المقاومة القضائية في مواجهة دونالد ترامب

حجم الخط
1

كمن يشهر أوراق «المتناسقة الملكية» (الرويال فلاش) في لعبة البوكر استصدر الرئيس دونالد ترامب ستة أوامر تنفيذية في الأسبوع الأوّل من دخوله البيت الأبيض. المشترك بينها التعامل مع فترة الرئيس السابق باراك أوباما كما لو كانت عهداً بائداً يطاح به في عملية ثورية وليس في صناديق الإقتراع في دولة تزاول الديمقراطية الإنتخابية منذ وقت طويل. تظهر هذه الأوامر التنفيذية كتطبيق مبكر لشعارات ترامب خلال السباق إلى الرئاسة، لكنها لا تخفي بعد آخر: إدراك ترامب وفريقه بأنّ العمل جار لتقويض ولايته من داخل مؤسسات وأجهزة الدولة ووسائل الإعلام، ومن الشارع، وردّه على ذلك بالإستخدام الأقصى لما في يده من مفاتيح.
ومن الشروع في تفكيك نظام الرعاية الصحية (أوباماكير)، بعد أن كان ترامب قد خفّف بعض الشيء من لهجته حياله في إثر إعلان فوزه، إلى الإنسحاب من الشراكة العابر للمحيط الهادىء، كدليل على مضيّه في سياسة حمائية تتعامل مع حرية التجارة من الآن فصاعداً كمطية في يد الشيوعية الصينية، إلى التضييق على حق المرأة في الوقف الإرادي للحبل، رغم قرار المحكمة العليا الذي يبيحه، وذلك من خلال منع التمويل عن المنظمات غير الحكومية التي تتضمن خدمات مسهّلة للإجهاض خارج الحدود الأمريكية، إلى اعادة تشغيل خط أنابيب كيستون، بعد أن تمكّن النضال البيئي من وقف هذا الخط في عهد أوباما، ورغم قلّة جدواه اليوم، ما دام النفط الكندي الذي يستقدمه هذا الخط لم يعد أقل تكلفة من سواه كما كان الحال سابقاً، وتشغيل خط أنابيب داكوتا الذي يهدّد معاش جماعات السكان الأصليين، وفيه مكسب مباشر لترامب الذي له أسهم في الشركة، إلى تطوير الحاجز بين الولايات المتحدة والمكسيك، المقام في عهد جورج بوش الإبن، ليتحول إلى جدار فصل يحتاج إلى خمسة وعشرين ملياراً من الإنفاق عليه، ويريد ترامب أن تدفعها المكسيك بنفسها، إلى الأمر التنفيذي المتعلّق بصدّ الباب أمام اللاجئين لفترة، والمنع الشامل لمواطني عدد من البلدان ذات الغالبية المسلمة التي تشمل خمس سكان العالم الإسلامي من دخول الولايات المتحدة لثلاثة أشهر من تاريخه، بدعوى «حماية الأمة» من دخول إرهابيين أجانب. وبالإضافة إلى هذه المتناسقة الملكية السداسية، أوصى ترامب فريقه بنشرة أسبوعية لجرائم المهاجرين ضدّ المواطنين الأمريكيين.
بأخذ عنصر المبادرة على هذا النحو، والعمل على استئصال الأوباميّة كما لو أنّها الرجس الذي يمنع الولايات المتحدة من أن تعود «عظيمة» مرة ثانية، يعمل ترامب على توثيق عرى التضامن في المعسكر اليميني المحافظ، وإبعاد فكرة تقويض رئاسته أو تنحيته التي أطلت برأسها بشكل أو بآخر يوم أثير الخبر حول فضيحة «الغولدن شاور» في جناح فندق «الريتز كارلتون» بموسكو، وتقاطع ملف هذه الفضيحة مع محتويات ملف التدخّل الروسي في الإنتخابات الأمريكية.
لأجل ذلك، جاء تصدّي القاضية الفدرالية ان دونيلي لأمر ترامب التنفيذي المتعلّق بالبلدان المسلمة السبعة، وتعطيله جزئياً، من خلال السماح لمن معهم تأشيرة ووصلوا إلى التراب الأمريكي من الإقامة في البلد، ليعيد إلى الواجهة أهمية المؤسسة القضائية في هذه اللحظة بالتحديد، لحظة تزنّر ترامب بالأوامر التنفيذية الصادمة والسريعة لتوطيد رئاسته، بدلاً من البحث عن توطيدها بالوقت المطلوب لإقلاع الإدارة الأمريكية الجديدة، بمختلف وزاراتها.
وآن دونيلي من «تركة أوباما»، بل أنّ المنازعة بين أوباما وبين الرافضين داخل مجلس الشيوخ لتعيينه لها في محكمة استئناف دائرة شرق نيويورك دامت عاماً كاملاً قبل تبوئها المنصب. ما لفت العالم أجمع كان سرعتها في الردّ على قرار ترامب، والأهم: يأتي ذلك لإستباق المنازعة الكبرى التي تلوح في الأفق بدءاً من الثاني من شباط، حين سيقوم ترامب بتسمية خلف للمقعد الشاغر في المحكمة العليا، أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة والهيئة الموكلة مراقبة دستورية القوانين، والمرجع في تفسير الدستور وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين. هذا المقعد شغر بوفاة القاضي الكاثوليكي المحافظ انتونين سكاليا في شباط الماضي، دون أن يتمكّن أوباما من تسمية خلف له، نظراً لرفض الغالبية الجمهورية داخل مجلس الشيوخ من حيث المبدأ قيام رئيس بتسمية أحد أعضاء المحكمة العليا التسعة، في نهاية ولايته (رغم أنه سبق لرونالد ريغان القيام بذلك). ولمّا كان أعضاء المحكمة العليا يعيّنون من قبل الرؤساء المتعاقبين، بعد نيل موافقة مجلس الشيوخ، مدى الحياة، فإنّه ينظر إلى الإسم الذي سيقترح ترامب كتتمة للزخم اليميني المتصلّب لأسبوعه الأول في البيت الأبيض، وهذا الإتجاه سيتعزّز إذا وافت المنية عضو المحكمة القاضي التقدمي المتقدم في السن رث غينسبرغ، الأمر الذي سيطيح بكل توازن بين المحافظين والليبراليين داخل المحكمة.
الصراع على تكوين المحكمة العليا مفتوح منذ رحيل القاضي سكاليا، وهو الآن على أشدّه. الأسماء التي سمّاها ترامب لتبوؤ الوزارات والمناصب في إدارته، والأوامر التنفيذية المتصلّبة والسريعة لأسبوعه الأوّل، توحي بأنّه بصدد تسمية قاضي يميني للغاية بدل سكاليا، وإذا قام بذلك فالواضح أنّه سيكون أمام مشكلة مع الأقلية الديمقراطية داخل مجلس الشيوخ، التي تملك عددياً ما يكفي للجوء إلى حق المماطلة التشريعية (الفيليبستر)، طالما أنّ الشيوخ الجمهوريين لا يملكون غالبية الستين صوتاً الضرورية للمصادقة على التعيين المقترح من ترامب. وهنا يرتسم المفترق: فإمّا يبحث ترامب عن مرشّح أقل يمينية أو «توافقي» (باللبنانية!) لاستكمال عضوية المحكمة العليا، وإمّا تذهب الأكثرية الجمهورية في مجلس الشيوخ في الإتجاه الترامبي، حيث هناك مجال لتمرير قرار داخله، بأكثرية بسيطة، بأنّ تسمية القاضي التاسع لهذه المحكمة بمنأى عن الفيليبستر، الأمر الذي سيصعّد من مستوى التشنّج.
حتى الآن لم يظهر ترامب فقط في مظهر من يعمل على ترجمة وعوده الإنتخابية بسرعة، بل أيضاً كمغامر بمستطاعه ربط المعسكر اليميني الجمهوري الأمريكي بالمسار الذي يرتئيه: مطواعية الحزب الجمهوريّ لرجل كان يهدّد بالذهاب إلى الإنتخابات الرئاسية بمفرده إن هو لم ينل ترشيح الحزب، هذه المطواعية هي على ما يبدو معطى لم يكن مقدّراً إلى هذا الحدّ. وفي المقابل، المضادات الحيوية ضد ترامب تفرزها بشكل أساسي الملايين من النسوة، في حدث جماهيريّ غير مسبوق، بهذه السعة والطابع «الجندري» الواضح. وهذا المعطى مرشح للإستمرار.
بالتوازي، يبقى القضاء الأمريكيّ، المؤسسة الأقل إحتكاماً لخيارات الناخبين مقارنة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية الرئاسية (مع أنّ آليات الإنتخابات معتمدة فيه، ولاختيار المدعين العامين، في أمريكا أكثر من أي بقعة أخرى)، هو مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية وعن ميزان السوّية في عالم اليوم، إن أفلتت بطبيعة الحال، من محاولة يمين اليمين وضع يده عليها، بدءاً من قمة هرمها، المحكمة العليا.
وما بين ملايين النسوة في الشارع، في حركة الإحتجاج ضدّ ترامب وسياسته «الميزوجينية»، وما بين المحكمة العليا، الذي يتقدّم معظم أعضائها في السنّ، سيسجّل التاريخ للقاضية آن دونيللي «سرعة القرار»، لا بل «سرعة البديهة». ما جرى لم يكن فقط تعطيلاً جزئياً لأحد أوامر ترامب الكارثية الست، بل أيضاً، إعلاناً بالنية، على استنزافه بشكل واضح، ومن داخل جهاز الدولة. فالمعركة مع ترامب قضائية، مثلما أنها صراع على مفاتيح القضاء، ومقاومة سياسات ترامب هي بالدرجة الأولى قضائية، ليس فقط حين يتجاوز صلاحياته، بل أيضاً حين يمارس كل صلاحياته في شكل «متناسقة ملكية» تصادر المسار المؤسساتي الإنسيابي، بما فيه مسار إدارته هو.

٭ كاتب لبناني

المقاومة القضائية في مواجهة دونالد ترامب

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية