المنظمة في حالة الاحتضار الطويلة

■ متابعة أخبار وتصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الآونة الأخيرة أصبحت عبئاً مرهقاً، وما لا يدركه الرئيس وفريقه أن هذه التصريحات ومن ضمنها تهديده بحل السلطة الفلسطينية لم يتم التعامل معها بأدنى درجات الاهتمام السياسي، ولم تظهر ملامح الهلع وما سهر الخلق جراها ولا اختصموا، وإن يكن تأثير ما لتهديدات عباس فإن مجاله كان في مواقع التواصل الاجتماعي وظهر من خلال إذكاء صراعات فلكلورية، أو حتى إثراء كتاب السخرية بمادة من تصنيف المضحك المبكي، ولكن هل تساءل أحد ما الذي سيجري مباشرة بعد إعلان عباس لحل السلطة؟
بالطبع سيخرج الرئيس وعلى ملامحه الجدية اللازمة مع تقطيبة عميقة تعطي أجواء تراجيدية للمشهد ككل، وربما يستحضر البعض خطاب التنحي الشهير الذي ألقاه جمال عبد الناصر في 9 حزيران/يونيو 1967 مع الفارق في عمق الصوت وهيبة الوجه المتعب، وما إن ينتهي الرئيس من خطابه يفترض أن يعود التاريخ لأكثر من عشرين سنة مضت، ولكن إسرائيل لن تعود مرة أخرى لمواقعها في الضفة الغربية وقطاع غزة، ستنتقي فقط المناطق الاستراتيجية بينما سيكفل لها جدار الفصل العنصري فرصة تطبيق الأبارتهيد على الفلسطينيين وعزلهم عن العالم، وبذلك يمكن لهواة نظرية المؤامرة أن يربطوا بين ترتيبات بناء الجدار ومسار عملية السلام ويصلوا إلى نتائج مرعبة.
إن أقصى ما يمكن أن يوصف بالعواقب الوخيمة على إسرائيل هو غياب التنسيق الأمني المنهجي، وهو ما سيتطلب بناء شبكة أمنية جديدة ربما أصلاً بدأت تكتمل في خطوطها العريضة، أو أنها بالفعل تشكل عمقاً موازياً للتنسيق الأمني الرسمي.
إسرائيل لن تخسر شيئاً لأنها ببساطة لم تتعامل مع السلطة بجدية على الإطلاق، ولم تكن تضع السلطة في اعتباراتها عند اتخاذ القرارات الحاسمة، ففريق عباس أثبت المرة بعد الأخرى أنه لا يمتلك أدوات للضغط، وأن الارتجال يحكمه خاصة بعد أن وقع الجميع في مأزق أمام العالم بوجود سلطتين متزاحمتين منتهيتي الصلاحية في دولة غير قائمة أصلاً إلا من خلال رموز السلطة الواهية والتي كان آخرها القصر الرئاسي الجديد في رام الله، وما دار من أحاديث حول تكلفته ليكون الرقم المرجح نحو 13 مليون دولار، وهو الرقم الذي تجاهل بالتأكيد قيمة الأرض على اعتبار أنها أرض للدولة، مع أن قيمتها يمكن أن تفوق مبلغ البناء نفسه.
كان عباس قبل تهديده بحل السلطة أعلن عن نيته مغادرة موقعه في الرئاسة وهذه لم تكن مشكلة لأحد، إلا أن إعلانه النية لمغادرة المنظمة كانت مسألة استدعت اهتماماً أوسع لتعلقها بجموع الشعب الفلسطيني، ولذلك اهتم الرئيس عبد الفتاح السيسي بالأمر وطلب من عباس موافاته في القاهرة ليثنيه عن هذه النية، وهذه خطوة ليست بالمستغربة، فالمنظمة ضرورة عربية أكثر مما هي مطلب فلسطيني في هذه المرحلة لأن الاضطراب الدستوري والقانوني الذي أحدثه عباس، وسيعمقه بأن يترك الأمر لأشخاص لم يحصلوا على أي (تطويب) ديمقراطي من قبل الفلسطينيين ويكتفون باستثمار الوضع القائم لمصالحهم سيعيد إلقاء الكتلة الفلسطينية في مختلف الدول العربية إلى الفراغ من جديد، وسيشكل عاملاً محفزاً لإعادة طرح السؤال الفلسطيني من جديد.
كانت المنظمة في انطلاقتها تعتمد على القرار الثالث الصادر عن القمة العربية في القاهرة 1964، ونصه (إنشاء كيان فلسطيني يجمع إرادة شعب فلسطين ويقيم هيئة تطالب بحقوقه)، ويمكن أن يظهر اليوم أن المنظمة أبعد ما تكون عن جمع إرادة شعب فلسطين فضلاً عن المطالبة بحقوقه، ثم أن اتفاقية أوسلو وما تبعها أدى أساساً إلى إحداث خلل جوهري في تعريف شعب فلسطين، فالمفترض أن النص يشتمل على جميع من ينتمون (حيوياً) لجميع الموصوفين بالفلسطينيين حتى صيف 1948، إلا أن الاتفاقية جعلت تحديد مصير فلسطين وتغيير الوقائع التاريخية والحقوقية ضمن فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، فهم يمثلون الكتلة الانتخابية التي تفرز القائمين على السلطة، والذين قاموا تالياً بتسويق نفسهم بوصفهم (دولة فلسطين)، وكان العرب والدول المناصرة للفلسطنيين يدفعون لتكريس الانتصارات الصغيرة مثل انضمام فلسطين لمنظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم (اليونسكو) تحت تأثير (النشوة) العاطفية، دون أن يلتفت أحد إلى أن العضوية كانت تحمل في طياتها بصورة مبطنة تماهياً وممازجة مضللة بين السلطة الفلسطينية ودولة فلسطين.
الفلسطينيون في الشتات تضرروا من منظمة التحرير الفلسطينية، فمثلاً تأسست حركة فتح من قبل الشباب الفلسطيني الذي تلقى تعليمه في مصر ولبنان وارتحل إلى الكويت من أجل لقمة العيش، وكانت مثل هذه المشاريع مرشحة للتفاعل في أكثر من موقع ولاكتساب حالة من الحيوية بين المجتمعات الفلسطينية المختلفة، إلا أن وجود المنظمة أنهى حالة التسامح من قبل الأجهزة الأمنية العربية التي بدأت تضيق الخناق على الفعل السياسي الفلسطيني الذي يخرج من القاعدة الشعبية لفلسطينيي الشتات، على أساس أن ذلك سيضر بشرعية منظمة التحرير التي أدت دوراً في الوصاية على الفلسطينيين، وذلك لا ينفي قيام دول عربية أخرى باستغلال المواقف وتأسيس تنظيمات موالية ودمجها في منظمة التحرير من خلال سلطة الأمر الواقع.
النتيجة أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت الحل العربي للتخلص من الفلسطينيين بوصفهم كتلة قلقة أنتجتها ظروف منطقة كاملة بمسؤولية تشاركية تضامنية بين جميع القوى المختلفة في مرحلة الانتداب وما بعدها، ويمكن القول، بأنها بما لقيته من دعم عربي كانت تؤدي دوراً يخدم بعض الدول العربية أكثر مما يخدم الفلسطينيين وقضيتهم، فالمنظمة أنزلت القضية من فضائها الدولي الإنساني الذي جعلها في مكانة رمزية لجميع المصابين بمتلازمتي الحلم والأمل من اليابان إلى البيرو لتجعلها قضية عربية تناقش في أروقة الجامعة العربية، ولاحقاً لشأن داخلي فلسطيني، والمفارقة المنطقية أن الشأن في هذه الحالة لا يحتمل وصف الداخلي بينما معظم الشعب الفلسطيني يعيش خارج فلسطين!!.
أمام سلطة وقعت في التناقض والاضطراب وبدأت تنتقل أخبارها من جدية التحليل السياسي إلى عبثية التواصل الاجتماعي، وأمام أكثر من ورطة تجعل مفاهيم مثل الشرعية والديمقراطية والإرادة الشعبية مجرد تسميات مضللة وفارغة فإن الشعب الفلسطيني يحتاج اليوم إلى جمعية تأسيسية جديدة يجب أن تكون الأولوية أمامه للخروج من مأزقه، وأن تتصف بالفعالية والقدرة على التعامل مع فلسطينيي الشتات على قدم المساواة مع أبناء الشعب الفلسطيني الصابر والمرابط في الضفة الغربية وغزة، وذلك للإفادة من أكثر من ستين عاماً تراكمت خلالها خبرات معرفية وفكرية ومهنية لدى الفلسطينيين، وسيكون أفضل دعم عربي متاح وممكن هو أضعف الإيمان، بما يعني الصمت وعدم التدخل بدعم ما يسمى بتاريخية ومكانة ووصاية منظمة التحرير.
حكمة عميقة كانت في مقولة (إكرام الميت دفنه) ليس لأن الميت يشعر بفرق بين الدفن في قبر متواضع أو ضريح فاخر، ولكن ليبقى الأحياء على احترامهم له دون أن يبدأوا بعد أيام قليلة في إبداء الانزعاج والضيق من رائحة جثته مهما كان احترامه بينهم وهو على قيد الحياة، وأكثر الأطباء تحلياً بالأخلاق سيتخذ قراره الشجاع بقطع أجهزة الإعاشة عن المريض الميؤوس من شفائه ليجنب ذويه مصاريف وأعباء إضافية لا يستفيد منها غير أصحاب المستشفيات، والمنظمة إن لم تكن دخلت في مرحلة الموت منذ زمن فإنها اليوم تحتضر بصورة تستدعي كل الشجاعة والشفقة من أجل إنهاء هذه الحالة من الاستنزاف المادي والمعنوي.

٭ كاتب من الأردن

سامح المحاريق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية