المفترض أن الولاء الوطني قبل السياسي

حجم الخط
3

في واقعنا الحالي، بكل أوضاعه الرديئة، يفاجأ الدارس والمتابع بمستوى الانحدار الذي وصلت إليه الأمور، ويقع في حيرةٍ مطلقة عند استعراض الأسباب التي أدّت إليه. ومن ثم يبدأ في الاجتهاد التحليلي، للوصول إلى جوهر الأسباب، وهي التي تتراوح بين نظرية المؤامرة الخارجية، التي ليست أكثر تحليل سببي للحدث، وشماعة تعلق عليها التقصيرات، كما أنها العامل التبريري الأسهل.
بالطبع، مرورا بإشكاليات النظام الرسمي العربي ومعضلاته الكبيرة، وسيره بالتوازي مع مصالح جماهيره وحريتها وديمقراطيتها دون التقاطع معها، بل التنافر مع حقوقها، وصولا إلى إشكاليات الجماهير العربية وقواها المنظمة، التي يحسها المراقب، وكأنها في غفلة عما يدور في فضائها من أحداث، لكل هذه العوامل يزداد الانحدار. هناك بعض التجمعات والأحزاب التي تنفي رداءة الواقع، ذلك، حتى تجد مبررا سببيا لوجودها ومجالا لنشاطاتها. في مرحلة ما، قالوا عن الشعب الفلسطيني، بأنه يسبق قياداته بعقود، لكن في هذه المرحلة يمكن تعميم المقولة على أكثر من شعب عربي، فالخلل أساساً يكمن في الحركات المنظمة لهذه الشعوب، إنها حركات تعيش بياتا شتوياً طويلا، ممتداً في التاريخ، ولعجزها التأثيري على الحدث/الأحداث، وتقاعسها عن الفعل، بدأت في التآكل من خلال الاعتياش على بعض الفترات الماضية من تاريخها، وفي نهاية المطاف، بدأت في أكل نفسها.
عندما نتحدث عن الولاء الوطني، لا بد من التطرق إلى مفهوم الوطنية، التي هي أولاً وأخيرأً مفهومٌ أخلاقي، وأحد أوجه الإيثار، لدفعها المواطنين إلى التضحية بحيواتهم، من أجل بلادهم. لقد رفض ألسدير ماكنتاير مقارنتها بالأخلاقيات، كونها القاعدة التي تستند إليها الأخلاقيات. واعتبرها جورج هيغل، القناعة التي تدفع المرء للتضحية بفرديته لصالح وطنه، وهذا هو أعظم اختبارٍ للوطنية. بالنسبة لجان جاك روسو، لا تنفصل الحرية عن الوطنية، وهي مستحيلة التحقيق في المجتمعات المستعبدة، من هنا يكمن الشك والارتياب في كل الذين يدّعون الإنسانية والأممية دون التزامهم أولا بوطنيتهم تجاه بلدانهم. لا تستغربوا أن ميكافيللي وضع تقييما مميزا للوطنية في كتابه «الأمير»، واستبعد الحرية عن كثير من البلدان، من دون أن تكون شعوبها حاضرة لتقديم التضحيات اللازمة لأوطانها. كان كتابه بالطبع مناشدة لتخليص إيطاليا من الهيمنة الأجنبية والحكام الضعفاء قصيري النظر، بغض النظر عن عدل أو ظلم الوسائل (وفي هذه المسألة نختلف معه بالطبع). إن أحد أسباب رداءة الواقع العربي الحالي، وبضمنه الفلسطيني، هو تعدد الولاءات السياسية والتنظيمية والدينية والمذهبية، والأصول الإثنية في المجتمعات العربية، وتفضيلها عن الولاء للوطن، لا بل تسييدها عليه، لتكون عنوان الكثير من التجمعات والصيغ والأحزاب، بل في كل الأحيان على حسابه. مع أن من المفترض أن الولاء للوطن هو الولاء المطلق وبلا حدود، كونه لا يقبل الازدواجية في المفهوم، ولا يتجزأ. الولاء الوطني هو تأكيد الانتماء وتعميق الارتباط بكل ما يرمز إليه الوطن، من قيم ومثل ومبادئ وخصوصيات ونظم وقوانين وأمجاد تاريخية، وهو أيضاً الإخلاص في خدمة الوطن. وهو الحرص على سلامته من كل الآفات والأضرار والمخاطر، التي يمكن أن تمس به مادياً ومعنوياً. الولاء للوطن بهذا الاعتبار، هو السعي من أجل أن يكون الوطن في الذروة من المجد والسمو والتقدم والرقي والازدهار، وأن يكون الوطن أولاً في كل الأحوال وتحت جميع الظروف، وأن لا يكون ثمة شيء يسبق الوطن في القيمة والاعتبار، مهما تكن الدواعي والأسباب والمبررات والضرورات. لأن الوطن فوق كل الاعتبارات والمعايير والحسابات. والولاء للوطن بهذا المفهوم، هو الارتباط العقلي والوجداني بالوطن إلى أبعد الحدود، شريطة أن يكون هذا الارتباط الحميمي، الركيزة التي يقوم عليها الولاء الكامل والمطلق للوطن، النابع من الأعماق.
فالولاء للوطن إذن هو جماع الوطنية والمواطنة معاً، وهو جوهر الانتماء الذي يكسب المرء الشخصية والهوية الوطنيتين، فلا هوية وطنية بالمدلول الحضاري والمفهوم الثقافي والتاريخي، لمن لا ولاء له لوطنه الذي ينتمي إليه. وحتى إذا ثبتت الهوية القانونية، فإنها لا تكون ذات مدلول وقيمة حقيقية، إذا فقدت لدى الشخص المعني، الهوية الثقافية والحضارية والتاريخية. من هذه الخلفية كفلسطيني، أفهم الولاء لوطني فلسطين. ربما تكتسب الوطنية الفلسطينية خصوصية مميزة، ذلك بفعل العدو الاحتلالي الاقتلاعي للجماهير الفلسطينية من وطنها، ذلك لأن الفلسطيني في بعض دول الشتات، قد يحصل على جنسية جديدة، وفي حالة ولادة أبناء له، يكتسبون الجنسية الجديدة، الأمر الذي قد يخلق تضارباً بين وطنيته الأصلية ووطنيته الجديدة، وهذا ما يهدف إليه العدو الصهيوني من تذويب للوطنية الفلسطينية مع مرور الزمن.
المفترض في الحالة الفلسطينية من الأهل، تربية الأبناء على الوطنية والتمسك بها من أجل تحرير الوطن الفلسطيني من المحتلين، بمعنى آخر، الوصول إلى الوضع الطبيعي أولا، ومن ثم تكون حرية الفرد في التحيز للوطنية التي يريد، من دون ذلك، فستتآكل الوطنية في الشتات بما يؤثر على مضمون الولاء للوطن الفلسطيني، والشتات بالفعل يعيش فيه ما يزيد على تسعة ملايين لاجئ فلسطيني. لكن ونتيجة لوفاء الأجداد من المهجّرين الفلسطينيين قسراً إلى الشتات، للوطنية والوطن الفلسطيني، ونتيجة لوجود المخيمات الفلسطينية في بلدان عربية كثيرة، وربما «لرمية من غير رامٍ»، فإن المضايقات الرسمية العربية للفلسطينيين، عززت الانتماء لديهم لوطنهم. كذلك وجود التنظيمات الفلسطينية والوحشية الصهيونية المستمرة منذ ما قبل الإنشاء القسري للكيان، وحتى اللحظة، وردّ الفعل الفلسطيني على هذا العنف السوبرفاشي، خلقت نوعا مميزا في تحدي الفلسطيني للعدو، بالشكل الذي يتعزز فيه انتماؤه لهويته. صحيح، أن هناك إجبارا (بطريق غير مباشر) مقرونا بإغراءات لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة من مخيمات الشتات، غير أنه من الصحيح أيضاً، أن بقاء العوامل الأخرى قائمة، حافظت على استمرارية تعزيز المواطنة والوطن لدى الفلسطيني.
في مراحل ثورتنا الفلسطينية المعاصرة، تعددت وتتعدد الولاءات التنظيمية، وفيها من يعتبر أن الولاء للتنظيم هو أهم من الولاء للوطن، وهو ما يُعبّر عنه بـ»العصبوية التنظيمية». يظهر ذلك في الأغاني المكرسة للتنظيمات، وفي المسيرات داخل الوطن المحتل وخارجه، حين ترى غابات الأعلام الخاصة بالتنظيمات، وترى الأعلام الفلسطينية قليلة، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة في مظاهرة يسير فيها الآلاف! أما فيما يتعلق بالعمليات الفدائية المقاومة، فتتسابق التنظيمات في الإعلان عن شهدائها، ويستغل العدو الصهيوني ذلك الاعلان بالطبع، ويتعرف على أهل الفدائيين الذين قاموا بالعملية، فيبدأ بتدمير بيوت أهالي الشهداء، ويقوم باعتقال أقاربهم، ويستهدف كوادر ذات التنظيم في اعتقالاته.
نحن نعيش مرحلة التحرر الوطني، فليؤجل السباق والمباريات التنظيمية إلى أن يتحرر الوطن الفلسطيني، ساعتها فلتعرف جماهيرنا ما قدّمه كلّ تنظيم. هكذا كانت تجربة بعض أحزاب الحركة الوطنية اللبنانية، إبّان الاحتلال الصهيوني للجنوب اللبناني. إن إحدى كوارث شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية أن يتقدّم الولاء السياسي على الولاء الوطني. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الولاء في مفهومه الواسع يتضمن الانتماء لحزب أو جهة. فلن يحب الفرد وطنه ويعمل على نصرته والتضحية من أجله، إلا إذا كان هناك ما يربطه به. وتحقيق معادلة المزاوجة بين الولاء والانتماء، فأحدهما جزء من الآخر أو مكمِّل له، فهما يمتزجان معاً حتى أنه يصعب الفصل بينهما.
كاتب فلسطيني

المفترض أن الولاء الوطني قبل السياسي

د. فايز رشيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية