خلف ألف قناع وقناع.
ليس المقصود المرآة أيّا كان نوعها ولا المرآة من حيث هي جسم يعكس الأجساد والأجسام و الظلال، أي المرئيات التي تمتصّ الجزء الأكبر من الضوء الواقع عليها، و تلفظ البقية في صورة الظل. فهذه مرآة لا تجسّم الوجود الحقّ أو الأصل. إنّما هي مرآة توهم الشبيه و تعكس الصورة .
المرآة ذات طبيعة ضدّية فهي تجمع بين التجسيم والتجريد، بين الافصاح والكتمان. إنّها مرآة المجاز والتورية التي تلتقط الجسد في تحوّلاته وتناسخاته من عنصر إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى، في دورات فيضية، يتخذ فيها الجسد صورة تحوّل هابط حينا، و صورة تحول صاعد حينا آخر. على أن ّهذه المرآة المجازيّة لا تلتقط من الجسد صورته الشمسيّة و هيئته النورانيّة المجرّدة المفارقة عن المادّة فحسب؛ إنّما تلتقط أيضا صورته السمعيّة ـ البصريّة.
فالطفل يسلم أمام المرآة بأنّ لجسده صورتين أصليّتين ترتدّان إلى ذات واحدة: صورته الزئبقيّة الساكنة في فراغ المرآة المسطح، وصورته الواقعية التي تشغل حيزا من المكان من حيث هو امتداد للأشياء، ومن هنا تنشأ حيرته ويتحفّز خياله؛ فهو بإزاء صورتين متفارقتين متآخذتين في آن: صورة حسّيّة
بصريّة لكنّها غير واقعيّة، وصورة واقعيّة لكنّه يعجز عن إخضاعها للمعرفة الحسّيّة. و هو يسارع إلى الأولى تحفزه رغبة عجيبة في الاتّحاد بها، وكأنها «أناه» المثالي، بتعبير جاك لا كان، إلّا أنّه يصطدم بعجزه عن امتلاكها. وينقل ناظريه بالتناوب من صورته في المرآة إلى صورته ذاتها، ليرى بعين الخيال «لألاء اكثر ومادة اقل ممّا تراه المرآة، فالمرآة تحملق بثبات ومجابهة، بينما البصيرة تمرق وتلتف وتحلّق كشيء حيّ. و كذلك الشاعر لم يلتقط في مرآته سوى الخيال. و لكن لماذا لا يكون هذا الجسد اللامرئي جسد الحلم أيضا؟ فهو ينسلخ من صاحبه مثلما ينسلخ الإنسان من جسده في الحلم، فلا سلطان الا سلطان الجسد منسلاّ من نقطة ما في غياهب اللاشعور، متحررا من قيود الظاهر والعادة. فهو ليس جسدا من لحم و دم، و انما جسد «حاكته « قوى وميول نفسية لم تجد متنفّسا لها في اليقظة وفي نظام الحياة الذي يأخذ به الفرد نفسه، فتآزرت لتبني جسدا مضادّا يشي بانفصام الشخصيّة وازدواجية الذات، جسدا لا مرئيّا أو لا منظورا، لكنّه ينهض في صميم المرئي أو المنظور. أليس هذا الجسد اللامرئي هو المرآة التي يتعرف فيها الفرد نفسه ويحدد موقع «أناه» قبل ان تمتد إليه يد المجتمع فتصنفه وتسمه بميسمها؟ قد يتساءل القارئ لِمَ سقتُ هذه الأسطورة، وما المغزى من ذلك؟ الحقّ أنّني أعود إليها، وقد تعرّفت خلال أسفاري ورحلاتي، إلى كتّاب وشعراء عرب، وآخرين من العالم الآخر الذي تفصلنا عنه سنوات ضوئيّة. وكنت كلّ مرّة، أعود بذات الانطباع، وأتساءل لِمَ يتواضع مبدع، ويرحّب بالنقد، ويتقبّل الملاحظة؛ في حين يغضب آخر حتى من الملاحظة اليسيرة، وربّما وقع في ظنّه أنّه محور الوجود؟ لا جواب سوى هذه المرآة التي ترانا، وتضحك منّا وعلينا.
منصف الوهايبي