ظاهرة النجومية الفكرية ليست جديدة وهي مرتبطة بالتطور الذي شهده العالم منذ منتصف القرن العشرين في وسائل الاتصال، خصوصاً ظهور أجهزة التلفزيون، وعند الحديث عن هذه الظاهرة يمكن استحضار سارتر وراسل وبقية السلسلة التي واصلت حضورها، من خلال التركيز على الكاريزما الشخصية، وطريقة الأداء اللغوي والحركي، ويمثلها اليوم في عصر اليوتيوب سلافوي جيجك المفكر، مع التحفظ، السلوفيني ذائع الصيت.
قبل المضي قدماً يجب أن نعيد اختراع العجلة وأن نذكر بأن النجومية الفكرية لا ترتبط بالمحتوى، وأن مفكرين مهمين، وعلى درجة كبيرة من الأصالة والعمق، يبقون إلى اليوم مجهولين ومغيبين على رفوف المكتبات التي تمتد اليوم مثل مقابر كبيرة خلفتها حرب كونية، قطفت زهرة شباب بعض الأمم لتتيح الفرصة لأبناء غيرهم، من المحظوظين الذين كتبت لهم النجاة، لأنهم كانوا أكثر حذراً وتحفظاً أو حظاً ببساطة.
وكأي ظاهرة أخرى بدأت في الغرب، فإن النجومية الفكرية بدأت في المشرق العربي مع ظهور الإذاعة والتلفزيون، التي قدمت طه حسين والعقاد وغيرهما، وكأي شيء في المشرق العربي، فإن الأمور مضت من الواعد لتتورط في السيئ وتسقط في الأسوأ، وكما بدأنا مع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وعبرنا شريفة فاضل ومحرم فؤاد، فإن وصولنا اليوم إلى بوسي سمير وهيفاء وهبي يمكن أن يتماثل مع البداية من العقاد والوصول إلى يوسف زيدان.
وكجملة اعتراضية، فإن هذه المقالة لم تضل طريقها من صفحات الثقافة إلى صفحة ذات طبيعة سياسية، وكاتبها يبقى زاهداً في طرح نفسه ضمن الوسط الثقافي، ويصر على تمسكه بتحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، بوصفها الفاعل في صياغة الثقافة وليس العكس، وزيدان صاحب النجومية الواسعة في الفكر العربي، بتطبيقه لاستعراضاته الشخصية والفكرية، يطرح نفسه ظاهرة أوسع من ثقافية ويحمل طموحاً نبوئياً لا يمتلك كثيراً من أدواته.
وكضرورة قبل مواصلة تفكيك آخر معاركه، وبما يلزم التوضيح، بأنها ليست حول آرائه في صلاح الدين الأيوبي أو لهجته اللافكرية التي استخدمها في نقد الشخصية التاريخية، صاحبة القيمة الرمزية الكبيرة، فإنه من الضروري تفكيك جزء من الهالة التي تحيط بزيدان، ففوزه بجائزة البوكر العربية عن روايته «عزازيل» لا يعد مطلقاً منجزاً شخصياً له، بقدر ما يمكن أن يستخدم للطعن في قيمة الجائزة من الأساس، وإذا كنا نترك للمتخصصين في الأدب الحكم على قيمة الرواية، وحتى تفكيك حالات التأثر والتناص التي تحفل بها، فإنها في النهاية ليست سوى نسخة عربية منخفضة الجودة من «اسم الوردة» للايطالي امبرتو أيكو، الذي يبدو أن زيدان يحاول، بكثير من التعثر والتهور أن يقدم نفسه بوصفه نسخة عربية منه. المعركة المعنية هي حديث زيدان عن ضرورة ثورة الصفوة، والمشكلة تبدأ مع اختياره لكلمة الصفوة، التي تقدم دلالات ضمنية خطيرة، فهي تختلف جذرياً عن النخبة المرتبطة بعملية اجتماعية، تجعل المشتركين فيها يمتلكون الحد الأدنى من التوافق بين أفراد جماعات معينة، يمكن أن تكون مجرد تنظيمات صغيرة أو امبراطوريات ممتدة، وتمنحهم شرعية قائم على ما يراه الآخرون فيهم من إمكانيات وقدرات، بينما الصفوة تعبر عن استحقاق ذاتي منفصل عن سياقه الاجتماعي بصورة كلية، وتعطي المنتمين لما يسمى بالصفوة حقوقاً شبه إلهية، تقوم على تفوقهم الشخصي المنفصل كلية عن المجتمع، فهم السوبرمان الذي يقوم على الوراثة والتفاصيل الحيوية لعقولهم والخريطة النفسية لنموهم والمواعيد التي تضرب مع القدر، وكم دفعنا ثمناً باهظاً لرجال تصوروا أنهم أتوا في موعدهم مع القدر، ومنهم صلاح الدين الأيوبي نفسه.
كلمة الصفوة في حد ذاتها ليست ثورية، والصفوة وفق المعيار الزيداني، الذي يمكن أن يظهر في التاريخ مع أفلاطون تحديداً ورؤيته للمدينة الفاضلة، أو الجمهورية المثالية، ليست عنصراً يتصف بالثورية، فأفلاطون حاول أن يتواصل مع السلطة وأن يستجديها، في محاولة لتطبيق تجربته الفكرية على أرض الواقع، كما أنه تورط في تطبيق أقصى درجات الأنانية والعشوائية بتوريثه إدارة مدرسته لأحد أقاربه البيولوجيين، مع معرفته الوثيقة بأحقية تلميذه أرسطو في متابعة طريقه المؤسسي، وبذلك كان أفلاطون يمثل الرجعية التقليدية، بينما أرسطو يأخذ بنفسه ليمثل الثورة والاحتجاج.
الثورة تخرج من العوام، فالمعتزلة لم يقوموا بالثورة، ووصولهم لأقرب نقطة تمكنهم من التغيير والإصلاح ارتبط بممارستهم لأساليبها وترسيخها، فكانوا الجلادين الذين يرفضون الرأي الآخر، الذي طرحه ابن حنبل ليكون مدخلاً لمحنته الشهيرة، والثورات كما يعلم قارئ التاريخ خرجت من صفوف الزنج وغيرهم من المهمشين، ممن كانوا يصنفون في درجة أقل من العوام، وهو التعبير الآخر الذي ما يفتأ، ولا يكل ولا يمل، زيدان من ترديده وتكراره. المفكرون لا يصنعون التاريخ، وربما أدرك الشاعر الجواهري، الذي كان مفكراً على مقربة من السلطة في مرحلة من تاريخه، بأكثر مما يقدر زيدان أو يستطيع أو يستجدي هذه الحقيقة ليحدد دور المفكر في مقولته «تجري على رسلها الدنيا ويتبعها.. رأي بتعليل مجراها ومعتقد»، وإذا كان المفكر من وقت لآخر يمكن أن يتقاطع مع عملية صناعة التاريخ، كما يحدث وراء الأطلسي في التعاطي مع فوكوياما وهنتنغتون، فإن نتيجة هذا التقاطع يمكن أن تكون أي شيء باستثناء الثورة.
المثقف بشكل عام تنتجه المؤسسات في زمن معين، ولذلك فهو لا يمتلك القدرة على الانقلاب على المؤسسة، إلا في حالات استثنائية وقليلة تحركها رؤيته الإنسانية لا الفكرية، ولذلك كان شوبنهاور يتيح شرفة منزله لرجال الأمن ليقتنصوا المحتجين، وكان بول ريكور، أحد الذين اعتراهم السخط من قبل الطلبة في انتفاضة الجامعات 1968 لموقفه السلبي منهم، بينما وقف عالم النفس الشهير والمؤثر لاكان ليسخر من الطلبة ويقول بأنهم كأشخاص هستيريين يبحثون عن سيد آخر، وسيحصلون عليه.
المثقف الحقيقي الذي يشتبك مع السلطة يكون نصيبه السجن أو النفي أو الفقر، وزيدان لا يقدم طرحاً يجعله يكتسب هذه الصفات، ولا تجعله شخصاً مناسباً ليرتدي مسوح النبوة أو القدسية أو الثورية، فالرجل، وبكل هالته، ومع هذا الطرح يبدو وكأنه لا يفهم واحدة من اثنتين، الثورة أو الصفوة، فالثورة هي عملية دائمة لتفكيك فكرة الصفوة وإعادة تشكيل مفهوم النخبة، أما أن تكون الثورة منسوبة للصفوة، فالأمر لا يختلف عندما كان الملوك في نهاية العصور الوسطى يصرون على أن أي دستور، لو كان ضرورياً، فإنه يجب أن يقدم بوصفه منحة وتكرماً وتمنناً من الملك وليس تعبيراً عن إرادة الشعب، كما حدث في فرنسا مع دستور 1814، الذي اعتبره الملك لويس الثامن عشر منحة للشعب، وحاول شارل العاشر استردادها سنة 1830، وتكرر السيناريو مرة أخرى في مصر مع الملك فؤاد، وإذا كانت الثورة كما يراها زيدان منحة أو هبة، فالرد المناسب هو رفضها والتمسك بثورة الناس أو كما يسميهم المفكر الكبير حسبما يقدم نفسه، بالعوام.
كاتب أردني
سامح المحاريق