المشهد الختامي لمسرحية الربيع في غزة

الانقلابات والتحولات المفاجئة ليست مستغربة على القيادات الفلسطينية، في تجربتها على امتداد العقود الأخيرة، فالرئيس عرفات كان يمكنه أن يتنقل، وبدون أن يجد غضاضة، بين طهران وبغداد، وأن يمنح العاصمتين صك المناصرة من أرفع طراز لفلسطين وقضيتها، ولذلك لم يستغرب العالم، وهو يستمع في الأخبار، توقيع اتفاقية أوسلو بينما كانت الأطراف الأخرى في الصراع العربي – الإسرائيلي تخوض في إطار مفاوضات مدريد.
هذا السلوك أخذ يعتبر أسلوب حياة مع حركة حماس، التي قامت بالعديد من القفزات الإكروباتية، التي يمكن أنها حظيت ببعض الإعجاب في البداية، ولكنها تحولت إلى مدعاة للاستغراب والاستهجان بعد ذلك، وعلى الرغم من ملاحظات كثيرة حول السلوك الذي تنتهجه حماس في علاقاتها الخارجية واختيار حلفائها، إلا أنه من الصعب إدانة الحركة على ذلك، فمن ناحية، تحولت القضية الفلسطينية ذاتها إلى أرضية خصبة للمناورات والصفقات المختلفة بين الدول المعنية بالصراع، وكانت تستخدم وتوظف لمصالحها الذاتية وحساباتها الخاصة، ولذلك خضعت صكوك المناصرة لفلسطين، التي احتكرت حماس حصة كبيرة منها، لآلية العرض والطلب، ومن ناحية أخرى، وصلت الحركة في الفترة الأخيرة بعد إحكام الحصار على قطاع غزة لدرجة القبول بأي تسوية مهما كانت غامضة ومشوشة. من الصعب الإدانة، ولكن من الضروري توجيه اللوم والنقد الشديدين للحركة التي كان يمكنها أن تدخل في المصالحة في مرحلة مبكرة، أو حتى أن تدخلها مباشرة وبدون الترتيبات التي حدثت، كما كان بإمكانها أصلاً أن تخرج من ورطة عزل القطاع وتجويعه، بأن تترك الأمر في مرحلة مبكرة للسلطة الوطنية وتدفعها لخوض انتخابات مبكرة بما يلقي بالأمر كله على عاتق المجتمع الدولي.
استقبلت غزة تمثيلاً مصرياً ذا نكهة أمنية – إعلامية، وبصورة متزامنة رئيس وزراء السلطة الذي استقبل بحفاوة استثنائية، والمؤشرات المبدئية تدلل على قبول حماس بأن تكون جزءاً من مشروع صفقة القرن، التي لم تتضح ملامحها أصلاً، سوى بالطبع أنها تختلف عن كل المسارات التي رسمت خلال السنوات الماضية، وأنها تتجاوز حل الدولتين بصورة خاصة، فهل الأمر يصب في مشروع الدولة الواحدة، وما الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل في حل الدولتين، وهل ستنتظر ليصبح أحمد الطيبي رئيساً لوزراء هذه الدولة المفترضة، كما حذر أحد الكتاب الإسرائيليين؟
هل يمكن أن العالم يتوجه الآن لنموذج جنوب إفريقيا العنصرية تحت كل هذا الصخب والرعاية؟ الأمر غير مستبعد فمشروع الدولة الواحدة بحقوق متساوية من شأنه أن يمثل انتحاراً ديموغرافياً لإسرائيل، نتيجة الاختلال السكاني لمصلحة الفلسطينيين العرب، كما أن شهية الرئيس الأمريكي الذي يعتبر نفسه عراب صفقة القرن تحمل في داخلها ميولاً عنصرية، عبرت عن نفسها في جداره المقترح مع الجارة المكسيكية، والفرق أن الجدار موجود أصلاً في فلسطين، والأمر سيغدو إعادة احتلال أنيقة وفي إطار قانوني متماسك وبرضى الطرفين، والتشبيه المناسب هو تزويج المغتصبة!
تمكن الإعلام المصري أن يسحب ويتناسى اتهاماته المدوية لحركة حماس، وهو بذلك يكرس نفسه إعلاماً تحت الطلب، وتراجعت الأجهزة الأمنية المصرية عن تحفظاتها الواسعة تجاه حركة حماس، ومع أن الأمر يتناسب مع المنطق بأن حماس لا يمكن ولا يجوز ويجب ألا تكون نداً لمصر، ووضعها في موقع الندية كان مشكلة مصر، وما كان يجب أن يتم تصعيدها لهذه الدرجة، فمصر يجب أن تعيش الندية مع تركيا أو إيران أو حتى فرنسا وانكلترا، كما اعتاد المصريون وتعلقوا بذلك الدور قبل عقود، أما أن يتم اختزال مصر لتناسب صراعاً مع حركة حماس، فذلك يعطي وزناً لا تستطيع أن تحمله الحركة، ويمنح مصر خفة لا تليق بها.
بدأ المشهد الأخير من مسرحية الربيع العربي في كردستان، ويصل إلى ذروته مع غزة، والمشاهد ستتواصل في الأسابيع المقبلة، وكالعادة فإن أحداً في المنطقة لا يمكنه أن يتوقع آخر صورة قبل ستار النهاية، وهل يمكن للتاريخ أن يقبل أن تنتهي القضية على هذه الشاكلة؟ هل تمثل التسوية في غزة تعبيراً عن مصلحة مصرية على المدى البعيد؟ أم أنها مجرد صفقة قبلتها مصر مقابل وعود أمريكية بمساعدتها على تجاوز أزماتها الحالية؟ كل هذه الأسئلة تتطلب الإجابة وفي ظل الفرح الغامر الذي هبط على قطاع غزة، لم يتساءل الكثيرون حول اليوم التالي، فالعيون جميعها تتوجه ناحية المعابر المغلقة لسنوات، ووراءها أحلام الغزيين المكبوتة وحقوقهم المشروعة والمستلبة في الوقت نفسه، وهذه الخلفية العاطفية والمعنوية يمكن أن تمرر كل الشياطين الكامنة في التفاصيل، وعند الحديث عن تفاصيل القضية الفلسطينية فإنها كثيرة ومتراكمة وغامضة، وفوق ذلك فالتفاصيل أصبحت اليوم بلغة أخرى وعرضة لكل عيوب الترجمة، والتاريخ العربي ما زال يتذكر (ال) التعريف في القرار الشهير بعد حرب 1967.
ربما ليست كل الدول العربية في صورة ما يحدث، وبعضها سيتخذ مواقف مقاومة لمجرد بقائها خارج الصورة، فالعديد من الدول يجب أن تدخل على خط هذه الصفقة نتيجة مصالحها الخاصة المتشابكة مع الوضع النهائي، والحديث ينصرف على الأردن ولبنان وسوريا، وهي دول خارج هذه الصفقة، بما لا يتناسب مع وضعها بوصفها في المواجهة مع إسرائيل، أو دول الطوق كما وصفت سابقاً، ولا يمكن لمصر أن تنفرد بالبقاء على جزء كبير من تفاصيل الصفقة المقبلة بدون أن تخطر هذه الدول، ولا يبدو إلى اليوم أن القاهرة تضع في اعتبارها أن تدمج هذه الدول في هذه الصفقة في مرحلة مبكرة، على الأقل في السلوك نفسه الذي انتهجه السادات عندما قرر بشكل انفرادي وهو ما تسبب في إفشال مشروع السلام في مرحلة مبكرة، ووضع مصر في موقف حرج أثناء المقاطعة العربية.
يمكن أن الدول العربية لن تقاطع مصر هذه المرة، وأن مصر غير معنية كذلك بأن تخضع للمقاطعة من قبل الدول العربية، كما كانت في السبعينيات، ومع ذلك يجب اعتبار أن الدول المستثناة حالياً من الدخول في الصفقة، بإمكانها أن تكون ذات دور حاسم في إنجاحها أو إجهاضها ومن الصعب التكهن حول الكيفية التي ستتبعها حماس لاستثمار تحولها الجديد، وما هي الملفات التي ستسعى لأن تستعرضها مع شركائها القدامى والمحتملين، خاصة أن ملف الصفقة يبدو مصرياً خالصاً حتى اللحظة، وأن الفلسطينيين لا يعلمون سوى جزء من المشهد، والباقي ما هو إلا رهان تدفعهم لقبوله الظروف الصعبة والمعقدة التي أصبحت تحيط الفلسطينيين من جميع الاتجاهات وعدم وجود أي ضوء في نهاية النفق يمكن التعويل عليه لا على المستوى العربي ولا على المستوى الإنساني.
كاتب أردني

المشهد الختامي لمسرحية الربيع في غزة

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية