القاهرة ـ «القدس العربي» : رغم اشتعال الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 2 فبراير/شباط بالكثير من الأخبار والأحداث الجديدة فإنها لم تنجح في إحداث أي تغيير في اهتمامات الأغلبية بها، وظلت محصورة بين المثقفين والصحافيين، سواء الاحتفال الذي نظمه الأولتراس في إستاد التتش في النادي الأهلي في الجزيرة، في ذكرى مذبحة إستاد بور سعيد، التي راح ضحيتها اثنين وسبعين من أولتراس الأهلي، وتريد هتافات ضد النظام ومهاجمة الرئيس، وإصدار مجلس إدارة النادي بيانا ندد فيه بالمجتمعين، وأكد عدم السماح لهم بالاجتماع في النادي مرة أخرى، ورفضه ما حدث من إساءات صدرت من البعض، وكذلك إلقاء جهاز المصنفات الفنية القبض على رسام الكاريكاتير إسلام جاويش بتهمة إنشاء صفحة بدون ترخيص، وهو ما أدى إلى تدخل مباشر من الرئيس السيسي في مكالمة هاتفية مع الإعلامي عمرو أديب في برنامجه «القاهرة اليوم».
وقال السيسي بالنص نقلا عن زميلنا في «المساء» أمس أيمن باهي في صفحة «ستاد المساء»: «أنا كنت موجود في الموضوع ده ومفيش حاجة تقدر تقول أيه اللي حصل في الموضوع ده، وبدقة تقدر تقول إنك تطمئن لها. في حالة العدد الكبير ممكن تضيع حقائق كثيرة ولو حد ولع في المدرج ده وحصل حاجة كانت ستخرج شائعات كثيرة. في التجمعات الكبيرة من البشر يصعب الوصول إلى حقائق، وهذا حدث كثيرا عام 2011 في أحداث محمد محمود وماسبيرو والمجمع وأشياء كثيرة».
ودعا السيسي إلى تشكيل الأولتراس لجنة للاطلاع على ما تم إنجازه «وشوفوا أنتوا كمان عاوزين تعلموا أيه حققوا في الموضوع لا يوجد لدينا أسرار». والمشكلة هنا أنه صدرت أحكام قضائية في هذه القضية، وحظيت بارتياح وتأييد أولتراس الأهلي وتضمنت حكم محكمة الجنايات بإعدام واحد وعشرين من أولتراس النادي المصري، والمؤبد لآخرين قاموا بتقديم طعن عليه أمام محكمة النقض التي قبلته وأحالت القضية إلى دائرة أخرى من محكمة الجنايات التي حكمت ببراءة عشرة من المحكوم عليهم بالإعدام، وتأييده ضد أحد عشر، وتخفيف العقوبة على البعض المحكوم عليهم بالمؤبد، وتأييده آخرين، وبراءة ثلاثة. وتقدم المحكوم عليهم بطعن آخر وأخير أمام محكمة النقض، وفي هذه الحالة لن تحيله إلى دائرة جنايات أخرى، وإنما هي التي ستحكم فيه وبالتالي فهناك مشكلة قد تحدث بين الرئيس والمحكمة، ولا يعرف أحد كيف سيتم حلها الآن، بالإضافة إلى التسبب في مشكلة لمجلس إدارة النادي الأهلي ذاته الذي أصدر بيانا هاجم فيه ما حدث من الأولتراس، وقرر منع دخولهم النادي أيضا، فإن الرأي العام الذي كان مشحونا في الفترة الماضية ضد الأولتراس عموما، وطالب باتخاذ إجراءات ضدهم لن يتقبل بسهولة هذا الكلام. وعلى العموم الأيام المقبلة ستوضح ردود الأفعال. كل هذا الضجيج والصخب لم يثر اهتمام الأغلبية مثلما لم تؤثر فيها سلسلة حوادث الطرق والإرهاب، التي راح ضحيتها العشرات، وغرق مركب الصيد «زينة البحار» في المياه الدولية أمام سواحل السودان، وحريق في مستشفى الشروق الخاصة في الإسكندرية ووفاة أربعة من المرضى، وضبط أصحاب مزرعة في مركز بدر في محافظة البحيرة أقاموا داخلها مجزرة يذبحون فيها الحيوانات النافقة ولديهم أختام مزورة ويوزعون لحومها على محلات جزارة ومطاعم شهيرة في الإسكندرية والبحيرة. وإلى شيء من أشياء كثيرة لدينا ليس من بينها لحوم..
«تلكيكة» من الداخلية لتأديب إسلام و»قرص ودنه»
ونبدأ التقرير بقضية إلقاء شرطة المصنفات الفنية القبض على رسام الكاريكاتير إسلام جاويش لأنه أنشا صفحة من دون الحصول على إذن وإحالته للنيابة التي أفرجت عنه بسرعة فقال الرئيس عنه لعمرو: «أنا والله ما بزعل من حد ومفيش حاجة اسمها، بشر على قلب رجل واحد، ودي ما أتعملتش مع الأنبياء، وأنا والله ما زعلان من جاويش ولا من غيره». ومشكلة جاويش لا دخل للرئيس فيها وإنما الأجهزة التي خلقتها له، بعكس قضية الأولتراس، وعلى العموم فقد توجه إسلام إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب للتوقيع على كتابه الجديد. وعن هذه الأزمة قال أمس الثلاثاء زميلنا في «الأخبار» (حكومية) علاء عبد الهادي: «لا أعلم إسلام جاويش ولا أعلم أنه أصلا رسام كاريكاتير ولا أعلم قبل أمس الأول مدى حجمه في عالم الكاريكاتير، ولكن أعلم أنه قد ألقي القبض عليه بسبب ما قيل إن له علاقة مباشرة بنوعية رسوماته التي تستهدف النيل من شخص الرئيس ومن مشروعه ومن الدولة المصرية في المرحلة الحالية، لذلك قامت تجريدة من وزارة الداخلية بمداهمة المكان الذي يعمل فيه ليس بسبب رسوماته، المعروف أنها تهاجم الرئيس ولكن بسبب آخر غير مقنع وواضح وضوح الشمس أنه تلكيكة من الداخلية لتأديب إسلام وقرص ودنه».
الدولة الكارتونية تخاف من الكرتون
أما زميلنا في جريدة «المقال» اليومية المستقلة سامح عيد فكان أمس أيضا أكثر عنفا وقال: «كنا نتابع يوميا في عصر مبارك وعلى صفحات الأخبار أحمد رجب ومصطفى حسين بكاريكاتيرات ساخرة، وكان معظمها يتصل برئيس الوزراء شخصيا. وقد شاهدنا عاطف صدقي، رحمة الله عليه، كثيرا في مشاهد مضحكة. أي نعم لم تكن تلك الرسوم تصل إلى رئيس الدولة، ولكن عمرو سليم وغيره كانوا يتعرضون لمبارك وكانت كاريكاتيرات ساخرة وقاسية في الوقت نفسه سخرت من كل شيء، ولم يكن النظام وقتها بتلك الحساسية. هل كان نظام مبارك أكثر ثقة من تلك الأيام؟ لا أدري ولكن تلك الممارسات التي لا تطيق المعارضة، هي تشعر بالخوف هي ترتعد وهذا يسيء لموقف مصر في الخارج وأنتم بتلك الممارسات تقدمون للإرهاب خدمات جليلة».
انتشار الظواهر السلبية
وننتقل إلى القضية الأكثر اجتذابا لاهتمامات الكتاب والصحافيين، وهو ما يسمونه انهيار المجتمع المصري، وانتشار قلة الأدب بين أفراده من تبادل الألفاظ البذيئة والخادشة للحياء التي لم يعد أفراد يتبادلونها فقط، بل انتقلت إلى الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، ثم سادت في برامج القنوات الفضائية وأرجع البعض انتشارها على هذا المستوى إلى عهد مبارك، وآخرون أرجعوها إلى ثورة يناير/كانون الثاني.
ونبدأ من يوم الخميس الماضي مع زميلنا في «الأخبار» عاطف زيدان الذي بدا منزعجا من هذه الظاهرة وقال عنها: «كنا نظن أن نظام مبارك المستبد وراء انتشار الظواهر السلبية مثل، الأحقاد والضغائن والخناقات لأتفه الأسباب، والتحرش والنفاق في مجتمعنا، لكن للأسف استمرت هذه الظواهر بعد ثورة 25 يناير التي أسقطت مبارك، ولا أبالغ إذا قلت إنه قد أضيفت إليها أشكال أخرى مثل التحرش والبلطجة والبجاحة والكذب والنميمة، واختفت وسط كل هذا القيم النبيلة التي عاشها جيلي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. الأمر جد خطير فقد أصبح الشارع المصري وأماكن العمل والتسوق والتنزه أشبه بساحات معارك، وحلبات صراع. انتشرت المظاهر الشكلية الطيبة مثل الحجاب واللحى وارتياد المساجد، لكن للأسف خربت البواطن والأخلاق العلاج، بات ملحا قبل أن يستفحل الداء ويصبح الشفاء مستحيلا».
قلة الأدب إرث مباركي
لكن الحيرة التي انتابت عاطف حول تحديد المسؤول عن هذا الانهيار لم تكن موجودة لدى زميله في «الوفد» منتصر جابر لأنه حصر الاتهام في مبارك بقوله عنه يوم السبت: «ثورة 25 يناير/كانون الثاني قامت بسبب الفساد وانعدام الأخلاق لدى نظام الحكم، فقد وصل إلى درجة انه استباح لنفسه أن يفعل أي شيء وفي أي شيء وقتما شاء، دون خوف من حكومة أو برلمان أو شعب. وتصور أنه امتلك الدولة، بكل ما فيها ومن فيها، وأنه يستطيع أن يفعل ما يحلو له، ولا أحد يستطيع أن يمنعه. المشكلة أن النظام الذي سقط في 18 يوما ولا أكثر، لأنه نظام ضعيف وهش من ناحية، ولأنه أراد الهروب سريعا بما اكتنزه من ثروات مادية وعينية من ناحية أخرى، فإنه خلّف وراءه إرثا من السفالة وقلة الأدب، فقد كان نظاما يكذب في كل لحظة على الشعب ويحتال وينصب، بل أن معظم رموزه كانوا في منتهى قلة الأدب والسفالة والانحطاط، والكثير منهم تفوه بكلمات نابية وبذيئة في مجلس الشعب وأمام شاشات التلفزيون وفي الجلسات العامة والخاصة، وأتحدى منهم أحدا أن ينكر أن مبارك المخلوع نفسه كان يشتم الكثير منهم بألفاظ قذرة مما يتلفظ بها الصيع في الشوارع والحواري!».
برامج تلفزيونية لا تراعي أخلاقيات المجتمع ومقدساته
وإلى يوم الأحد وزميلنا في «الأهرام» الشاعر الرقيق فاروق جويدة الذي لم تحتمل مشاعره ما يسمعه فقال في عموده اليومي «هوامش حرة»: «حالات الانفلات الأخلاقي والظواهر المرضية الغريبة التي تحمل سلوكيات شاذة تحتاج إلى وقفة أمينة وحاسمة، لأن الأحوال تسوء يوما بعد يوم، وعلينا أن نتابع كيف تصاعدت الأزمة من كلمات بذيئة على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أصوات متدنية على شاشات الفضائيات ثم إلى سلوكيات منحرفة في الشارع المصري. إن هذه التحولات في الشخصية المصرية تحتاج إلى دراسات نفسية واجتماعية بعد أن فلت الزمام، وعلى شاشات الفضائيات كانت التجاوزات الكبرى في لغة الحوار وبرامج الصراعات والمعارك، وهناك أيضا برامج لم تراع أخلاقيات المجتمع ومقدساته، فكان الشطط والاعتداء على كل شيء وبعد ذلك جاءت لعنة المسلسلات، التي انتشرت فيها الأفكار الشاذة والحوارات الغريبة والشتائم بكل أنواعها وسلوكيات دنيئة من شباب واعد وسط هذه الأوبئة الفكرية والنفسية. لم يكن غريبا أن تظهر سلوكيات مريضة في الشارع المصري حيث لا حساب ولا عقاب ولا رقابة من أسرة أو مجتمع أو دولة».
إباحية توارت خلف الكوميديا
وفي العدد نفسه شنت زميلتنا الجميلة سهيلة نظمي هجوما على دمية أبلة فاهيتا وألفاظها وقالت: «ضحكنا بل قهقهنا مما قالت.. جرينا وراءها على مواقع التواصل نتتبع خطاها، انتظرنا برنامجها في شوق ومحبة، ووصل الأمر إلى أن جعلنا الدمية صاحبة اللسان السليط قليلة الحياء وخادشته تزور أطفالنا المرضى في مستشفى السرطان، لتحث الناس على التبرع للمستشفى، غير عابئين بما تقوله في برنامجها من ألفاظ يندى لها الجبين وتحمَر وجنات العذارى، وبما تقدمه على الشاشات من إباحية توارت خلف الكوميديا وحرية الإبداع، حتى وصلت بإباحيتها المدى، عندما قام كل من مراسل البرنامج التلفزيوني «أبلة فاهيتا» والآخر الذي يعمل بالتمثيل، وتوجها لجنودنا الأشراف وضباطنا ليهزآ بهم ويسيئا لهم أثناء عملهم وأدائهم لواجباتهم. واستغلال جهل بعض جنودنا بهذه الأشياء الوضيعة وهو ليس عيبا في جنودنا بقدر ما هو سفالة فاقت الحدود ولا مبرر لما فعل، وينقطنا بسكاته من يقول إنها حرية التعبير. أخشى ما أخشاه أن يتم هلاكنا بما ألفنا هذه الأيام من خروج على أخلاق المصريين الزكية، وتقاليدنا الفاضلة يوم كنا حراسا للأخلاق بشدة، وكان الرأي العام والمجتمع قبل القانون لا يسمح بالخروج على هذه الأخلاق».
«قنوات الصرف الإعلامي»
وبمجرد انتهاء سهيلة من كلامها استأنفه في يوم الأحد نفسه الكاتب وجيه وهبة في «المصري اليوم» لكنه أضاف باسم يوسف إلى أبله فاهيتا وقال: «أحمد وشادي شابان مصريان ارتكبا جريمة أخلاقية في يوم الشرطة و»الثورة»، وهي جريمة مكتملة الأركان، من حيث سبق الإصرار والترصد وبكامل وعيهما، لم يكتفيا بالجريمة بل قاما بتسجيلها بالفيديو وبثها على «النت»، مفتخرين بهذا العمل «الثوري». «الجريمة» تتسم بالخسة والجبن إذ قاما بإعطاء «الواقي الذكري- البالونة» إلى جنود الأمن المركزي البسطاء الأبرياء المطحونين بين شقي رحى الدولة والجماهير، ولم يجرآ على فعل ذلك مع أحد من الضباط، «الناس على دين ملوكهم». في أحد البرامج التلفزيونية سألت مقدمة البرنامج الضيف «الطبيب» باسم يوسف عن «كيف حسم اختياره وهجر مهنة الطب ليتفرغ لمهنة مقدم برامج تلفزيونية» فأجاب: «أخذت قراري بعد صلاة استخارة» في واقع الأمر أن الملايين التي انهالت عليه من مليارديرات الغفلة أصحاب الفضائيات كانت كفيلة بإثبات صحة «صلاة استخارته»، مع أن صفحات الحوادث في العقود الأخيرة رصدت أكثر من جريمة قتل بررها مرتكبوها بأنهم قد صلوا «صلاة استخارة»، ومنهم ذلك الشاب الذي قتل أمه والأب الذي قتل أطفاله. برنامج «باسم» ارتكز في كثير من الأحيان على الإسفاف والسوقية والبذاءة وأبان عن روح نرجسية تبحث عن استمرار تحت الضوء بـ»أي تمن» «بذاءة لفظية» أو»بذاءة حركية» بطريقة مباشرة فجة حينما يغرد «باسم» مؤيداً وداعماً لـ»حمادة» و»شوشو» فيما فعلاه مع مجندي الشرطة ندرك الدور التربوي لـ»قنوات الصرف الإعلامي». أحمد وشادي هما التطور الطبيعي لابتذال باسم وجماهيره. باسم ليس إفراز ثورة يناير، بل هو إخراج عصر مبارك وزكريا والشاذلي وإبراهيم وبقية الحاشية طاهرة اليد عفيفة اللسان».
الانهيار الأخلاقي موجود قبل وبعد مبارك
أما لو نحن تركنا «المصري اليوم» وتوجهنا إلى «اليوم السابع» في يوم الأحد أيضا، سنجد زميلنا عبد الفتاح عبد المنعم يبرئ مبارك ويتهم ثورة يناير بقوله: «سألني البعض عن إصراري على أن أربط بين الانحدار الأخلاقي الذي ضرب مصر و25 يناير/كانون الثاني 2011، وكأن مصر قبل سقوط مبارك كانت شعبا من الملائكة والأنبياء. والحقيقة أنني لا أختلف مع هذه الأسئلة، بل أؤكد أن الانهيار الأخلاقي كان موجودا قبل وبعد مبارك، ولكن كان الانحدار الأخلاقي بدون راعٍ له ومشجع كما هو الحال بعد خلع مبارك ونظامه، بمعنى أن الانهيار الأخلاقي يجد الآن من يرعاه ويشجعه ويدفع له، وجميعنا نتذكر أنه أثناء المطالبة بإسقاط مبارك كان الخطاب السائد وقتها هو خطاب السب و»الشرشحة» وقلة الأدب، وكان كل من يتطاول على مسؤول يصبح نجم فضائيات، حيث كانت القنوات الفضائية تتصارع على الضيوف أصحاب اللسان الطويل ويكفي أن نعرف جميعا أن نجومية صاحب برنامج «البرنامج» المدعو باسم يوسف جاءت بسبب طول لسانه، ثم بدأ الجميع يقلده وكلما كنت شتاما أكثر كنت نجما فضائيا وضيفا دائما على كل برامج «التوك شو» والحوارية وأصبحنا نشعر بأن مفجر ما يعرف باسم ثورة يناير هو تنظيم «قلة الأدب» منذ أن ابتلى شعب مصر بهوجة يناير 2011 وحتى اليوم. وهناك عدد من المفردات والكلمات التي تحولت إلى وظائف لبعض الصعاليك والمراهقين والمتنطعين ممن خربوا البلاد والعباد، ومن أبرز تلك المصطلحات التي يروج لها الإعلام المصري منذ 25 يناير 2011 لفظ «ناشط سواء سياسيا أو حقوقيا» وكلمة «الثوري قومي أو إسلامي» مثل هذه الألقاب التي استخدمها مجموعة من المراهقين والمتنطعين والمتآمرين لحرق مصر بالشائعات تارة وبالظهور على الفضائيات المشبوهة تارة أخرى من أجل الحصول على آلاف الدولارات».
الانفتاح ونظام الرأسمالية الجشعة والبشعة
ومن قلة الأدب وانتشارها كالوباء في المجتمع، كما يظن البعض، يؤكد آخرون هذه الأيام على الفساد، وأنه بدأ منذ عهد السادات وتفشى في عهد مبارك، ثم ازداد بعد ثورة يناير، رغم وجود محاولات الآن لمحاربته، ودارت معارك عديدة حول هذه القضية.
بدأها يوم الخميس الماضي الشاعر فاروق شوشة بقوله في حديث ه لجريدة «البوابة» اليومية المستقلة، أجراه معه زميلنا محمد نصر، وذكرنا بالذي كان يا ما كان في عهد خالد الذكر وسالف العصر والأوان من قوميتنا العربية وحماية الفقراء: «في فترة الستينيات قمت بكتابة قصيدة مدح في الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، باعتباره رمزا لمصر، وليس مدحا شخصيا، يحمل الهموم المصرية وداعي القومية العربية والنهضة لمصر وللأمة العربية بشكل عام، وبعد وفاته كتبت قصيدة رثاء له باعتباره نصير الفقراء وقدم إليهم خدمات جليلة، من حيث توزيع أراضي الإصلاح الزراعي على الفلاحين وإنشاء المدارس والتعليم المجاني لأبناء الفقراء وغير القادرين، وكان يحمل ولاء لا نظير له للفقراء، ويعُد عبد الناصر أكثر رؤساء مصر انحيازا للفقراء، حتى جاء عصر الرئيس السادات وحمل معه الانفتاح ونظام الرأسمالية الجشعة والبشعة، وأصبح الرأسماليون الكبار هم من يحكمون الدولة، مرورا بعهد حسني مبارك، حيث تم بيع كل شيء ووصل الفساد إلى مداه الأعظم. المعيار هنا ليس بالمدح أو السخرية، الموقف من يحدد لأن هناك فرقا بين المديح والتأليه، وإذا تم المدح لموقف أو مشروع قدمه الحاكم لشعبه فلا يمكننا وصم الشاعر بأنه تابع للسلطة».
إمبراطورية الفساد عششت منذ زمن طويل
وهكذا ساد الفساد وعم البلاد وقال عنه يوم السبت بهاء الدين أبو شقة رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الوفد في مجلس النواب والمحامي: «الفساد البشع الذي تتجرع ويلاته جموع المصريين ويحتاج إلى وقفة حاسمة للقضاء عليه، وإنهاء إمبراطوريته التي استفحلت بشكل يضرب في كل مناحي الحياة وتعششت منذ زمن طويل، لأن العقود الماضية تركت هذا الوباء يزداد بشكل مخيف. ومن مظاهره المؤلمة اللامبالاة التي تسود في الشارع، وعدم الالتزام بقواعد السير، بل التحدي السافر الذي يقوم به الناس ضد القانون. في هذا الشأن تعكس ظاهرة تغييب القانون وتؤثر تأثيرا مباشرا على حركة المجتمع بالسلب».
من يتقدم من النواب لفتح عش الدبابير؟
وفي اليوم نفسه حفلت التحقيقات التي أجريت عما يسمى الفساد في وزارة الداخلية أيام رئاسة اللواء حبيب العادلي لها في عهد مبارك، بالتعليقات على هذه الظاهرة، فقال عنها زميلنا وصديقنا عماد الدين حسين رئيس التحرير التنفيذي لـ»الشروق»: «نشكر المستشار محمد عبد الرحمن قاضي التحقيق في «قضية فساد وزارة الداخلية»؛ لأنه أعاد لخزينة الدولة مئة وثمانية وسبعين مليون جنيه من ثمانين مسؤولا، بينهم تسعة عشر لواء شرطة. لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل توقف هذا الباب الخلفي لإهدار المال العام أم أنه لا يزال مستمرا؟ بعض المتهمين قال لقاضي التحقيق، كما نشرت الزميلة «المصري اليوم»، إنه لم يكن قادرا على رفض تسلُّم الحوافز والمكافآت، لأنها صادرة من السلطة المختصة، أي من رؤسائه ومن الوزير الأسبق اللواء حبيب العادلي. وكانت تصرف باعتبارها حافزا شهريا نظير ما يسمى «الجهود غير العادية التي كان يبذلها». ولكنهم لم يكونوا يعلمون أنها تندرج تحت باب «احتياطي مواجهة الأهداف الأمنية». مرة أخرى أن يكون هناك تحقيق فهذا شيء جيد، وأن يتم رد الأموال فهذا أكثر من جيد لكن علينا أن نسأل مرة أخرى: إذا كان هذا ليس فسادا فما هو الفساد؟ المأساة الأكبر أننا كشعب وبرلمان وجهات رقابية لا نعرف كيف يدار هذا «العالم السري للصناديق الخاصة» ومن أين تأتى الأموال، وكيف يتم صرفها وإنفاقها وعلى أي أساس يتم ذلك؟! ونريد من مجلس النواب أن يناقش هذه الظاهرة و»يغلق حنفية الفساد هذه بالضبة والمفتاح» إذا فعل ذلك فإنه سيثبت عمليا أنه مجلس الشعب فعلا والسؤال: مَنْ يتقدم من النواب والأحزاب لفتح عش الدبابير؟».
تقنين الفساد وترتيب أوراقه لا كشف تفاصيله
وفي «المصري اليوم» علق زميلنا عمر حسنين قائلا وهو يسد فتحتي أنفه حتى لا يشم رائحة الفساد: «فكما استطاعوا الإفلات من دوامة التطرف والتصدي للإرهاب والمشاركة في بناء المشروعات، هم قادرون أيضا على مواجهة فئران وسوس الفساد الذي ينخر في جسد الوطن. رائحة غير زكية تزكم أنوف الشعب، فساد في كل مكان حالة من عدم الرضا تسيطر على الجميع لفساد يعشش في أركان الدولة، والشعب ينتظر نتاج تضحياته طوال خمس سنوات. المصريون من شعب وجيش وشرطة دفع كثير منهم حياتهم أملا في حياة كريمة حياة قوامها «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية»، تحققت خطوات من الحلم، لكن الطريق لم يزل طويلا يحتاج إلى مضاعفة السرعات في كل اتجاه. والحقيقة أن مكافحة الفساد صارت منهجا أعلنه النظام لكن تحقيقه ليس بالأمر السهل، لأنه باختصار هناك كثير من الذين يجلسون على مقاعد الإدارة يهمهم في المقام الأول تقنين الفساد وترتيب أوراقه، أما كشف تفاصيله فلا يعنيهم في شيء. والفساد ليس في الداخلية والنقل والكهرباء وحدها، الفساد في مواقع ومواضع كثيرة كشفه ورد حقوق الدولة- التي هي حقوق الشعب- يحتاج أن نفتش في الأوراق ونراجع الهبات والعطايا والعمولات و»البزنسة» في كل الوزارات. والمصريون يثقون في هذه القيادة وقادرون على التعاون معها من أجل النجاة من السقوط في الدوامات العديدة التي تحاصرهم».
لا فئران ولا سوس أو براغيث، ما حدث في الداخلية شيء ضروري وهو ما قاله في العدد نفسه من «المصري اليوم» رجل الأعمال وصاحب الجريدة صلاح دياب في عموده اليومي الذي يوقعه باسم نيوتن: «جدول الأجور في مصر مترهل مشوه لا يمكن أن تحمي مسؤولا كبيرا من الإغواء والوقوع فريسة للمال الحرام بدون أن تمنح هؤلاء المسؤولين ما يكفيهم لعيش حياة كريمة لا يمكن أن تتركهم في فاقة وهم في مواقع حساسة يتحكمون في أمن بلد كبير بحجم مصر. ما فعله حبيب العادلي لم يكن غريبا هو نفسه ما يفعله المسؤولون في كل أجهزة وقطاعات الدولة يستخدمون في ذلك ما يعرف بالصناديق الخاصة الموجودة في كل الوزارات في جميع أجهزة ومؤسسات الدولة تقريبا هناك 80 منها على الأقل يتم تحصيلها من المواطنين بشكل مباشر مليارات سنوية لا تدخل الخزينة العامة للدولة لا أحد يعلم أوجه إنفاقها».
جريمة الاستيلاء على الأموال بغير وجه حق
صحة لما نُسب إليه من إحدى الصحف اليومية الخاصة في هذا الشأن وكشفت التحقيقات التي أجراها «أبو بكر» أنه صدر قرار في شهر يوليو/تموز 2015 بأنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضد الثمانين مسؤولاً لعدم ارتكابهم جريمة الاستيلاء على الأموال بغير وجه حق وثبت أنهم حصلوا عليها تحت مسمى «حافز الوزير»، وكانت تصدر بقرار من اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق، وبالتالي فهو المسؤول عنها، ولا تقع عليهم أي مسؤولية جنائية في صرفها. وأوضحت التحقيقات أنه صدر في مارس/آذار 2013 قرار بوضع عدد من مسؤولي وزارة الداخلية على قوائم المنع من السفر لمدة عام، وتم رفع أسمائهم منها تلقائياً في مارس 2014 وقالت مصادر قضائية إن اللواء الراحل حمدي عبد الكريم مساعد الوزير للإعلام والعلاقات العامة الأسبق لم يخضع لأي تحقيق قضائي ولم يسدد أي مبالغ. كما أن اللواء علاء محمود إبراهيم مدير إدارة الإنتاج الإعلامي السابق في الوزارة لم يُسدد أي مبالغ بعكس ما نُشر في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية، وأضافت المصادر أن علاء محمود أثبت في التحقيقات مشروعية أوجه إنفاق هذه المبالغ في الإنتاج الإعلامي والبرامجي للوزارة، موضحاً أنه حصل على قرار من قاضي التحقيق بأنه لا وجه لإقامة الدعوى ضده لإثباته أوجه إنفاق هذه المبالغ في إنتاج برامج وأفلام وثائقية وتسجيلية ومناسبات للوزارة خلال أكثر من عشر سنوات فكيف يرد أموالاً لم يحصل عليها».
معارك وردود
وإلى المعارك والردود المتنوعة التي لا رابط بينها وبدأها في «الوفد» زميلنا وجدي زين الدين رئيس التحرير التنفيذي ضد النخبة بأن قال عنها: «هل توجد في مصر الآن نخبة؟ ومن الذي يصنفهم بهذا الوصف؟ هل من الممكن أن نعتبر الخناقات على الفضائيات التي يقوم بها متشيعون لأفكار مختلفة تدخل ضمن النخبة؟.. وبمعنى آخر هل يجوز لمن نطلق عليه النخبة أن يختلفوا في ما بينهم لدرجة السباب وتوجيه الاتهامات المتبادلة بالعمالة والخيانة؟.. هل يجوز عندما أختلف مع معارض لي في الرأي أن أتهمه بالعمالة وعدم الوطنية أو ما شابه ذلك؟
هذه التساؤلات تطرح نفسها الآن وبقوة على الساحة، وبشأن هل توجد في مصر نخبة.. نعم ولكنها مع عظيم الأسف خاوية الفكر والرأي وكل ما يعنيها فقط هو تحقيق مصلحتها الخاصة، ولا غير ذلك إلا من رحم الله، وفي الغالب هؤلاء ينزوون بعيداً عن كل المهاترات التي نشاهدها رأي العين في الفضائيات.. وليس من المنطقي أبداً أن نطلق على أفراد يتبادلون السباب والمهاترات بالنخبة، لأن النخبة لا تطلق إلا على الذين لهم دور تأثيري و اضح على صانع القرار… وحتى الديمقراطية نفسها وإبداء الرأي والرأي الآخر، يجب أن تكون خالية تماماً من السباب والشتائم وإطلاق الاتهامات «عمال على بطال»، بهذا الإسهال الذي نراه.. الديمقراطية لا تعني أبداً توجيه الاتهامات لمن يخالف رأي الآخر، فالهدف هو الوصول إلى الأفضل والأحسن لا بث الفرقة والخلاف. ومع عظيم الأسف فإن من نطلق عليهم نخبة الآن يتطاولون على بعضهم ويتفننون في توجيه السباب لبعضهم، والضحية في نهاية المطاف هو المواطن.. إذن كيف نطلق على غوغائيين نخبة وهم يتفننون في إطلاق الشتائم والبذاءات؟».
ومن النخبة إلى رجال مبارك الذين قال عنهم في اليوم التالي الأحد في «الأهرام» الدكتور مصطفى السعيد: «يبدو للوهلة الأولى أن رجال مبارك قد أمسكوا بزمام الأمور واستعادوا الثقة في قوتهم وتمكنوا من طمس معالم ثورة 25 يناير/كانون الثاني وشوهوا سمعتها لتصبح نكسة وليست ثورة، وعززوا مواقعهم في السلطة واحتكارهم للثروة ولم يخسروا سوى عدد قليل من رجال الصف الأول، الذين خرج معظمهم من الساحة بحكم التقدم في السن، وليس بحكم القضاء. مشكلة رجال مبارك أنهم يرفضون الاعتراف بأن سقوط رمزهم لم يكن إلا نتيجة السياسات التي سار عليها، ويلقون بالمسؤولية على «المؤامرة الخارجية»، وإذا كان الترويج لذلك من خلال صحفهم وقنواتهم الفضائية قد يغطؤ قليلا على الأسباب الحقيقية لانهيار حكم مبارك، فإن الواقع يصدمهم كل يوم ويؤكد صعوبة المضي في الطريق نفسه على الصعيد السياسي، فيجرى إعادة إنتاج تجربة حزبية أشد بؤسا من تجربة نظام مبارك، فالأحزاب الصاعدة نسخة باهتة من الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في زمن مبارك وأحزاب المعارضة الجديدة أكثر هشاشة من القديمة لأن منتجها وداعمها هم رجال مبارك ومن على شاكلتهم».
ممتاز القط: وسائل الإعلام
والفضائيات ترتدي نظارات سوداء
ولم يكن مصطفى يتوقع أنه بعد انتهائه من كلامه هذا سيقول زميلنا في «أخبار اليوم» ورئيس تحريرها الأسبق في عهد مبارك ممتاز القط وهو يخرج لسانه له ليغيظه: «نعم أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي انه «قدها وقدود» وانه يستطيع تحمل المزيد والمزيد من الأعباء الملقاة على عاتقه الآن، فلا شك أن خلفيته العسكرية تؤهله لذلك تماما، بالإضافة إلى صفات الانضباط والحزم والقدرة على اتخاذ القرار وفي الوقت المناسب. وأعتقد كل الاعتقاد أن صبر الرئيس ربما قد بدأ ينفد تجاه بعض الممارسات الخاطئة ـ وهي ليست قليلة ـ صبر الرئيس على ما تردده بعض وسائل الإعلام والفضائيات التي ترتدي نظارات سوداء تجاه كل شيء في مصر وهو تجاوز خطير حتى لو كانت الصورة بالفعل سوداء من بعض جوانبها، إلا أنها ليست بالقتامة التي تعكسها تحليلات ومناقشات وأداء بعض النخبة الذين ابتليت بهم مصر».
هذا والمعروف أن أشهر مقالات القط عندما كان رئيسا لتحرير «أخبار اليوم» ذلك المقال الذي بكى فيه بكاء حارا لأن الرئيس مبارك من كثرة مسؤولياته لا يجد وقتا لأن يشم رائحة طشة الملوخية التي يعشقها.
حسنين كروم