المرحلة المقبلة تتطلب إجراءات لترشيد أساليب الحكم وإصلاح المسارين السياسي والاقتصادي

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: لا يزال وضع الصحف الصادرة أمس على حاله. مساحات كبيرة تحمل التهاني من الشركات والأفراد للرئيس السيسي بمناسبة فوزه في الانتخابات بفترة رئاسية ثانية ومواصلته الاجتماعات مع رئيس الوزراء وعدد منهم لبحث استكمال المشروعات الضخمة التي بدأ بها فترته الأولى، ومنها دخول ست محطات لتحلية مباه البحر الخدمة نهاية العام الحالي ستوفر كميات كبيرة من مياه الشرب. وإعلان عدد من الوزراء عن تصميم الحكومة على رفع أسعار تذاكر القطارات ومترو الأنفاق مع استمرار الاشتراكات المخفضة للطلاب والموظفين وكبار السن والمتقاعدين، وكذلك رفع أسعار الكهرباء والمياه وباقي الخدمات في الميزانية العامة الجديدة في شهر يوليو/تموز المقبل.
وقد أخبرنا الرسام إسلام في جريدة «الوطن» أنه كان يسير في أحد الشوارع فشاهد اثنين يستمعان إلى صراخ قادم من أحد المنازل، سيدة تصرخ قائلة: يا لهوي فترد عليها أخرى قائلة: سايبنا ورايح فين يا غالي. وثالثة تبكي وتقول هتوحشنا يا غالي، مما أثار ذعر واحد منهما فقال لصديقه: محدش مات لهم بعيد عنك ده مرتب أول الشهر بتاعهم أتصرف.
واللافت أن الأغلبية التي تكتوي بتلك الارتفاعات لم تهتم بها لأنها فيما يخيل ألي لا تريد أن تفسد على نفسها الاحتفال بعيد شم النسيم وأسعار الفسيخ والسردين والملوحة والرنجة والبيض الملون والخس والملانة والليمون والبصل والتنزه في الحدائق العامة. والحال نفسه مع القضايا السياسية التي تبرز باستمرار وبشدة مطالبة بتغييرات سياسية وحريات أوسع رغم أنها تحمل نذرا غير مريحة للنظام إذا لم يتجاوب معها لأن الأغلبية لن تظل بعيدة عن السياسة رغم العقدة النفسية التي تعانيها منذ ثورة يناير/كانون الثاني وما حدث في البلاد من فوضى أمنية، وما تشاهده يوميا في سوريا وليبيا واليمن من مجازر ومصائب وما أصبحت تنعم هي به من أمن واستقرار رغم بقايا العمليات الإرهابية وبالتالي فمن يراهنون على ثورة شعبية عليهم أن ينتظروا الحصول على بيضة من الديك. كما يتواصل الاهتمام بشهر رمضان المقبل وتباهي وزارة التموين بأنها ستطرح السلع بأسعار أقل من الأسواق بنسبة عشرين في المئة في سرادقات «أهلا رمضان» والمجمعات الاستهلاكية.
وإلى ما عندنا….

مصر ليست أرضا للخوف

أبرز ما نشر عن الأوضاع السياسية التي يجب أن تكون عليها مصر بعد انتخابات الرئاسة قول محمد أمين في «المصري اليوم» تحت عنوان «افتحوا الشبابيك الآن»:
كان ينبغي أن نستفيد بما جرى في انتخابات رئاسية، وكان ينبغي تصدير صورة مصر التي تنتخب وتفرح، الصورة التي يجري تصديرها الآن مخيفة المشهد العام مؤلم للأسف لا يكشف عن حنكة سياسية ولا يكشف عن ذكاء سياسي. وكنت أريد أن تتصدر صورة انتخابات الوفد جميع الفضائيات، هذه هي مصر التي قررت أن تحيا بالحرية والتعددية وليس «الصوت الواحد»، فرصة أن تكون عندنا أحزاب حقيقية لها أرضية شعبية وبنية تحتية ومقرات في المحافظات والمدن والقرى، فرصة أن نستعد من الآن لانتخابات الرئاسة المقبلة، لا ينبغي أن نفاجأ بأن الانتخابات غدا وأننا بلا مرشحين على قدر مصر، لا ينبغي أن تتكرر هذه المأساة. نعم هي مأساة. مهم أن تكون هناك أحزاب تخوض معارك سياسية وانتخابية لا أن تدخل في صفقات تجارية كالعادة. افتحوا الشبابيك للرأي الآخر، افتحوا الشبابيك لهواء جديد يسمح بعودة الإعلاميين الجالسين في البيوت، افتحوا الشبابيك لأحزاب حقيقية بعيدا عن تدخلات أمن الدولة فالذين يلعبون في العلن أفضل من الذين يعبثون تحت الأرض. نريد أن نقدم مصر جديدة. السيسي كان حالة «استثنائية»، الجماهير نزلت من أجله وطالبت به. نريد إفساح المجال لألف «سيسي» في مصر. وأريد أن أسمع خطابا من «الرئيس المنتخب» يتضمن هذه المعاني، يتكلم فيه عن إفساح المجال لتعددية ثقافية وتعددية فكرية وسياسية فالعمل السياسى يفرز الكوادر والقيادات ويمكن أن يقدم الوزراء والقيادات والمرشحين للرئاسة 2022. نريد أن يكون لدينا حزبان كبيران على طريقة أوروبا وأمريكا لا مانع بالطبع من وجود أحزاب أخرى وليس دكاكين أو غرف مفروشة. وأخيرا أغلقوا الباب فى وجه «جماعة المحتسبين» فلا تحرضوهم ولا تموّلوهم ولا تستجيبوا لهم. مصر ليست أرضا للخوف. الرسالة بهذه الصورة «غلط». تصدير هذه الصورة لا تصلح معه كل شركات العلاقات العامة لتغييره. الآن علينا أن «نفرح» بانتخاب الرئيس و«نفتح الشبابيك» لهواء جديد.

أسماء على الورق

وفي مجلة «المصور» قال رئيس إدارة مؤسسة دار الهلال التي تصدرها مجدي سبلة عن المشروعات الاقتصادية العملاقة التي أقامها الرئيس وستبدأ ثمارها في الظهور:
لابد من توزيع العائد على الشرائح المجتمعية لتجنب ضرر الشرائح الأقل دخلا مع التوسع في برامج الحماية الاجتماعية مع الاحتياج لاعلام قوي يبرز التشريعات الجديدة لقانون الاستثمار ووضع خريطة استثمارية لتصبح مصر أكثر جذبا للاستثمار العالمي وخلق اليات ذات تأثير مباشر في إطار رؤية الاستثمار الجديدة التي تركز على المناطق الواعدة في مصر في الملف السياسي خاصة بعد أن تحقق الاستقرار السياسي والأمني بعد النجاح في القضاء على الإرهاب. وتأتي الرسائل أكثر إيجابية للخارج مما يسهم في جذب الاستثمار. الأمر الأكثر أولوية من الملف الاقتصادي هو ملف الأحزاب السياسية وتحديد الأدوار بشكل أكثر وضوحا في تفعيل دور المؤسسات والحكومات والمجتمع المدني والأحزاب مما يتطلب أن تتبنى الأحزاب دعوة دمج معظمها واختصار الحياة الحزبية على 10 أحزاب على الأكثر بدلا من 104 أحزاب، ولابد من شطب بعضها، حسم موقف بعضها، والبقاء على أحزاب قوية راسخة تعبر عن برامج وأهداف وأفكار لأنه لا ينبغي أن تكون هذه الأحزاب أسماء على الورق.
وإذا انتقلنا إلى «الأخبار» فسنجد رئيس تحريرها الأسبق جلال دويدار يحذر الذين يطالبون الرئيس بتعديل الدستور ويقول: حول هذا الشأن وتعظيما للأهداف الإصلاحية التي محورها الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تبنته ثورة 30 يونيو/حزيران عبّر الرئيس السيسي عن احترامه لما يقضي به دستورها فيما يتعلق بفترات ولاية بقاء الرئيس في منصبه. حسم الرئيس هذا الأمر نابع من اخلاصه وتجرده وإيمانه بأنه أدى وسوف يؤدي المهمة المكلف بها شعبيا على مدى فترتي الرئاسة. لا جدال أن هذا الموقف من جانبه سوف يسجله له التاريخ باعتباره ترسيخا لدعائم دولة مصرية ديمقراطية حديثة ومتطورة ومتقدمة.

تحذيرات

أما نبيل زكي رئيس مجلس إدارة جريدة «الأهالي» فقد حذر الرئيس من الاستجابة لدعوات الذين يطالبونه بانشاء حزب سياسي وهو في السلطة، وهي التجربة التي فشلت فيها ثورة 23 يوليو/تموز سنة 1952 لأن كل الانتهازيين وأصحاب المصالح انضموا إلى التنظيمات التي أنشأتها وقال:
والرئيس السيسي يملك بالفعل ظهيرا شعبيا هائلا وليس في حاجة إلى حزب محدد لكي يسانده لأن الأغلبية الشعبية الساحقة تؤيده كما ظهر عبر الانتخابات الرئاسية السابقة والأخيرة. وقد سبق للرئيس أن رفض فكرة أن يكون له حزب وليس من المصادفة أن ينص دستورنا الحالي على ضرورة أن يتخلى رئيس الجمهورية عن عضوية الحزب إذا كان عضوا فى أي حزب قبل أن يتولى الرئاسة لكي يكون فوق الأحزاب والحكم فيما بينها. وها هي الغالبية الكبرى من الأحزاب السياسية التي تساند الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة والسياسة الخارجية المستقلة وتجديد البنية الأساسية والمشروعات القومية الكبرى تقف إلى جانب الرئيس وليس مجرد حزب واحد ينفرد بهذه المساندة.
أستاذ القانون في جامعة الاسكندرية الدكتور الشافعي محمد البشير كتب في «الوفد» يقول: في ربيع عام 1969 تعرض ديغول لمتاعب سياسية داخلية وخاصة في مظاهرات وإضرابات الجامعات فضلا عن مشاكل مع ألمانيا بسبب انخفاض سعر الفرنك الفرنسي عن المارك الألماني وغير ذلك من مشاكل جعلته يقدم لشعبه مقترحات لتعديل قوانين أساسية للبلاد وعرضها على المواطنين للموافقة عليها في استفتاء عام، واشترط عليهم أن يوافقوا عليها وإلا فإنه سيتنحى عن منصب رئيس الجمهورية. وظهر على شاشة التلفزيون وهو يخطب لمدة نصف ساعة وأعقبه على الفور أحد كبار معارضيه لتفنيد ما قاله ديغول ورفضه. وكان ذلك متمشيا مع ملايين الشباب الفرنسي الذي لا يهمه تاريخ ديغول وكفاحه من أجل تحرير فرنسا من الاحتلال النازي وشجاعته في تحرير الجزائر كذلك مما دعا غالبية الشباب للذهاب إلى صناديق الاستفتاء ورفض مقترحات شارل ديغول الذي نفذ وعيده وتنازل عن رئاسة الجمهورية وانسحب إلى قريته حتى مات رافضا أي جنازة رسمية كوصية لزوجته. والذي حدث لشارل ديغول محرر فرنسا من الاحتلال النازي في الحرب العالمية الثانية لم يحدث هنا في مصر للرئيس عبدالفتاح السيسي الذي عرض نفسه في انتخابات حرة لتجديد رئاسته أربع سنوات أخرى فأعطاه الشعب الثقة التي تمثلت في الطوابير الحاشدة للناخبين وظهرت صحف يوم الجمعة 30 مارس/آذار تحمل العناوين التالية: جريدة الوفد: «السيسي يحصد أكثر من 90 ٪ من الأصوات». جريدة «الأهرام»: «25 مليونا شاركوا في الانتخابات والمؤشرات الأولية 96.9٪ من الأصوات للسيسي»، «المصري اليوم»: «السيسي يقترب من الولاية الثانية بـ97٪».

فرص الرئيس كبيرة

وإلى «الأهرام» ومكرم محمد أحمد وقوله تحت عنوان «معنى الأرقام في الانتخابات الرئاسية»: إصلاح المسار الديمقراطي وترشيد أساليب الحكم وتشجيع الأحزاب السياسية على العمل الحزبي وإزالة القيود التي تحد من نشاطها، واعتبار المعارضة جزءا من الحكم لا يصلح إلا بإصلاحها ولا تصلح إلا بوجوده، والارتقاء بحقوق الإنسان المصري بحيث يمتنع تماما العدوان على حقوقه وكرامته ولا تصبح حقوق الإنسان المصري مدعاة لأي تدخل خارجي في الشأن المصري خاصة أننا قطعنا على هذا الطريق خطوات مهمة وجادة. ولا أظن أن لدى أي مصري ملاحظات سلبية على خطط مصر لتحقيق التنمية المستدامة لأن سنوات حكم الرئيس السيسي الأربع الماضية وضعت معايير واضحة لتحقيق الجودة والإتقان وحسن المفاضلة بين الأولويات المهمة التي ينبغي الحفاظ عليها وتعميق جذورها بحيث تصبح شروطا وثوابت أساسية يتحتم الالتزام بها، فالمزارع السمكية ومحطات تحلية مياه البحر والاستفادة من الطاقة المتجددة والتغلب على نقص المياه ونمو الصناعات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز مراكز الصناعة تُشكل علامات مهمة على خريطة تنمية مصر وتعزيز مستقبلها. وعلى العكس فإن الإهمال والتسيب وعدم اللامبالاة والفساد وفقدان معايير الثواب والعقاب تشكل نواقص أساسية ينبغي التخلص منها. وأظن أن فرص نجاح الرئيس السيسي في فترة حكمه الثانية ضخمة وكبيرة فهو يبدأ من معدل تنمية ارتفع من الصفر إلى 53 في المئة، وبدأ من نسبة تضخم جاوزت 35 في المئة لتصل مع نهاية هذا العام إلى أقل من 10 في المئة. وبدأ من احتياطيات للنقد الأجنبي تتبخر في الهواء لترتفع مرة أخرى إلى حدود 42 مليار دولار ومن سياحة تلفظ أنفاسها إلى انتعاش جديد يبشر بالخير. إنني لا أنثر التفاؤل استنادا إلى أرقام يأتي ذكرها جزافا دون تدقيق ولكنني أتحدث عن واقع حي يتحرك أمامنا إلى الأفضل توثقه شهادات عالمية محايدة يصنعه المصريون بعرقهم وكدهم ويستحقون عليه حياة أفضل.
وفي جريدة «روز اليوسف» قال حازم منير: الحاصل إن المستقبل للرئيس الجديد يتطلب إجراءات لمواصلة مسيرة الإصلاح المالي تتجنب سلبيات ما جرى في الأربع سنوات الأخيرة إلى جانب إجراءات تمنع تولد سلبيات جديدة تضاف إلى سابقتها. والمرحلة المقبلة تتطلب أيضا تعاملا مُختلفا ووسائل جديدة لإعادة الاعتبار إلى العمل العام. المطلوب وقفة تفكير وتأمل للاستماع إلى ملاحظات وأفكار عن برامج اجتماعية جديدة وسياسات أكثر تفعيلا وإسهاما في تخفيف العبء عن الفئات الأقل قدرة وهي في الحقيقة اتسعت دوائرها في الآونة الأخيرة،والمطلوب أيضا جلسات حوار ومؤتمر لقادة الفكر والرأي ورموز العمل السياسي والعمل العام لمناقشة توسيع دوائر المناقشة والانتقال بالعمل السياسي والحزبي لمكانة أكثر تقدما مما هي عليه الآن بما يسمح بتقديم رموز وقيادات جديدة للمجتمع ولمؤسسات الدولة. ماذا بعد؟ سؤال جوهري لاستكمال مسيرة بناء الدولة الحديثة.

حكومة ووزراء

وإلى الحكومة وما تسببه من مشاكل لقطاعات من الشعب مثل أصحاب المعاشات وعددهم حوالي سبعة ملايين وعدم رضاها عن حكم لصالحهم أصدرته محكمة القضاء الاداري في مجلس الدولة وقال عنه في «الأهرام» محمد الهواري:
لا أعرف ماذا يضير الحكومة في تنفيذ أحكام القضاء الإداري بضم العلاوات التي قررها الحكم لأصحاب المعاشات لمواجهة غلاء الأسعار والعلاج في وقت معظم هؤلاء غير قادرين على العمل! هل لأن أصحاب المعاشات فئة ضعيفة في المجتمع رغم أنهم أحرص على الوطن وشاركوا جميعا في الانتخابات الرئاسية من أجل مستقبل مصر ومستقبل أبنائهم؟ أعتقد أن الأمر لا يستحق العناء من الحكومة من خلال الطعن على الحكم أمام الإدارية العليا فالطعن لا يوقف تنفيذ الحكم وهناك أعداد ضخمة معاشاتهم لا تكفي قوت يومهم أو علاجهم وقد تساعدهم العلاوات الجديدة على تحقيق بعض التوازن بين المعاش ونفقات الحياة.

عبء على الحزب

ومن مشكلة أصحاب المعاشات مع الحكومة إلى مشكلة رجال الأعمال معها والتي تناولها عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم»: يجب أن نعترف بأن الدولة المصرية تعيش الآن حالة اسمها أزمة رجال الأعمال ذلك أن هناك تقوقعا أو انكماشا واضحا في صفوف نسبة كبيرة من رجال الأعمال في المرحلة الراهنة لأسباب مختلفة، وهذا الوضع لا يخدم أبدا أي اقتصاد يريد النهوض والانطلاق ذلك أننا أمام أموال منكمشة بل يمكنها مغادرة البلاد، أمام خبرات كبيرة يمكنها أيضا مغادرة البلاد، أمام اقتصاد موجود بالفعل كان يجب البناء عليه وليس مقاومته أو البدء من جدي. ربما لا يدرك الكثيرون أن القطاع الخاص يستحوذ على نحو 75٪ من العمالة فى بر مصر بينما لا يستحوذ القطاع العام أو الحكومي إلا على نسبة 25٪ فقط معظمهم موظفو مكاتب، أي ليسوا منتجين، بل معظمهم عمالة زائدة لا تحتاجها الدولة أصلا في الوقت الذي لا تسعى فيه الدولة إلى تحسين ما تبقى من القطاع العام أو الارتقاء به بل مازال الاتجاه نحو البيع سائدا يوما بعد يوم رغم وجود بعض الشركات الكبرى التي كانت رائدة في الصناعة والإنتاج ذات يوم ولا تحتاج إلى أكثر من إعادة هيكلة وتصحيح مسار مثل شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى. لا يستطيع أي منصف اتهام رجال الأعمال بشكل عام بالسوء ذلك أن منهم الكثير ممن ساهموا في النهوض بالاقتصاد بالفعل، كما لا يستطيع أحد أيضا أن ينكر أنه كانت هناك تجاوزات كبيرة من بعضهم قد تكون في صورة تهرب من الضرائب أو الجمارك أو التأمينات أو الاستيلاء على أراضي الدولة أو حتى البلطجة. هؤلاء أساءوا إلى النظامين الاقتصادي والسياسي ككل. ربما كان الرئيس مبارك يسدد الآن الفاتورة الأكبر من أخطاء هؤلاء ذلك أنه لم يثبت أنه كان جزءا من هذه المنظومة من قريب أو بعيد إلا أن عددا كبيرا منهم توغل في حزب الحكومة الذي كان يترأسه مبارك بالتالي كانوا عبئا على الحزب وسمعة الحزب.

معارك وردود

وإلى المعارك والردود المتنوعة وأولها سيكون من الدكتور الشيخ عبد الحليم منصور الأستاذ في جامعة الازهر الذي هاجم الذين يدعون لعدم الاحتفال بعيد شم النسيم وقال في جريدة «صوت الأزهر» تحت عنوان « الاحتفال بأعياد الربيع في ميزان الفقه الإسلامي»: بعض من يتصدرون للفتوى في وسائل الإعلام وغيرها يكدرون على الناس فرحتهم في هذا اليوم فيطلقون فتاواهم بحرمة الاحتفال بهذا اليوم معللين قولهم :بأنه لا توجد أعياد في الإسلام سوى الفطر والأضحى، وأن في هذا الاحتفال تشبها بغير المسلمين ومن تشبه بقوم فهو منهم إلى غير ذلك مما يسوقه القائلون بهذا الاتجاه. لكن الذي يبدو لي أن الاحتفال بهذا اليوم جائز ومشروع وذلك لأن يوم الربيع أو يوم شم النسيم، كما يطلقون عليه، هو عيد اجتماعي كغيره من الأعياد الاجتماعية الأخرى مثل يوم المرأة، ويوم الأم، ويوم اليتيم، ويوم النصر، ويوم العمال، وغيره من الأيام التي لها دلالات اجتماعية في نفوس المصريين وليست أعيادا دينية على النحو الذي يردده البعض. ومن ثم فما يردده القائلون بالمنع والحرمة لا أساس له من الصحة لاسيما وأن الأكل والشرب والخروج للتنزه في إطار ضوابط الشرع كل ذلك جائز على مدار العام لعموم قوله تعالى: «وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» فهو يتناول كل أيام العام ومنها يوم الربيع، ومن ثم فتخصيص هذا اليوم بالمنع يكون تخصيصا بغير مخصص فيكون غير مقبول.

وقائع اختفاء تمثال الزعيم

وثاني المعارك ستكون لحمدي رزق الذي اتهم مسؤولين في مبنى التلفزيون الحكومي بأنهم من الإخوان المسلمين لأنهم منذ مدة قاموا بنقل تمثال عبد الناصر من مدخل المبنى ولم يعيدوه إلى مكانه حتى الآن. وقال في «المصري اليوم» تحت عنوان «وقائع اختفاء تمثال الزعيم»: رغم مرور نحو ثلاثة أسابيع وحتى ساعته وتاريخه لم يعد تمثال الزعيم جمال عبدالناصر إلى قاعدته في البهو الرئيس ليتصدر مبنى التلفزيون المصري «ماسبيرو». اختفى التمثال يوم 16 من الشهر الماضي في ظروف غامضة وجرى وضع ماكيت مبنى «ماسبيرو» مكان التمثال الفريد ليملأ الفراغ الذي لا يملأه سوى تمثال الزعيم. عجبا ماكيت خشبي مكان تمثال تاريخي من تاريخ بناء التلفزيون عام 1960 ومن أعمال النحات الكبير جمال السجيني. رأس من البرونز تحفة، قطعة فنية أصلية، أثر تاريخي لناصر الذي تجري وقائع إخفاء اسمه من على كل مباني الدولة ومؤسساتها. كفاية اختفى اسمه من على استاد ناصر وبحيرة ناصر وكل ما تسمى باسم ناصر بدم بارد. اختفاء التمثال أو إخفاؤه في مكتب المسؤول عن تطوير البهو «اسمه كده مسؤول البهو» يمثل لغزا يحتاج إلى تفسير. ليس هكذا تمر الحوادث المريبة في ماسبيرو بلا تحقيق أو توضيح أو بيان، بل يجري التحقيق مع المذيعة «انتصار غريب» التي فجرت القضية على صفحتها على فيسبوك. أخشى تماما على التمثال من فلول الإخوان في ماسبيرو. هؤلاء يكرهون ناصر وسيرة ناصر واسم ناصر وتمثال ناصر، هذا ليس مبنى ماسبيرو. هذا مبنى ناصر ووضع حجر أساسه وأسسه عبدالناصر وليس حسن البنا أو خيرت الشاطر.

حكايات وروايات

وأخيرا إلى الحكايات والروايات وستكون عن نابغة طب النساء والولادة في مصر الدكتور نجيب محفوظ الذي تم افتتاح متحف لمقتنياته منذ أيام. وحسب ما قال الدكتور مينا بديع عبد الملك في «الدستور» تحت عنوان «د. نجيب محفوظ قديس الطب» فإن الأديب نجيب محفوظ سمي على اسمه لأنه هو الذي قام بتوليد والدته وانقذها من ولادة متعسرة. وقال عنه أنه ولد يوم الخميس 5 يناير/كانون الثاني سنة 1882 في مدينة المنصورة والتحق بمدرسة الطب في القاهرة عام 1898 ومما قاله عنه: حدث في يوم 11 ديسمبر/كانون الأول 1911 أن تعسرت ولادة إحدى السيدات فأشار عليها الأهل والجيران باستدعاء طبيب النساء والولادة د. محفوظ، وتمت الولادة بفضل الله على خير. وفي الصباح توجه زوج هذه السيدة ويُدعى «إبراهيم عبدالعزيز الباشا» إلى مكتب الصحة وفي خانة اسم المولود كتب «نجيب محفوظ». وهكذا أصبح اسم أديب مصر «نجيب محفوظ إبراهيم عبدالعزيز الباشا».
ساهم الدكتورنجيب محفوظ مع الدكتور إبراهيم المنياوي والدكتور إسكندر جرجاوي في العمل القومي الرائع الذي قامت به الجمعية الخيرية القبطية برئاسة جرجس أنطون باشا فى إنشاء المستشفى القبطي في القاهرة على أن يكون للمستشفى الصفة القومية وقد افتُتح عام 1926 وطوال ثلاثين عاما بين 1902 و1932 حافظ الدكتور نجيب على جميع المواد التي حصل عليها من العمليات التي أجراها بنفسه في المستشفى القبطي وكتشنر وقصر العيني. وفي عام 1932 قدم هذه المجموعة هدية لكلية الطب التىيقبلتها مشكورة وحافظت عليها كوحدة مستقلة باسم «متحف محفوظ» الخاص بالولادة وأمراض النساء. وفي آذار/مارس 2018 قام قصر العيني بافتتاح متحف د. محفوظ الذي يُعد أسطورة علمية طبية فنية متطورة بأحدث التقنيات الحديثة. وقبل أن يعتزل العمل في الجامعة نشر على نفقته الخاصة دليلا مصورا عن متحفه والرسوم فيه موضحة بسبع لغات، وقام بإعداد أفلام سينمائية ملونة ناطقة للجراحات التي ابتكرها للأمراض التي كانت تُعتبر قبلا غير قابلة للشفاء، كما قام بتأسيس جمعية الولادة وأمراض النساء المصرية. حصل على ماجستير في الجراحة من جامعة فؤاد الأول «القاهرة حاليا» عام 1930 ثم دبلوم عضوية الكلية الملكية البريطانية للأطباء الباطنيين عام 1932 ثم زمالة الكلية الملكية البريطانية للولادة وأمراض النساء عام 1934. وفي العام التالي منحته الكلية الملكية لأطباء أمراض النساء والولادة البريطانية الزمالة الفخرية. وفي عام 1937 حصل على زمالة الكلية البريطانية للأطباء الباطنيين ثم زمالة أكاديمية الطب في الولايات المتحدة الأمريكية ومقرها نيويورك، ثم منحته كلية الجراحين الملكية في بريطانيا الزمالة الفخرية عام 1943. ثم في عام 1947منحته الجمعية الملكية الطبية البريطانية الزمالة الفخرية في الوقت نفسه الذي مُنح فيه هذا اللقب للسير «الكسندر فلمنغ» مكتشف البنسلين.
في العام نفسه منحته الجمعية الملكية لأطباء النساء والولادة في «أدنبرة» الزمالة الفخرية. حصل د. نجيب محفوظ على العديد من الجوائز والألقاب وآخرها فى عام 1959 عندما رشحته الجمعية المصرية لتاريخ العلوم لنيل جائزة الدولة التقديرية للعلوم وقد أيد هذا الترشيح: الاتحاد العلمي المصري وكلية الطب في جامعة القاهرة فقرر المجلس الأعلى للعلوم برئاسة كمال الدين حسين وزير التربية والتعليم في ذلك الوقت منحه هذه الجائزة. وفي الاحتفال بعيد العلم عام 1960 تسلم الجائزة من الرئيس جمال عبدالناصر. وقد طالب خالد منتصر في كتاباته الكثيرة بضرورة رفع الظلم عن د. محفوظ والرد على محاولات تلويث سمعته واتهامه باضطهاد الأطباء المسلمين في الالتحاق بأقسام النساء والتوليد، إذ أكد كل من د. محمد أبوالغار وخالد منتصر أن كل البعثات العلمية التي أرسلها إلى الخارج كانت لتلامذته من المسلمين.

المرحلة المقبلة تتطلب إجراءات لترشيد أساليب الحكم وإصلاح المسارين السياسي والاقتصادي

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية