المسرحي عبد القادر علولة: مات الذي لن يموت أبدا

عندما وصلني خبر الاعتداء عليه، دارت بي الأرض وانتابتني نوبة بكاء، أعتقد أنها لم تتوقف حتى اليوم. جيء به إلى باريس، إلى مستشفى فالدوغراس. عيناه بالكاد، مغمضتان. قبلتُ جبهته التي كان بها جرح يكاد لا يرى إثر رصاصة خادعة. لم نكن في مسرح دائري كذاك الذي اشتهاه علولة دوماً، ولكن داخل قاعة الوداع الأخير، في المستشفى. كان محاطا بأحبته وأصدقائه وأهله. كانت شمس ذلك اليوم المجروح إلى الأبد 10 ـ 03 ـ 1994 بلا نور ولا دفء.
قبل أربع وعشرين سنة، كان هذا الرجل الكبير هنا، منشغلاً بالشأن المسرحي، والحياتي كواحد من أبناء تربة لا ترتاح قليلاً لتزهر، إلا لتشتعل من جديد، ويرفع من معنويات الأطفال المرضى بالسرطان في «مسرغين». قبل عشرين سنة كان هنا، الفنان الذي رفض أن يغادر الأرض التي فتلته، ويوشوش في أذني المتعبتين بصرخات الموتى، في عز الرعب والخوف، بعد أن فاجأني وأنا أسير متنكراً في شارع ديدوش مراد: اسمع يا عزيزي واسيني إذا أردت أن تتنكر وتبعد القتلة عنك، عليك أن تقص قليلًا من رجليك.
رأيتك من بعيد، فعرفتك. غادر. أخرج من الظلام إلى النور. وجودك تحت التراب لن يفيد في النهاية إلا اعداء الحرية. لا أثقال تعيق رحيلك. انت تستطيع أن تحمل قلمك وتمضي. بإمكانك أن تكتب أينما كنت ومتى شئت. لا قوة في الدنيا تسكتك. مقاومتنا الكبيرة أن نظل أحياء لنكتب ونقول الحقيقة التي يريدون سرقتها منا. كان يمشي وينظر في كل اتجاهات كأن الأرض لم تكن له. وأنت يا كادر خويا لماذا لا ترحل؟ إنهم يتعقبونك أيضا. قلتُ ونحن نعبر الشارع. أجاب: مشكلتي أكبر. أنا لا أستطيع أن أحمل بناية مسرح وهران على ظهري والخروج بها.
بدون مسرح، سأموت مرتين. موت المنفى وموت العجز عن فعل شيء أبعد به آلة الموت المفروض علينا.
هذا هو إيقونة المسرح الجزائري والعربي الذي قبل ان يكون رجل مسرح كبيراً، كان قيمة إنسانية متعالية. بفيض لا يحد من الحب والخير صنعته الحياة بكل صدفها ومآزقها وصعوباتها وقلقها. إيقونة وليدة أياد كثيرة نحتتها بذلك الشكل الذي نعرفه، من العائلة الصغيرة، إلى العائلة السياسية، مروراً بالثقافة الشعبية وانتهاء بالثقافة الإنسانية التي تلقاها أثناء دراسته فن الدراما في فرنسا. هذا الغنى الثقافي هو المشكّل لألوان الإيقونة وندرة معدنها. وعلى الرغم من أنّ هذا المسار أوقف بشكل تراجيدي إلا انه استطاع ان يفرض نفسه من خلال المدونة الكبيرة والمميزة والغنية بالحياة أولاً، التي خلفها وراءه، إذا ما قيس هذا المنجز بالعمر الذي عاشه عبد القادر علولة. طفل الغزوات (ولد في 8 يوليو / تموز سنة 1939) تربى في الأحياء الشعبية، مصغياً للفقراء ولظروفهم المعاشية وللمداح في الأسواق الشعبية الذي سيصبح جزءاً من مسرحه. وهو ما أعطى لمسرحه قوة جمالية جمعت بين التجربة الشعبية وجمالياتها، والتجربة العالمية، متأثرة بقوة بالجهود البريختية التي منحته فرصة المشترك الشعبي والحرفية الفنية المميزة.
وهو ما قام به منذ أن ساهم في تأسيس المسرح الجزائري في سنة 1963، حيث كانت الحاجة ماسة الى مسرح وطني يقول الحاضر والذاكرة الجمعية بتنوعاتها، بالوسيط اللغوي الذي ينشئه الشارع والمسرح معاً. وكان من نتائج هذه الرؤية وهذه الممارسة، منجزه المسرحي الكبير والمتنوع الذي يشكل اليوم لحظة متنورة وعالية القيمة من الريبيرتوار المسرحي الجزائري. «القوَّال» (1980) و«اللثام» (1989) و«الأجواد» (1985)، و«التفاح» (1992) و«أرلوكان خادم السيدين» (1993)، وكان قبل اغتياله في 10 مارس / آذار 1994 على أيدي القتلة ومحاكم التفتيش المقدس الجديدة يعد لمنجز مسرحي جديد سمّاه: العملاق لا نعرف اليوم عنه الكثير إلا كونه تجربة أخرى تبين انتقال علولة نحو مساحة مسرحية جديدة. فقد كانت رغبته كبيرة في عدم الاستكانة على شكل مسرحي واحد وأحادي الجانب. وهو يندرج بهذا ضمن مدرسة عربية موسعة، اشترك فيها مع عبد الرحمن ولد كاكي وعبد الكريم برشيد في مسرحه الاحتفالي، وسعد الله ونوس في سوريا بحثاً عن شكل مرتبط بالبعد الثقافي الوطني والمحلي. فقد صرف كل جهوده في الأعوام العشرة الأخيرة من حياته لتأسيس مسرح يستلهم من «الحلقة» شكلاً وأداء، بعد أن توصل من خلال الممارسة العملية إلى قناعة شخصية أن الشكل المسرحي الأرسطي المتوارث لم يعط قادراً على استيعاب الخصوصية الثقافية المحلية، فقد وجد لفضاءات أخرى. نحا مساراً مزدوجاً ليرسخ أطروحاته المسرحية من خلال الممارسة: الثيمة والشكل.
في الثيمات ركز علولة على القضايا الانسانية الأكثر تقاسماً مع الآخرين. ثيمة الفقر. والحب. والسخرية la dérision المرتبطة بالمفارقة، وكثيراً ما أهمِل هذا العنصر على الرغم من انه حجر الزاوية في المسرح العلولي.
لا غرابة في ذلك، فقد اقترب علولة من أدب سرفانتس عندما اقتبس في وقت مبكر نصه numance وهي سخرية مرتبطة بالحالة التي تستعصي فيها الحلول ولا يبقى أمام الإنسان إلا السخرية من قدره، لتفادي اليأس، كما هي الحال في معظم مسرحياته.
والسخرية هي هنا أكثر قوة من الفكاهة المرتبطة بفعل الترفيه. كما جعل من تيمة الظلم الاجتماعي الذي حاربه علولة ليس من موقعه الايديولوجي فقط ولكن من خياراته الانسانية الأعمق ولهذا وجدت عروضه تلقياً كبيراً سواء في الغرب عندما تم عرض بعض أعماله أو تفضيضها la mise en espace لأن المتفرج الغربي أيضاً وجد نفسه فيها بسهولة. الموضوعة الانسانية هي التي أعطتها هذا المدى وهذا التجاوب. قد تختلف الشخصيات التي تؤدي الأدوار المنوطة بها في مساحات محلية، لغة وممارسة وتقليداً، لكن يظل المنتهى انسانياً ومشتركاً. فلا لون ولا هوية للحب والظلم والحياة والموت والبيروقراطية والتضحية.

 

المسرحي عبد القادر علولة: مات الذي لن يموت أبدا

واسيني الأعرج

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية