جاء في الصحف اللبنانية أن رئيس بلدية قرية رأس المتن عصام مكارم زار عائلة انيس فريحة في بيروت، وأبلغهم قرار البلدية باقامة نصب لفريحة في ساحة قرية راس المتن، وسوف يتم تدشينه في صيف 2015. وقد جرى تأويل هذا الخبر باعتباره مصالحة تاريخية في القرية التي تقبع في أعالي المتن، بعد المذبحة التي جرت فيها في ايلول 1983، وذهب ضحيتها حوالي ثلاثين من نساء القرية ورجالها بسبب كونهم من المسيحيين.
قرأت الخبر وبدل أن اشعر بالفرح لفرح العائلة والبلدية احسست بأسى عميق. فالمذبحة، التي كانت جزءا من موجة المذابح التي اجتاحت جبل لبنان الجنوبي، خلال حرب الجبل الهمجية، أشير اليها بعبارة «أحداث أليمة»، وعدم قدرة عائلة فريحة على مواراة جثمان المعلم أنيس في قريته بعد وفاته عام 1993، تم المرور عليها بصمت، اذ، بحسب الصحف، اكتفت ابنة الكاتب الراحل السيدة هدى فريحة قسطنطين بالقول ان امنية والدها كانت أن يدفن في راس المتن، «وها أنا اقول له اليوم رح ترجع على راس المتن».
حكاية أنيس فريحة مع قريته تلخص حكاية لبنان في حروبه ومآسيه. استاذنا أنيس فريحة، اللغوي والعالم الانثروبولوجي والأديب، استاذ اللغات السامية، الذي جعل من قريته أم القرى اللبنانية، وكتب عن حضارتها التي هي في طريق الزوال، وبحث عن الأصول السريانية لأسماء القرى اللبنانية، وكتب قاموس اللغة العامية، وصار كتابه «اسمع يا رضى» مرجعا لجميع الناس في لبنان والمشرق العربي. المعلم الذي جاء ادوارد سعيد الى بيروت من أجل أن يدرس على يديه لغة العرب، يموت في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، ولا يتسنى له أن يدفن في القرية التي حوّل ترابها الى كلمات.
أي عار هو هذا العار، وأي ذل هي هذه المذلة، واي خزي يشبه هذا الخزي.
كنا نأمل من رئيس بلدية رأس المتن أن يدين الجريمة ويعترف بها، قبل أن يعدنا بنصب للرجل، الذي تغطي قامته كل جبل لبنان وليس قريته وحدها.
أهكذا نطوي صفحة الجريمة؟
أنا لا أتكلم هنا عن الذكرى الأربعين لاندلاع الحرب، التي مرت كسحابة صيف لا تمطر سوى كلمات هشة، ومواقف لا تبلسم جراحا ولا تبرد قلوب أهالي الضحايا الذين لا يزالون الى اليوم يعيشون تروما المذابح والخطف والمقابر الجماعية.
الحرب حصلت وربما انطوت أو نامت، ويمكن للباحثين والأدباء والعلماء دراستها وتأمل الشرط الانساني من خلالها، اما الجريمة فان شبحها لا يزال يحتل ضحاياها.
انا أتكلم عن الجرائم التي ارتكبتها جميع الميليشيات الطائفية ولم يعترف بها أحد، ومقابر المذابح الجماعية لا تزال في كل مكان، ولا أحد يجرؤ على فتحها، كي يتسنى لأهل الضحايا دفن رفات احبائهم والحداد.
انيس فريحة لن يعود مع تمثاله الى قريته، سيقف التمثال وحيدا وغريبا في الساحة، سيرنو الى صنوبر رأس المتن ودير الحرف ويسأل اللبنانيين ماذا فعلوا ببلادهم، ولماذا لا يجرؤون اليوم على الاعتراف بالجريمة، كي يستطيع الضحايا ان يغفروا؟
أتكلم عن أنيس فريحة، وأنا أفكر بأكثر من مئة ألف قتيل وسبعة عشر ألف مخطوف لا يزال مصيرهم مجهولا بعد ربع قرن على نهاية الحرب الأهلية.
الا يحق للموتى الراحة في القبور؟ الم يأت اوان الكشف عن مصير المخطوفين، واخراج البقايا من المقابر الجماعية، كي يستعيد الضحايا اسماءهم؟
أما أنيس فريحة فلا يحتاج الى تمثال كي يبقى ذكره حاضراً، فنحن الذين تعلمنا منه اللغة والمعاني نعود اليه ونتحاور مع كلماته، ونتعلم من ابحاثه.
انه يخاطبنا ويحكي معنا، وهو لا يحتاج الى تكريم دولة تحتقر مواطنيها، لأنها تحتقر نفسها.
أمس في ندوة جرت في جنيف وشاركت فيها الى جانب صلاح ستيتية، فاجأ الشاعر اللبناني الفرنكوفوني الكبير جمهور الحاضرين بالقول ان الحرب الأهلية على الرغم من كل البشاعات التي صاحبتها لم تدمر المقابر، وهذا دليل على التسامح اللبناني الذي حافظ على احترامه لحرمة الأموات!
أذهلني كلام ستيتية وجعلني أشعر بالعجز عن الكلام، ماذا أقول؟ هل أروي عن المقابر الجماعية التي رُمي فيها ضحايا المذابح ولا تزال الى الآن مقفلة؟ أم اخبر حكايات المخطوفين والمخفيين؟ أم أحكي عن اعدامات جرت في بعض المقابر؟ أم ماذا؟
مشكلتنا في لبنان أننا لا نحكي لا لأننا أصبنا بفقدان الذاكرة الجماعي مثلما يعتقد البعض، بل لأننا عاجزون عن الفعل. بدل أن تكون ذاكرة الحرب الأهلية مدرسة نتعلم من اخطائها وخطاياها ضرورة الخروج من قوقعة الطوائف المغلقة بالجمود والعنصرية الى رحاب المواطنة والمساواة والعدالة، صارت مدرسة للنسيان، واطارا للكذب، ومعبرا ندخل من خلاله الى أتون الانحطاط العربي الشامل.
ماذا نقول لأنيس فريحة، الذي علمنا حب لغة العرب، وأخذنا في رحلة الى السريانية، وصنع من أسماء قرانا عالما تمتزج فيه طبقات لغات هذه المنطقة، وترجم لنا أساطير اوغاريت، وكتب القواميس كي نتعلم المعاني في طبقاتعها اللغوية المختلفة.
نعتذر منه لأننا لم نستطع أن ندفنه في قريته؟ أم نعتذر لأننا لا نزال الى الآن عاجزين وساكتين وقابعين في سجون الوهم الطائفي الذي لم يكتف بافتراس وطننا الصغير، بل هو يفترس المشرق العربي برمته، ويحاول قتل صيحة الحرية التي دفع ويدفع السوريون ثمنها غالياً.
هل نروي له عن مخطوفي دوما الأربعة الذين كرسوا حياتهم لمقاومة استبداد النظام السوري ليجدوا اليوم انفسهم في عتمة استبداد آخر؟ أم نروي له عن صراع الهمجيات في سورية والعراق؟ أم نكتفي بأن نطلب منه أن يقبل تحيتنا المتأخرة ويغفر للقبر الذي لم يتسع لجسده؟
الياس خوري