المغرب يفقد واحداً من أعظم مُفكّريه في القرن العشرين: عبد الهادي التازي نذر حياته للبحث الذي يصل الأجيال بتاريخها الحضاري

حجم الخط
1

في سنّ الرابعة والتسعين، وبعد مسار حافل بالعطاء المنتج الذي لا يكلّ، ترجّل عن دنيانا المؤرخ والباحث المغربي المرموق عبد الهادي التازي. وبرحيله يكون المغرب قد فقد واحداً من أعظم مُفكريه في القرن العشرين، بحيث طبع بإسهاماته الغزيرة، خلال العقود السبعة الأخيرة وجه الحياة الثقافية لبلده، ودافع عن حضوره العربي الإسلامي ورسالته الحضارية في ربوع أفريقيا وأوروبا وآسيا، وألهم بخصاله التي جمعت التواضع إلى حضور البديهة وبراعة السرد وتوقُّد الذاكرة، جمهوراً من طلبته ودارسي فكره التاريخي والثقافي.
ولد عبد الهـادي التازي في 15 يونيو/حزيران 1921 في فاس من أسرة محافظة، وفي جامعة القرويين تلقى العلوم الأصيلة والشرعية، وزاد عليها دراسة علوم العصر ومعارفه واللغات العصرية الحديثة.
وناضل ضد الاستعمار وسجن عام 1936 وهو ابن 14 سنة مع بعض أقرانه، كالشاعر إدريس الجاي والمؤرخ عبد اللطيف بنمنصور، بعد مظاهرة احتجاج في شوارع فاس.
واعتقل للمرة الثانية عام 1938 بتهمة حيازته كتاب الأمير شكيب أرسلان «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم»، وكتاب «حاضر العالم الإسلامي»، بينما اعتقل للمرة الثالثة عام 1944 عند تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، حيث تعرض للضرب وسجن لمدة عامين. لكنّه بعد ذلك ابتعد عن العمل السياسي ونذر حياته للعلم والمعرفة.
وقد دافع في كتبه التي تُعدّ بالعشرات عن القيم والهوية العربية والإسلامية، واشتغل في مجمع اللغة العربية زهاء ربع قرن، مقتنعاً بأن اللغة العربية حيّةٌ لا تموت.
ومن أهمّ ما اقترن به اسم عبد الهادي التازي تحقيقه رحلة «تُحفة النُّظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» لابن بطوطة، الذي عاش على خطاه متنقّلاً بين مكتبات العالم وجامعاته باحثاً ومحاضراً، حتى قيل بأنّه قطع أزيد من 1280 تذكرة للرحلات الجوية عبر العالم، وتعريفه بجامعة القرويّين، ثُمّ بحوثه في التاريخ الثقافي والدبلوماسي.

مسار حافل:

علاوةً على عمله دبلوماسيا وسفيرا من طراز نادر لحضارة بلده، اشتغل عبد الهادي التازي مديراً للمعهد الجامعي للبحث العلمي في الرباط، وساهم في تأسيس اتحاد كتاب المغرب وأكاديمية المملكة المغربية. والتأم في مجموعة من الهيئات الثقافية: كالمجمع العلمي في العراق (1966)، مجمع اللغة العربية في القاهرة (1976)، المعهد العربي الأرجنتيني (1978)، مجمع اللغة العربية الأردني (1980) ومجمع اللغة العربية في دمشق (1986)، والأكاديمية الهاشمية في الأردن. كما شغل منصب الرئيس المؤسس لنادي الدبلوماسيين المغاربة (1990)، ورئيس المؤتمر العالمي السادس للأسماء الجغرافية في نيويورك. ومن أعماله: «آداب لامية العرب، أعراس فاس، جولة في تاريخ المغرب الدبلوماسي، تاريخ العلاقات المغربية الأمريكية، قصر البديع في مراكش من عجائب الدنيا، في ظلال العقيدة، التعليم في الدول العربية، العلاقات المغربية الإيرانية، أوقاف المغاربة في القدس، دفاعاً عن الوحدة الترابية، الرموز السرية في المراسلات المغربية عبر التاريخ، التاريخ الدبلوماسي للمغرب، المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي». كما ألف الفقيد أعمالاً في مجال التحقيق منها، «تاريخ المن بالإمامة» لابن صاحب الصلاة، «الفريد في تقييد الشريد» لأبي القاسم الفجيج؛ عدا ترجماته في المجالين التاريخي والثقافي.

شهادات:

وفي شهادته قال الباحث والروائي عبد الإله بن عرفة: «بقي شامخاً بما خلّفه للأجيال من أعمال.
ويبقى تحقيقه لرحلة ابن بطوطة واهتمامه المتواصل بهذا الكتاب مؤشراً إلى أن الرجل كان فيه بعض ما في ابن بطوطة من ولع بالسفر والاطلاع.
وأذكر أنني اجتمعت به في مناسبات عدة، ومن بينها ندوة «خزانة جامع القرويين: التاريخ و الواقع والآفاق» بمناسبة الاحتفال بمدينة فاس عاصمة للثقافة الإسلامية 2007.
وقد أعلن رحمة الله عليه، في ختام الندوة تحبيس خزانته العامرة لفائدة خزانة جامع القرويين، وكانت تضم آنذاك أزيد من 7000 عنوان، وبعض تلك العناوين فيها عشرات الكتب.
ولا غرو في هذا الكرم من أمثاله، فبعد أن طوّف في البلاد شرقاً وغرباً، مثل ابن بطوطة اختار أن يُودِعَ حشاشة روحه وأسفاره وذكرياته في خزانة جامعة القرويين، أقدم جامعة في العالم».
وكتبت الناقدة والروائية زهور كرام: «ما كان يشدني إلى هذا المفكر، هو عشقه المستمر للمعرفة، والبحث العلمي التاريخي، وحضوره المستمر للمؤتمرات واللقاءات الثقافية، وحرصه على الدفاع عن مواقفه مثل، دفاعه عن اللغة العربية، وهو مقتنع بأن اللغة العربية لن تموت، لأن لها هيكلا ومقومات تضمن لها البقاء، وكلما تعمقنا فيها وجدناها غنية وجديرة بالبقاء، لكنها تحتاج إلى قواميس حية متحركة متجددة.
لهذا، دعا للتحرك لحماية اللغة العربية بطرق منطقية ومدروسة حتى تعيش جنبا إلى جنب مع اللغات الحية الأخرى مواكبة للمستجدات».
وأما الإعلامي حسن ميموني، فقد قال في الراحل: «قد يذكر جميع من عرفوه أو عاشروه عن قرب صورة رجل متوسط القامة لا يبارح سترته الأنيقة الموصولة دوما بربطة عنق لا تقل رشاقة، قد يتذكر بعضهم ذلك الإشعاع الخفي من عينين تتقدان على الدوام من فرط الذكاء، لكن المؤكد أن قلة منهم قد ينسون هامة رجل ظلت تشع بتواضع الكبار، من دون أن تنفصل عن بساطة محيا طفل يود أن لا يكبر أبدا.
ولا غرو، فمن خلف هذه النظرات العميقة والسحيقة التي تقارب السذاجة في بساطتها، يختبئ تعطش الباحث وفضول الصحافي ودقة المؤرخ وصرامة الحقوقي ولباقة الدبلوماسي ومهارة الكاتب… أي وباختصار هامة علامة وفقيه».
ولئن صحت مقولة الكاتب المالي أمادو أمباتي با (1901/1991) «في أفريقيا كلما مات عجوز احترقت مكتبة غير مكتشفة»، فإنّها تنطبق، بالفعل، على عبد الهادي التازي؛ لكن العزاء في أن المكتبة لم تحترق، وحولها حواريّون مخلصون بوسعهم أن يستلهموا قيم الفقيد وتطلُّعاته العظيمة والمُجنّحة.

عبد اللطيف الوراري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية