المشروع الوطني الديمقراطي تكليف نضالي

من الواضح أن التفكير بالديمقراطية يفترض أن تحمل فكرا ديمقراطيا مستعدّا للعمل كديمقراطي يؤمن بعدالة اجتماعية حقيقية، بإمكانه تطبيق هذا وذلك في الإطار السياسي الذي يتجاوز القطرية ولا يُغيّب معطى الأمّة.
هذا ما يتطلّبه الوعي السياسي لدى الشعوب العربية والإسلامية التي يجب أن تؤمن بأنّ تاريخها واحد، وكذلك حاضرها ضمن المحيط العربي الإسلامي، على الرغم من محاولات المنظّرين للدولة القطرية القائمة التي نجحت بأن تكرّس على سبيل المثال تدريس مناهج التاريخ القطرية، تاريخ كل قطر على حدة، وكأنّه منفصل عن التاريخ العربي والإسلامي في إطاره العام الذي لا يمكن فصله عن بعضه. وهو مسعى لنزع الانتماء القومي عند الأجيال المتعاقبة نحو حالة من اللاّانتماء كرّستها الكيانات السياسية التي نجحت في بعض الأوقات في تحقيق انحلال للهوية المحلية القطرية، ضمن إطار الدولة نحو هويات طائفية وعشائرية، وهو حال بعض الأقطار العربية (ليبيا زمن القذافي – تكريس الانتماء القبلي. نموذج العراق وإن كان عملا أمريكيا مباشرا، ولكن الحكومة التي نصّبها الاحتلال، والتي جاءت على ظهور الدبابات واصلت المشروع عمليا وهو ما تعكسه حالة العراق حاليا).
وفي تقديرنا تقتضي المرحلة أكثر من أي وقت مضى إعادة النظر في مختلف الطروحات القومية منها والعلمانية والإسلامية وإعادة طرحها جميعا في إطار يتماشى وسياق الديمقراطية وصفة المواطنة، بعيدا عن التجاذبات الفارغة. وكل تشبّث بطروحات الأمس لن يكون سوى دوران في حلقة هوامش مفرغة، واحتراب على الوهم وانحباس تواصلي وغياب للمشروع الحقيقي، في ظل نزعات زعامة تفتقد إلى جماهير وتستدعي نوستالجية عقود خلت، إضافة إلى نرجسيات أخرى، ومزاودات وترّهات وتهجمات شخصية، لا تفصل بين الذاتي والموضوعي وسطوة تراث خطابي خمسينيائي يمنع من خلق آليات تعامل جديدة لدى كثيرين، إضافة إلى حساسيات كثيرا ما تحوّلت إلى عدائية بين التيارين الديني والعلماني. وفي كلّ هذا يُعوّل على عقلنة المواقف وانسجامها مع الفكر الديمقراطي المتنوّر بألف باء المواطنة، وذلك كفيل بخلق آليات للتواصل الفعال والمجدي سبيلا للارتقاء بالدولة المدنية الحديثة.
يحيلنا الطرح النقدي كذلك إلى ضعف الفكر القومي الراهن، وهشاشة خطابه التواصلي، وبعيدا عن تجارب الأنظمة الفاشلة، تصارع النخب القومية لتتملّص من تشويه الحكّام لفكرة العروبة والقومية ولكن هؤلاء لم يتخلّصوا بعد من مجانبة الظاهرة الصوتية، التي تحفل بمخاطبة وجدان الجماهير وليس عقولها، بالإضافة إلى التعامل مع القومية كانتماء يُسيّس الثقافة وأساسها اللغة، ما من شأنه تحويل القومية إلى أيديولوجيا شمولية تقصي الآخر. وفي إطار مثل هذه الأيديولوجيات الوثوقية نحتاج ضرورة لمخاطبة العقل وليس البحث عن تعبوية من منطلق وجداني، فالمواطن العربي أصبحت لديه القدرة على النظر العقلاني للأمور، واعتبر كثيرا من التجارب الماضية على ما يبدو والانصياع إلى القائد أو الزعيم والميل إلى تحويل الحزب إلى جماعة أهلية تشبه الطائفة أو العائلة الموسّعة، أمورا أصبحت مكشوفة وسوقها نافقة ولم تعد الحالة العربية لتسمح بها.
ذاك شيء من فهم يدفعنا لنجدّد طرح سؤال مصير الدولة القطرية في ضوء معطيات التحوّلات الكونية وتغيّر التوازنات الدولية والعالمية، وهو سؤال ملح في ظل سجال يبدو أزلياّ بين مختلف التيارات، يُعقّده تمسّك بعضها بشعارات كانت في فترة ما محلّ تعقيد والتباس ضمن نسقها الأيديولوجي، وما كلّ ذلك إلّا هدر للوقت رديفه المُضيّ في النقاش مع سياق نخبوي آخر، مازال يواصل طرح سؤال المشروع الوطني الديمقراطي بشكل مصطنع يُبطن نوعا من الترويج للمشروعات الأمريكية، التي تستهدف المنطقة، وهو ترويج يستتر برداء نيوليبرالي سرعان ما تتّضح رداءته لأصحاب الفكر النقدي الحرّ الذين ينصبُّ اهتمامهم حول الحالة الحداثوية العربية كمشروع سياسي وفكري متكامل، وهو مشروع نضالي بامتياز. 
كاتب تونسي

المشروع الوطني الديمقراطي تكليف نضالي

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية