رام الله – «القدس العربي»: لا شك في أن ما سيطر على المشهد الفلسطيني، منذ الأسبوع الأخير لشهر آذار/مارس الماضي، وحتى الأسبوع الأول من شهر نيسان/إبريل الحالي، هو انضمام فلسطين رسمياً إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، والاحتفال الذي أقيم في المحكمة بهذا الخصوص، وتسلم وزير الخارجية الفلسطيني، نظام روما في كتيب باللغة العربية، يوزع على الدول التي انضمت للمحكمة بعد الإعلان الرسمي، وهو ما تم.
لكن، وبعيداً عن البروتوكولات والاحتفالات الخاصة بهذا الانضمام، إلا أن الشارع الفلسطيني، مهتم فعلاً في الإعلان الرسمي عن انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية، رغم أن هذا الاهتمام، نابع من منطلق أنه يريد لبلده التقدم رسمياً إلى المحكمة، ورفع دعاوى ضد الاحتلال الإسرائيلي، سواء القادة العسكريين أو السياسيين، لارتكابهم جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني، على مدى خمسين عاماً، منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في العام 1967.
الجانب الفلسطيني الرسمي، لم يعلن بعد موعد التقدم بهذه الدعاوى للجنائية الدولية، ويتم الإعلان بين الفينة والأخرى، أن اللجنة الرسمية المكلفة بإعداد الملفات الفلسطينية للمحكمة، والمرتبطة بشكل رئيسي، بالعدوان العسكري الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، وبالجريمة المستمرة في كافة الأراضي الفلسطينية، وهي الاستيطان، مازالت تواصل عملها، استعداداً لتقديم هذه الملفات للمحكمة. وعلمت «القدس العربي» أن عشرة محامين فلسطينيين ودوليين، يعكفون على دراسة كل صغيرة وكبيرة، سواء عن مجريات العدوان الذي نفذ على قطاع غزة، أو ما سبقه في الضفة الغربية وتحديداً في القدس المحتلة، عندما أحرق المستوطنون المتطرفون الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير، أو ملف الاستيطان، كونهم يريدون أدلة قوية لتقديمها كحجج قانونية للمحكمة الدولية، لدعم موقفهم.
أما ما يخيف الشارع الفلسطيني من هذا التأخير، أو عدم الإعلان الرسمي عن تقديم الدعاوى، فهو أن تقوم القيادة الفلسطينية، وبعد أن أقدمت على خطوة الإنضمام للجنائية الدولية أخيراً، أن تقوم بالمقايضة أو استخدام المحكمة كورقة أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، وحتى الأوروبيين مع الحديث عن المبادرة الفرنسية لإحياء عملية السلام، وعدم التوجه إلى المحكمة مقابل الحصول على شروط أفضل للتفاوض، أو فرض بعض الشروط على إسرائيل.
وينبع خوف الشارع في الأساس، من قناعته أن القيادة الفلسطينية، أخيراً تمردت على الوسيط غير الحيادي طوال الأعوام العشرين الماضية، وهو الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الانضمام للجنائية الدولية في نظر الشارع، يؤكد امتلاك الفلسطينيين، أوراق ضغط كثيرة، لم تكن تستخدم من قبل، رغم أن عنصر النجاح الرئيسي لكل هذه الأوراق، هو المصالحة الفلسطينية، التي لم يكتب لها النجاح بعد، وسئم منها الشارع الفلسطيني.
وحتى ومع الحاجة الماسة للمصالحة الفلسطينية، إلا أن الشارع يعتقد أنها بعيدة المنال، خاصة بعد تصريحات محمود الهباش قاضي قضاة فلسطين، ومستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس، التي نادى فيها بقصف حماس في غزة على غرار الحوثيين في اليمن، وتصريحات القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس محمود الزهار، التي قال فيها أنه لا يمانع فيها بإقامة دولة فلسطينية في غزة فقط.
ويرى الشارع أن مثل هذه التصريحات من الطرفين، وفي ظل وضع عربي وإقليمي غير مسبوق، يؤكد وجود أجندات مختلفة لكلا الطرفين، تتسبب في مزيد من البعد عن بعضهما البعض، وعن الهدف الرئيسي من وحدتهما، وهي تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، الذي بدأ في العام 1967، وما زال مستمراً حتى الآن، ومر عليه حتى الآن ثمانية وأربعون عاماً.
ورغم أن موضوع انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية الدولية، يستحوذ على اهتمام الشارع الفلسطيني إلى حد كبير، إلا أن مخاوفه ازدادت منذ الإعلان عن مشروع قرار فرنسي، سيقدم إلى مجلس الأمن الدولي، بخصوص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وتأتي مبررات التخوف هذا، من كون المشروع لن يكون منصفاً للفلسطينيين، وإن كان كذلك، فالإعتقاد أن إسرائيل لن تقبل به، حتى لو مررته الولايات المتحدة الأمريكية، أو أبدت رضى عنه، كما أن الحديث عن تقديم هذا المشروع لمجلس الأمن الدولي خلال أيام معدودة، من شأنه أن يعمق تخوف الشارع الفلسطيني، من إمكانية الضغط الدولي على السلطة الفلسطينية، باتجاه المقايضة في هذا المشروع، وتأجيل التقدم إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ولم تعط فرنسا الكثير من المعلومات حول مشروعها المقبل، وإنما اكتفت التسريبات بالقول أنه سيكون على أساس مبدأ حل الدولتين، على حدود الرابع من حزيران/يونيو، مع إمكانية تبادل الأراضي، وتكون القدس المحتلة عاصمة للدولتين العبرية والفلسطينية.
لكن قضية المحكمة الجنائية الدولية، والمشروع الفرنسي في مجلس الأمن، رغم هذا الإهتمام في الشارع الفلسطيني، إلا أن ترتيبهما، يأتي في المرتبتين الثانية والثالثة، حيث أن الموضوع الرئيسي بالنسبة لاهتماماته، هو الراتب الذي يبقيه على قيد الحياة، وهو ما لم يستلمه كاملاً منذ أربعة شهور، وإنما يستلم جزءا منه، يصل إلى 60٪ من قيمته، ما يعني أن هذه النسبة المستلمة، قد تنجح في إبقائه على قيد الحياة فعلاً إذا كانت على مستوى «الأكل والشرب» لكن المبلغ المتبقي والحجوز من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي، هو الأساس بالنسبة له، كونه هو ما قد يتمتع من خلاله بمميزات إضافية، يمكن تسميتها بالرفاهية.
لكن الأربعين في المئة هذه، ليست ذات أهمية بالنسبة لصاحبها فقط، وإنما هي في الأساس، ذات أهمية قصوى بالنسبة للسوق الفلسطيني، الذي فقدها تماماً، وفقد معها حركة السوق النشطة، وفقد كافة مقومات السيولة الذي تبقيه قادراً على العمل، بانتظار إفراج إسرائيل عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، وهي بالأصل أموال الضرائب الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية.
فادي أبو سعدى